سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بعد كراباخ حراكٌ تركيّ لتسعير الميدانِ

رامان آزاد-

بعد كلِّ تهدئةٍ في الملفاتِ الساخنةِ تعودُ أنقرة إلى الجغرافية السوريّة لتسعيرِ الميدانِ، فعبرت البحر المتوسط إلى ليبيا، ثم البحر الأسود إلى القوقاز لدعم أذربيجان في حرب ناغورني كراباخ، ومع وقف إطلاق النار، عادت للتهديد، واستثمار أدواتها في سوريا، والعنوان الحالي “هيئة تحرير الشام”، فأين مكان استخدامها ومتى وكيف؟
المحيسني في عفرين زائراً ومعتقلاً
ذكر موقع عفرين بوست نقلاً عن مصادره، أن ميليشيا “الحمزات” التابعة للاحتلال التركي اعتقلت الثلاثاء 1/12/2020، المدعو عبد الله المحيسني، شرعي “هيئة تحرير الشام” على حاجزها في قرية باسوطة واقتيد المحيسني إلى السجن المقام في قلعة باسوطة. وأشارت المصادر إلى أن المدعو “أبو أحمد كفر سجني” متزعم ميليشيا “الحمزة” في القرية، هو الذي نفّذ عملية الاعتقال التي طالت أربعة أشخاص آخرين كانوا برفقة “المحيسني”.
واعتقل المحيسني أثناء عودته إلى إدلب بعد زيارة إلى مدينة عفرين استمرت أسبوعين، واجتمع خلالها بسلطات الاحتلال التركي، بهدف تشكيل غرفة عمليات عسكرية تحت مسمى “غرفة عمليات عفرين”، ولم يُعرف الهدف من تشكيل الغرفة.
يُذكر أن المحيسني تلقى تمويلاً مباشراً من قطر على مدى 6 أعوام، وناشد أنقرة للتدخل العسكريّ في سوريا؛ منها عام 2016 في لقاء أجرته معه “يني شفق”، والتي عادت لتنشر في آذار الماضي تغريدة مرفقة بتسجيل مصور “للمحيسني”، ووصفته بـ “القاضي بجيش الفتح”، يخاطب الأتراك، يدعوهم للتدخل لحماية الأطفال والنساء السوريين ويقول “المحيسنيّ” في التغريدة “إنهم يقتلون النساء ويدفنون الأطفال أحياء. منارات المسلمين دُمّرت. الشعب السوري يتفرج. يا أحفاد العثمانيين أنتم أقرب الناس إليهم”.
 توقيت الزيارة يكشف أهدافها
تسعى أنقرة إلى تعويم ما يسمى “هيئة تحرير الشام”، وإسقاطها من لوائح الإرهاب وإسباغ توصيف الاعتدال عليها، وضمها لاحقاً بكل شعوبها إلى صفوف ما يسمى الجيش الوطني الذي شكلته أنقرة. وتأتي “جبهة النصرة” كأحد أهم مكونات الهيئة فهي التي تقودها، وقد أقدم المدعو أبو محمد الجولاني على إجراءات في هذا السياق من قبيل إعلان فك الارتباط بالقاعدة وتأسيس “جبهة فتح الشام” في 28/7/2016، والذي كان من المفترض أن يكون شكليّاً، وتفاقم مع الإعلان عن تشكيل “هيئة تحرير الشام” في 28/1/2017، الأمر الذي أثار حفيظة التيار القاعدي، فأعلنت مجموعة من القياديين رفض تغيير المنهج والراية والانقلاب على الظواهري زعيم القاعدة والاتفاق مع تركيا، وبعد سلسلة من الاعتقالات من جانب “الهيئة” وفشل الوساطات لحل الأزمة، أُعلن في 27/2/2018 عن تشكّل حرّاس الدين، بقيادة أبو همام الشاميّ.
العلاقة بين أنقرة والهيئة يثبتها قيام عناصرها بحماية أرتال التعزيزات العسكريّة التركية التي دخلت إلى إدلب منذ إنشاء نقاط المراقبة عام 2017، وبذلك فالتنسيق بين الطرفين ليس جديداً، لكنّ وتيرته ازدادت مؤخراً، مع إخلاء القوات التركيّة بعض نقاط المراقبة المحاصرة وإعادة الانتشار بريف إدلب الشمالي لتقترب أكثر من مناطق سيطرة “تحرير الشام”.
تشكّل مواجهة “حراس الدين” أهم مسائل التنسيق بين تركيا والهيئة، ولا يُستبعد أن تكون زيارة المدعو عبد الله المحيسني شرعي هيئة تحرير الشام إلى عفرين في إطار التنسيق بين الميليشيات الموالية لتركيا في عفرين والهيئة، وسبق أن دخل إلى عفرين عناصر من الهيئة دون إعلان ذلك.
إلا أنَّ زيارة المحيسني تزامنت مع عقد اجتماع يوم 21/11/2020 بين ضباط أتراك ومتزعمين من ميليشيا الحزب التركستانيّ الموالي لتنظيم القاعدة، بمحافظة إدلب، وتفيد معلوماتٌ إعلامية أنَّ الجانب التركيّ عرض عليه القتال في تركيا ضد حزب العمال الكردستاني.
وجاءت الزيارة بعد رفع واشنطن اسم “حركة تركستان الشرقية الإسلامية ETIM))” من قائمةِ الإرهابِ، الذي يتخذ من إقليم وزيرستان في باكستان مقراً لها. ففي أمر صدر في 20/10/2020 ونُشر في 5/11/2020، أعلن وزير الخارجية الأمريكيّ مايك بومبيو أنّه تم حذف المجموعة من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبيّة وفقاً لقانون الهجرة والجنسية. وجاء بالقرار “ألغي بموجب هذا تصنيف “حركة تركستان الشرقية الإسلاميّة”، والمعروفة أيضاً باسم الحركة الإسلامية لتركستان الشرقيّة، على أنّها منظمة إرهابية”.
مقاتلو التركستان
وللحركة فرع سوريّ، ينشط باسم “الحزب الإسلاميّ التركستانيّ TIP” أيضاً، وينتشر بريفي إدلب واللاذقية الشمالي، في جبلي التركمان والأكراد، وهي مناطق تخضع لنفوذ أنقرة. ويضم الحزب التركستانيّ في صفوفه جهاديين من جنسيات إسلاميّة مختلفة كالطاجيك والأوزبك والشيشان والإيغور الصينيين، كما أنّه يجنّد الأطفال. وبدأ وجود التركستانيّ في سوريا في مجتمعات مغلقة، وشارك بمعارك جسر الشغور وإدلب ومطار أبو الضهور العسكريّ.
وتنخرط نساء الإيغور في معسكرات خاصة للتدرب على حمل السلاح، ولم يكتفِ التنظيم بإعداد وتدريب كوادره الشابة فقط، بل أنشأ معسكرات للأطفال باسم “معسكرات أشبال تركستان الإسلاميّة”، يتابعها ويشرف عليها الداعية السعودي عبد الله المحيسني، ويلتحق فيها أطفال الإيغور بعمر 8 سنوات، ويخضعون لدورات قتاليّة بمختلف أنواع الأسلحة. ويصف المحيسني المقاتلين الإيغور في سوريا بأنّهم “الرقم الأول في الجهاد، ولا يعرفون العودة إلى الوراء”.
محاولة لإيجاد توازن
تسعى أنقرة لتعويمِ هيئة تحرير الشام وإظهارها على أنّها جزءٌ من الفصائل السوريّة المسلحة، ما يتطلب منها إيجاد شكلٍ من التوازن، فتبدي مرونةً مع التوجه الأمريكيّ الساعي لضرب القاعدة في إدلب واستيعاباً لرفض موسكو إعادة هيكلة “هيئة تحرير الشام” حالياً وصهرها في قوام ما يسمى “الجيش الوطنيّ” بالمناطق الخاضعة للنفوذ التركيّ وما تبقى من منطقة خفض التصعيد الذي تسيطر عليه “تحرير الشام”.
من جهة ثانية تراعي أنقرة المتغير الأمريكيّ الذي أسفر عن وصول جو بايدن للبيت الأبيض، واحتمال استمرار واشنطن بالبرنامج الخاص باسم “قطع الرؤوس”، والذي يتضمن استهداف متزعمي وقيادات التنظيمات الإرهابيّة شمال سوريا والمرتبطة مباشرة بتنظيم “القاعدة”، مثل “حراس الدين” الذي صنفته واشنطن إرهابيّاً في 10/9/2019. فنفذت سلسلة استهدافات بالطائرات المسيّرة لمتزعمي “حراس الدين”، منها: قتل خالد العاروري في 14/6/2020، وهو أحد مؤسسي التنظيم وقائده العسكريّ وكان مقرّباً من أبو مصعب الزرقاوي، وفي 14/8/2020، قامت بتصفية قياديّ بمدينة إدلب. وفي 14/9/2020 استهدفت متزعماً بارزاً يُعرف باسم “سياف التونسيّ”. وفي 15/10/2020 استهدفت طائرة مسيرة يُعتقد أنّها تابعة للتحالف الدوليّ سيارة مدنية، في محيط قرية عرب سعيد بريف إدلب الغربي، لتقتل متزعمين في حراس الدين هما “أبو ذر المصري” و”أبو يوسف”، وهناك العديد من العمليات السابقة.
مكافأة أمريكيّة لتحديد مكان الجولانيّ
بعثت واشنطن رسالةً واضحةً إلى أنقرة في24/10/2020 بتجديدِ الإعلان عن مكافأة لمن يدلي بمعلومات عن مكان وجود “الجولاني”، باعتباره أحد مطلوبي قائمة برنامج “مكافآت من أجل العدالة”، ومقتضى الرسالة أنّ محاولة أنقرة تعويم “تحرير الشام” لا تحظى بالقبول الأمريكيّ. وذلك رغم البراغماتية التي أبداها “الجولانيّ” ومساعدة “تحرير الشام” بتصفية متزعمي “حراس الدين”، وكذلك الإيحاءات الأمريكيّة السابقة على لسان جميس جيفري بأنه لم يبدُ منها ما يؤكد أنّها تشكل خطراً إرهابيّاً.
التحوّل من ملف إلى آخر، هو أسلوب السياسة التركيّة، في سوريا وليبيا والبحر المتوسط وعلى حدود اليونان، ويبدو أنه وبعد وقف إطلاق النار في ناغورني كراباخ، عادت لتتلاعب بالملف السوريّ، لإنجاز ملفٍ تفاوضيّ على حساب تسعير الميدان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.