سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

فراس قصاص: مبادرة الإدارة الذاتية مشروع وطني سوري وسبيل لحل دائم

منبج/ آزاد كردي –

عدّ رئيس حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا فراس قصاص، مبادرة الإدارة الذاتية، ضرورة لتجاوز ركود الوضع العام في البلاد، مؤكداً انتماءها العضوي، واقعاً وتكويناً وأهدافاً، وآمالاً ومصيراً لسوريا، رغم وجود عدد من المعوقات، وأيضاً حاجتها إلى مفاعيل دولية لتحقيق النجاح.  
أطلقت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، مبادرة تهدف لوضع حل سلمي وديمقراطي للأزمة، التي تعيشها البلاد، وتشدد المبادرة في بنودها التسعة على وحدة الأراضي السورية، والاستعداد للقاء حكومة دمشق، والحوار معها، ومع الأطراف من أجل التشاور، والتباحث لتقديم مبادرات، وإيجاد حلول للأزمة.
ولبيان منهجية المبادرة، أجرت صحيفتنا حواراً مع رئيس حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا، فراس قصاص، الذي أدلى بالحوار التالي:
-كيف تنظرون إلى مبادرة الإدارة الذاتية، التي أطلقتها مؤخراً؟
جاءت مبادرة الإدارة الذاتية استجابة واعية لمتطلبات تجاوز ركود الوضع العام في البلاد، ومراوحته دون تقدم بحل يعطي الأمل للسوريين بالعيش الكريم وتجاوز الأزمة، فأطلقت الإدارة مبادرتها في الوقت المناسب، في وقت استمرار الجمود في معادلات الواقع المحلي، الذي بات يسيطر على المشهد في سوريا، وقيام الحاجة إلى ظهور حركة محلية ذات رؤية، تحمل في تركيبتها ووجهتها رهانات الجهة، التي تبلورها، في الإجابات الصحيحة والعادلة، التي تشكل الحل في البلد، وفي الوقت نفسه تمتلك القدرة على خلق جسور بين مختلف الأطراف، وتغيير صورة كل طرف لدى الآخر، على الأخص الصورة المشوهة، التي تحرص قوى إقليمية على رسمها لتجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتعمل على إشاعتها وتعميمها داخل سوريا؛ لضرب قيم العيش المشترك، التي وفّرتها تلك التجربة في مناطقها، وتراهن على أن تعم سوريا كلها.
والمبادرة، التي أعلنتها الإدارة الذاتية، جاءت لتؤكد إنها حريصة على وحدة البلاد في إطار التعددية، وأنها من هذا المنطلق أمينة على ثروات سوريا، تديرها بما يحقق مصلحة البلد، وكفاية أهله وحاجاتهم، وأنها لا تتفرد بمصير مقدرات البلاد، وإنما تعدُّها ملكاً عاماً وشاملاً لأطرافه، وشعوبه، ومناطقه.
نجحت مبادرة الإدارة بوصفها منتجاً بنيوياً عنها، في إظهار الوجه السياسي، والتكوين المعرفي لمؤسسات الإدارة، ولمكونها المجتمعي، ولرهانها الفلسفي، الذي يؤكد على السلام لأنه استراتيجية ذات قيمة قصوى، لا تضحي، ولا تفرط بها، وامتلاكها لعناصر قوة عسكرية على الأرض جاء فقط في إطار منطق الدفاع الذاتي عن المجتمع وعن أهدافه، وقيمه الديمقراطية، ومن أجل مواجهة إرهاب داعش، ليس هذا فحسب بل أكدت على مبادئها الاجتماعية والبيئية، وإيمانها بالحلول السورية – السورية، دون أن تتخلى عن البعد الديمقراطي التعددي لسوريا، كسقف لا يمكن تجاوزه، وعن ضرورة انسجامها مع الشرعية الدولية الممثلة في القرار ٢٢٥٤.
إن تعاظم أهمية هذه المبادرة، بتقديري مرتبط بطابعها الشامل، ومعالجتها للإشكاليات، التي قد تثير حساسية دول إقليمية، وعربية بشكل مباشر، أو ضمني، فهي أولاً أكدت أنها لا تدعو لسلخ سوريا عن محيطها العربي، بل حضت على التنوع الثقافي العربي، والكردي، والآشوري، والسرياني والشركسي، والتركماني الأرمني، لتكون أرضية لتكامل وتضامن ثقافي، وسياسي مع كل دولة يتقاطع نسيجها الإثني، ومكونها الثقافي في سوريا متعددة، حتى أن دعوتها إلى خروج الدولة التركية المحتلة من الأراضي السورية، لم يكن في إطار استعدائي للشعب التركي، بل أتت في إطار انسجام ذلك مع الشرعية الدولية، واحترام سيادة الدول المستقلة، ومن أجل ترسيخ مبدأ حسن الجوار كأرضية لتعزيز مفاهيم التضامن، والتكامل الإثني والثقافي في سوريا المتعددة، وفي ما يجب أن يحصل في تركيا من اعتراف بطابعها التعددي الاثني، والديني، والمذهبي، ولم تغفل مبادرة الإدارة عن إظهار مسؤوليتها الوطنية إزاء السوريين، نازحين أو لاجئين، باستعدادها لاستقبالهم واحتضانهم كما يليق بسوري حين يستقبل سوريًّا على أرضه وفي بلده.
المبادرة في الواقع كانت شاملة، ومتكاملة الأبعاد، وتمتعت بحس عال من المسؤولية مظهرة امتلاكها للإرادة والقدرة على المضي قدماً من أجل تحقق مصلحة السوريين وكرامتهم، وبناء سوريا الديمقراطية التعددية، التي لا تقصي أحداً.

ـ ما الذي يميز هذه المبادرة عن المشاريع السياسية، التي فُرضت في فترة سابقة؟
ما يميز أكثر هذه المبادرة عن سواها فيما يتعلق بي هو انتماؤها العضوي واقعاً، وتكويناً وأهدافاً وآمالاً ومصيراً لسوريا، فهي مبادرة صدرت عن طرف سوري يحتل مركز ثقل رئيسي في معادلات الوضع في البلد، طرف سوري يجسد في بنيته الديمغرافية الاجتماعية، التعددية، طرف لا يزال معنياً ومنخرطاً في ماضي، وحاضر، ومستقبل البلد وأهله، يؤلمه معاناة أهله، وينخرط في مختلف أنماط تفاعلاتهم، صحيح هو (طرف) لكونه يشكل حالة محددة يمكن تعيين حدودها، وخطوطها وتفاصيلها، لكنه كرهان وحالة، لا يتطلع أبداً للدفاع عن مصلحة ما تعنيه جغرافيته، ومجتمعيته فقط، بل يدافع عن أهداف السوريين كلهم.
ما يميز مبادرة الإدارة، أنها جاءت إثر تسارع تركي، وعربي للتطبيع مع حكومة دمشق، تطبيع لا يحمل في طياته هموم السوريين، ولا يأخذ بعين الاعتبار مصالحهم، وخاصة مع الجانب التركي الذي يقف ضد مما يتطلع إليه السوريون، بلغة أخرى جاءت هذه المبادرة لتقول، إنه لا يزال بإمكان السوريين أن يكونوا رواداً على صعيد إطلاق الحلول لأزمتهم، بمعزل عن توجه شكلي إقليمي يحصل هنا أو هناك، ودون الوقوف ساكنين أمام حالة العجز والانسداد الإقليمي والدولي الفعلي الذي يحصل بخصوص قضيتهم.
ـ برأيكم، ألا تحتاج المبادرة إلى مفاعيل دولية لنقلها من الجانب النظري إلى الإطار العملي؟
بالتأكيد يلزمها ذلك؛ كي تتحول المبادرة من واقعها النظري إلى صعيد عملي، وتوافر عوامل دولية، لماذا؟ لأن الوضع السوري بات في قلب المعادلة الإقليمية والدولية منذ سنين طويلة، وبات صراع الإرادات في هذا الجانب يلقي بظلاله ويلقى صداه في الوضع المحلي للبلد، بل أن نمط التدويل، الذي وسم الحال السوري، حوله إلى مناسبة تعبر فيها الشرعية الدولية عن ذاتها، لقد أصبح من المتعذر على البعدين الإقليمي والمحلي فقط إيجاد حل ومخرج للسوريين من النفق، الذي استبد بحالهم، حتى أن سوريا المستقبل باتت كملمح ومحصلة مرتبطة بقرار دولي هو القرار ٢٢٥٤، ولا يمكن وفق آليات النظام الدولي الحالي تجاوز الصورة التي رسمها القرار الآنف الذكر إلا بصياغة قرار دولي آخر يلغي مفاعيله ويبطلها، وهذا من وجهة نظري أمر بعيد المنال، وغير مرجح إلى حد كبير.
ـ ما الذي يعيق تنفيذ هذه المبادرة إن وجد؟
للأسف رغم الأبعاد الإيجابية، التي أشرت إليها وأمعنت في شرحها وتوصيفها أعلاه، إلا أن هناك معوقات متعددة الأوجه والمصادر تعيق تنفيذ مبادرة الإدارة الذاتية، الأول متصل برفض النظام المتوقع لها، فهو ومن خلال السياسات، التي طفق على تبنيها، لم يزل غير مؤمن بالحوار والتفاوض والشراكة مع أي آخر سياسي، لم يزل يعدُّ مشروعه في الاستبداد وفي علاقته الاستحواذ على السلطة وعلى مقدرات المجتمع، في نمطه الهوياتي العروبي، الذي فرضه على سوريا، هي العوامل الوحيدة التي تحكم تفاعله مع قضايا البلد.
الحكومة في دمشق، لم تفقد إيمانها بعد، بأن الساعة ستعود إلى ما قبل آذار من عام ٢٠١١ وأنها تستعيد السيطرة على جميع أنحاء سوريا، وستخضعها لإرادتها وطغيانها، وبالتالي كيف لها أن توافق على هذه المبادرة، التي تتحدث عن الديمقراطية والاعتراف بالآخر، وبالطبيعة المتعددة للوجود والهوية السورية؟ كيف لها أن تعترف بها، وهي تتحدث عن مبادئ تقع على ضفة تناقض جذري مع ما يمثلها، وما تصر على تمثيله وتكريسه؟ أما الثاني، فالحكومة مرتبطة بأطراف سورية أخرى، منها ما تصنفه القرارات الدولية بأنه يندرج ضمن التنظيمات الإرهابية، ومنها ما هو عميل ووطيء وعلاقته ذيلية بالمحتل التركي، كلا الطرفين  يشغلان محلات للهيمنة على مناطق سورية عديدة، وكلاهما ممتنعان من حيث تركيبتهما، ومبادئهما وعلاقاتهما، مع المبادئ والعناوين، التي تبنتها المبادرة، أنهما طرفان تسيطر، على تصورهما للاجتماع السياسي السوري، قيمٌ ذكورية إقصائية، متطرفة، وعنصرية عربية استعلائية، إضافة إلى خضوعهما لارتباطات غير وطنية ولأجندات لا تمثل السوريين، ولا تعكس مصالحهم مطلقاً.
أما الثالث، والأكثر جذرية ربما، متصل بزيادة حدة الاستقطاب الروسي الغربي على خلفية الحرب الروسية -الأوكرانية، والاستقطاب الأمريكي – الصيني، وما يحمله من تناقضات وصراعات محتملة ساخنة أو باردة، وانعكاسات ذلك على البيئة الدولية، التي لا تضع تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي ٢٢٥٤ على خارطة أولوياتها، وهو القرار الذي تطرقت وأكدت على فحواه مبادرة الإدارة الذاتية الديمقراطية.
برأيكم، هل تقدم المبادرة إجابات عن الطروحات الجدلية، التي تعتري الملف السوري؟
المبادرة، التي أعلنتها الإدارة الذاتية، كما أراها في الواقع لا تشكل إجابة فقط على الإشكاليات، التي تعتري الوضع السوري، بل تشكل بوصلة حل لها، وأداة لتفكيك ما يشتبك بها من سلبيات ومخاوف ومنظور يتجاوز منطق الأزمات، التي تعاني منها المنطقة، فالمبادرة من هذه الزاوية تمتلك شرعية الواجب السياسي، وتلتزم بمنطق الضرورة الوطنية الديمقراطية والإنسانية، ومن هذا وذاك تستقي أهميتها وتحوز على شرعيتها، وتمنح الجهة، التي أطلقتها وأعلنتها، براءة ذمة أخلاقية وتاريخية وصكاً وطنياً لا يستطيع أياً كان الطعن به، وعلى من يرى ويراقب الشأن السوري، أن يشهد على ذلك، واجب دعمها من السوريين أصحاب المصلحة الأساسية بها أولاً، من القوى الوطنية الديمقراطية، التي نأت بنفسها عن المحتل التركي وعن استبداد النظام وإرهاب المرتزقة ثانياً وثالثاً ورابعاً، أمر يجب أن يكون لا خلاف عليه ولا مناص منه، فجهة الإدارة والقوى الوطنية الديمقراطية، هي ذاتها، ومصلحتهما واحدة، وهي تبني مصلحة الإنسان القاطن في الجغرافية السورية لتقرير حريته وكرامته.