سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

تركيا في ليبيا… الأدوات والمواقف

تقرير/ رامان آزاد –
اعتمدت تركيا في تبرير تدخّلها بليبيا على شعارات نصرةِ الشعب الليبي ثم تحوّلت إلى التوجّه الدينيّ فتدعم حكومة الوفاق الإخوانيّة وراهنت على جماعات الإسلام السياسيّ، ومن ثمّ نبشتِ التاريخ العثمانيّ ولتقولَ أنّ أكثر من مليون ليبي أصولهم تركيّة، هي نفس الحكاية التي بدأتها من الحدودِ السوريّة من شعارات دعم الشعب السوريّ، ثم انتقلت للعدوان بحجّة الأمنِ القوميّ فالاحتلال. صحيحٌ أنّ فصول القصة تشبه الحكاية السوريّة، إلا أنّ اللاعبين في ليبيا ليسوا أنفسهم تماماً كما لا يؤدون الأدوار نفسها.
اتفاقُ سرقةٍ موصوفةٍ
أُعلن في 27/11/2019 توقيعُ مذكرتي تفاهم في إسطنبول، الأولى تتضمنُ ترسيماً جديداً للحدود البحريّة التركيّة حيث تحددُ إحداثياتِ المنطقة الاقتصاديّة الخاصة بتركيا، وتضمن لليبيا مساحة 16700 كم2، والغاية دفع اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر لإعادةِ مناقشة مسألة الحدود البحرية وتقسيم الثروات شرق المتوسط وإدراج تركيا وعدم تجاهلها، وفي الوقت نفسه الضغط على أوروبا، بتهديد مرور الغاز المسيّل المزمع تصديره من دول شرق المتوسط. وبالمجمل فالاتفاقية مكسبٌ لسياساتِ أنقرة شرق البحر المتوسط، تتيح لها الاستفادة من مناطق غنية بالغاز بشرق المتوسط.
أما الاتفاقية الأمنيّة فتشمل نقل الأسلحة والدعم الفني وتبادل المعلومات والتدريب الأمنيّ وتبادل أنظمة الأسلحة وإمكانية نشر قوات تركية بليبيا حصلت بمقتضاها قوات الوفاق على أسلحة ثقيلة وطائرات مسيّرة وذخائر ودعم من ضباط أتراك ومرتزقة من سوريا موالين لتركيا وتنفيذ تدريبات مشتركة وإنشاء مكتب مشترك للتعاون في مجالي الدفاع والأمن بين البلدين، ما تطمح إليه أنقرة هو توسيع نطاق مياهها الاقتصاديّة والعمل على التنقيب عن الطاقة بشكل أوسع وعدم حصرها في خليج أنطاليا، وتحاول التجاوز شرقاً بحجة نصيب ما سمّته يوماً “جمهورية شمال قبرص”، بعد احتلالها عام 1974 وكانت الدولة الوحيدة التي يعترف بها بالعالم. وبذلك فالاتفاقية تتناقض مع مصالح الدول المتشاطئة. والطرف الوحيد شبه المستفيد هو حكومة الوفاق الإخوانيّة التي تواجه معركة بقائها، فعقدت تلك الاتفاقيات، حيث تمكنه من دعم القوات في طرابلس ومصراتة وتزويدها بالأسلحةِ والمعداتِ والتدريبِ، وحتى التدخلِ العسكريّ التركيّ إذا دعتِ الضرورة.
 
معركةٌ مجانيةٌ
صحيحٌ أنَّ الإنفاقَ الماليّ في مجالِ العمليات العسكريّة يُحرجُ حكومة أردوغان، في ظل الضغوط الاقتصاديّة ولكن يمكن تغطيةُ الأمر، إلا أنّ الاختبارَ الأصعبَ إذا انقلبتِ المغامرةُ العسكريّةُ إلى مقامرةٍ خاسرة وتكبدت القوات التركية خسائر كبيرة في جنودها، ما يمكن أنّ يقوّي موقف المعارضة ضدها. وأنقرة تحسبُ لهذا الأمرِ جيداً، ففي عدوانها على مناطق شمال سوريا، اعتمدت على المرتزقة السوريين، الذين حوّلتهم إلى فرق قتلٍ متنقلة يمكنُ الزجُّ بهم في أيّ مكانٍ، وهؤلاء المرتزقة يتمُّ نقلهم تباعاً إلى ليبيا. وبهذا فإنّ أردوغان يتطلعُ إلى معركةِ مكاسبَ مجانيّةٍ، فمن جهة لا يؤثّر عدد قتلى المرتزقة على الرأي العام التركيّ ولا موقف حكومته، ومن جهة ثانية المكاسب الاقتصاديّة والحصول على النفط الليبيّ في البر والبحر.
قال المرصد السوريّ لحقوق الإنسان، الجمعة، 21/6/2020 إنّه رصد عودة عدد من المرتزقة السوريين إلى بلادهم قادمين من ليبيا، وبالتزامن مع استمرار الميليشيات السوريّة الموالية لأنقرة في إرسال دفعات جديدة من المرتزقة إلى ليبيا، بإشراف تركيّ.
وقدر المرصد عدد المرتزقة السوريين الذين ذهبوا إلى الأراضي الليبية بنحو 14 ألف و700 مرتزق، عاد منهم إلى سوريا نحو 2600 فقط. وأما عدد المرتزقة الذين وصلوا إلى معسكرات تابعة للجيش التركيّ، لتلقي التدريب فيبلغ نحو 18 ألف. وذكر أنّ عدد الأطفال المجنّدين للقتال في ليبيا، 300 طفل تتراوح أعمارهم بين 14-18، غالبيتهم من مرتزقة “السلطان مراد، جرى تجنيدهم عبر الإغراء الماديّ واستغلال الأتراك لأوضاع المعيشيّة المتردية في سوريا. وفي أحدث إحصاء ارتفع عدد قتلى المرتزقة السوريين في ليبيا إلى 417 مسلح بينهم 30 طفلاً دون سن الـ18.
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أنَّ 400 مرتزق اتخذوا من الذهاب إلى ليبيا فرصة للهرب باتجاه أوروبا، وقد دخلوا إلى القارة الأوروبيّة بطرق غير شرعيّة عبر إيطاليا.
القوات المصريّة على الحدود
في 2/1/2020، صادق البرلمان التركيّ على مشروع قانون يسمح بإرسال قوات إلى ليبيا، في خطوة من شأنها أن تمهد الطريق لمزيد من التعاون العسكريّ بين أنقرة وطرابلس وحكومة الوفاق، ويرفع التصعيد مع موسكو التي تدعم الجيش الليبيّ بقيادة المشير خليفة حفتر، وفي 5/1/2020، بدأت تركيا فعليّاً بنشر قواتٍ في ليبيا. الأمر الذي قوبل برفض الاتحاد الأوروبي وقبرص واليونان وفرنسا ومصر وإسرائيل، كما رفضت تونس طلب تركيا استخدام أراضيها للشحنات العسكريّة. ورغم ذلك لم تتوقف تركيا عن دعمها العسكريّ المباشر لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا:
رداً على هجوم قوات حفتر خلال الأسبوع الثاني من آذار ضد ميلشيات حكومة الوفاق الوطني وقيامه بحصار طرابلس من الجنوب ومصراتة من الاتجاه الجنوب الشرقي، أطلقت حكومة الوفاق الوطني هجومًا مضاداً في 25/3/2020 أطلق عليه اسم عملية عاصفة السلام لصد الجيش الوطنيّ معتمدة فيه على الدعمِ العسكريّ التركيّ، واستخدمت تكتيكاتٌ مختلفة مستفادة من المعارك في إدلب في أواخر شباط وأوائل آذار الماضيين، والتي اعتمدت على زيادة الاعتماد على الطائرات بدون طيار لاستهدافِ مراكز القيادة والسيطرة الهامة وأسلحة قوات الجيش الوطنيّ الحرجة، إلى جانب أسلحة الدعم من المدفعيّة والصواريخ.
متغيرات الوضع الميدانيّ في ليبيا لها تداعياتها المباشرة على الأمن الوطني المصريّ، وقد وقعت حوادث إرهابيّة نتائجها مأساويّة كانت الأراضي الليبيّة هي المنطلق، واليوم فإنَّ تلك الجهاتِ التي تهددُ أمنَ مصر تحاولُ أن تصبحَ حكومةً، وقد تحركت قطعاتٌ من القواتِ المصريّة تجاه الحدود الغربيّة وهي بحال استعداد، ومساء السبت 20/6/2020 لوّح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتدخل العسكريّ المباشر في ليبيا إذا واصلت فصائل حكومة الوفاق الوطني التقدّم نحو سرت، الميناء الاستراتيجيّ، وقال أثناء تفقده وحدات الجيش المصريّ في المنطقة العسكريّة الغربية “إننا نقف اليوم أمام مرحلة فارقة”، مضيفاً “تتأسس على حدودنا تهديدات مباشرة تتطلب منا التكاتف والتعاون ليس في ما بيننا إنّما مع أشقائنا من الشعب الليبيّ والدول الصديقة لحماية والدفاع عن بلدينا ومقدرات شعوبنا من العدوان الذي تشنه الميليشيات المسلحة الإرهابيّة والمرتزقة بدعم كامل من قوى خارجيّة”.
توترٌ في البحرِ وطلبُ مساعدةٍ
العربدة التركية في البحر تمثل انقلاباً على اتفاقِ برلين في 18/1/2020 وسبق أن أعربَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 29/1/2020 عن بواعث القلق فيما يتعلق بسلوك تركيا” في ليبيا. وقال خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء اليونانيّ كيرياكوس ميتسوتاكيس إن ما تقوم به تركيا “يتناقض تماماً مع ما التزم به الرئيس أردوغان في مؤتمر برلين”.
وقد تضمن البيانُ الختاميّ لمؤتمرِ برلين حول ليبيا الالتزامَ بقرار الأمم المتحدة الخاص بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا ووقف تقديم الدعم العسكريّ لأطراف الصراع، وبذل جهود دوليّة لتعزيز مراقبة حظر تصدير السلاح، وبتسريح ونزع سلاح الميليشيات وفرض عقوبات على الجهة التي تخرق الهدنة.
تركيا المنقلبة على برلين تواصل توريد السلاح إلى ليبيا وهو ما كان له تأثير مباشر على نتائج الميدان، ولا تتعاون مع إجراءات تفتيش سفن الشحن، ففي 11/6/2020 رفضت تركيا قيام سفينة يونانية تعمل ضمن المهمة البحرية للاتحاد الأوروبي (المسماة عملية إيريني) بتفتيش سفينة شحن يشتبه في انتهاكها لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا. وكانت ترافق سفينة الشحن سفن عسكريّة تركيّة. وعقب الحادث أفاد مسؤول أوروبي أنّ الاتحاد يتواصل مع حلف شمال الأطلسي للتباحث في “كيفية إيجاد ترتيبات” مع عملية (سي غارديان) التابعة للحلف والجارية في شرق المتوسط.
يذكر أنّ حلف شمال الأطلسي يسيّر سفينتين في المتوسط في إطار عملية ‘سي غارديان’ لمراقبة الحركة البحرية وتلافي وقوع أنشطة إرهابية والمساهمة في استقرار المنطقة.
أدوات إخوانيّة في ليبيا
أردوغان نبش التاريخ وتلاعب بورقة الأصول التركيّة لليبيين، لتبرير التدخل التركيّ لليبيا ونهب ثرواتها، واعتمد على ليبيين من أصول تركيّة واختار التعاون والتحالف مع الشخصيات المؤثرة في تنظيم الإخوان المسلمين.
الأسباب الاقتصادية هي محرك التدخل التركيّ في ليبيا، وأما مسألة نبش التاريخ والعودة إلى أصول الكراغلة الليبيين وأنهم أحفاد الانكشاريّة العثمانيّة فهي محاولة لكسب موالين له واستفزاز حميتهم، والحقيقة الأكثر عمقاً أنّ أردوغان يعوّل على التنظيم العالمي للإخوان للمسلمين فهم أنصاره والمقاتلون في سبيل مشروع العثمانيّة. ومن بين هؤلاء الليبيين الأتراك الذين استعان بهم أردوغان لتنفيذ مهمته في ليبيا:

 فايز السراج رئيس حكومة الوفاق يعمل على تكريس التدخل التركي في ليبيا وشرعنته بعد التوقيع في 27/11/2019 على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية والاتفاق الأمنيّ. وينتمي السراج إلى عائلة من طرابلس أصولها تركيّة، حيث كشف كتاب “ذكريات وخواطر” الذي ألفه والده مصطفى فوزي السراج، وصدر عن مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخيّة عام 2005، أن نسبه يرجع إلى جدّ تركيّ من بلدة قريبة من مدينة إزمير عمل ضابطاً بالجيش التركيّ، وقدم إلى ليبيا مع القوات العثمانية عام 1840، وتزوج بسيدة ليبيّة واستقر في طرابلس.
صلاح بادي إرهابي يقود كتيبة “لواء الصمود”، أهم الميليشيات المسلّحة في مصراتة والغرب الليبيّ، وهو مدرج على قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي منذ تشرين الثاني 2018 بتهمة زعزعة الأمن في ليبيا، وأصوله تركيّة من مصراتة، وهو أبرز “عملاء أردوغان” في ليبيا، لعب دورا بارزاً في الإطاحة بنظام معمر القذافي الذي كان جندياً في صفوفه، وهو أحد مؤسسي ميليشيات “فجر ليبيا” التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، التي أحرقت مطار طرابلس الدولي عام 2014، وتسبّبت في توقفه عن العمل، وقد شارك في أغلب الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس في السنوات الأخيرة، آخرها التي وقعت صيف 2018، وأسفرت عن مقتل 120 شخصاً أغلبهم من المدنيين، ويقيم بين تركيا وليبيا.
علي الصلابي قياديّ إخوانيّ يقيم بقطر، مدرج على قوائم الإرهاب، ينحدر من أصول تركيّة عائلة من مدينة مصراتة، وهو أكثر المتحمسين للدور التركيّ في بلده، ودعا صراحة أنقرة إلى التدخل لحماية مصراتة وإنقاذ الأقلية التركيّة داخلها من الجيش الليبيّ، وهو متحدث على المنابر الإعلامية الإخوانية.
محمّد صوان رئيس حزب “العدالة والبناء”، وأحد أدواتها في ليبيا لاعتبارات اجتماعيّة عرقيّة فهو تركيّ الأصولٍ، وإخواني الأيديولوجيا، وأحد أهم قيادات التنظيم الدوليّ للإخوان المسلمين وأنقرة، طالب السلطات التركيّة بإرسال الدعم للمرتزقة في طرابلس.

عبد الحكيم بلحاج أبرز شخصيات القاعدة كان مطلوباً من القضاء الليبي، بعد ثبوت تورطه بعدة هجمات على منشآت عامة ليبية وارتكاب جرائم زعزعت استقرارَ البلاد. ولدى بلحاج شركة “الأجنحة” للطيران، سخرها بكل إمكانياتها خلال الأشهر الأخيرة لصالح السلطات التركيّة سواء لنقل العتاد والأسلحة أو المقاتلين السوريين، في رحلات محاطة بالكثير من السرية والحماية.
الصادق الغرياني طالب بمنح تركيا الأولوية بالشراكة الاقتصاديّة والأمنيّة والتنقيب عن النفط والغاز، وأفتى بتحريم شراء سلع من بعض الدول العربيّة التي رفضت التدخل التركيّ في ليبيا. ويقيم الغريانيّ في تركيا، ويصفه الليبيون “مفتي الفتنة والإرهاب والدّم”.
فتحي باشاغا وزير الداخلية المحسوب على تنظيم الإخوان المسلمين، رغم أنّ لقبه يوحي بأنّه من أصولٍ تركيّة، إلا أنّه ينتمي لقبيلة أولاد الشيخ البدوية بمدينة مصراتة، وهو من أشدّ المدافعين عن قانونيّة الاتفاقين البحريّ والأمنيّ مع تركيا، والمروّجين للعلاقة المتميزة معها، وروّج لفكرة أنّ “الموقف التركيّ لا يعتبر تدخلاً في ليبيا”، وهو على تواصل دائم مع المسؤولين الأتراك، وأهم مهندسي الدعم العسكريّ الذي حصلت عليه قوات الوفاق.

التعليقات مغلقة.