قبل قمة الناتو في أنقرة، تصدّرت البيانات المشتركة للأمين العام للناتو مارك روته ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين العناوين. أكدا فيها على ضرورة توجيه المزيد من الميزانية إلى الصناعة العسكرية، معلنين إن “القدرات الحالية غير كافية”. وطالبا في الوقت ذاته بـ “نقل المزيد من الموارد إلى الصناعة العسكرية” و”زيادة الإنفاق الدفاعي” و”تسريع برامج الصناعة الحربية”.
وجاء في الدعوات بشكلٍ خاص أن المخزونات العسكرية الحالية قد استنفدت بسبب حربي أوكرانيا وإيران. وأشير إلى ضرورة توجيه الموارد إلى الطائرات الحربية وأنظمة الدفاع الصاروخي وأنظمة الدفاع البحري لدى دول الناتو والاتحاد الأوروبي، في مواجهة القدرات العسكرية لـ روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران.
كل هذه التصريحات تشير إلى أن الناتو يستعد لـ “تحول استراتيجي” هو الأكبر في تاريخه الممتد 75 عامًا، خاصةً بعد حربي إيران وأوكرانيا.
تأسس حلف شمال الأطلسي NATO في 4 نيسان 1949 من قبل 12 دولة بعد الحرب العالمية الثانية، وهو نتاج الحرب الباردة. وتكمن فلسفة تأسيس الناتو في المادة الخامسة: “أي هجوم على أحد أعضاء الناتو يعتبر هجومًا على جميع الأعضاء”.
كانت أهدافه الثلاثة:
إبقاء السوفييت خارج أوروبا.
السيطرة على ألمانيا التي أشعلت الحربين العالميتين الأولى والثانية
ترسيخ الهيمنة الأمريكية في أوروبا الضعيفة بعد الحرب العالمية الثانية.
بعد 75 عامًا، يريد الناتو ترسيخ المبادئ التأسيسية نفسها.
الحلف الذي تأسس في 1949 لمواجهة تهديد الاتحاد السوفيتي، يواجه في 2026 أكبر اختبار في تاريخه. الأزمة المتجمدة في أوكرانيا، والأزمة المشتعلة في الشرق الأوسط، والانقسام الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تدفع الناتو نحو “النموذج الكوري” ونحو “باراديغم بريتون وودز للقرن 21”.
لماذا؟
في 1945، بعد نهاية الحرب، كانت هناك ثلاثة مشاكل أمنية أمام أوروبا:
هل سيعود السوفييت؟ هل ستعود ألمانيا للحرب؟ هل ستُترك أمريكا أوروبا وحدها؟
لهذا السبب اجتمعت 12 دولة في واشنطن في 4 نيسان 1949. كانت للناتو ثلاث مهام:
إبقاء السوفييت في الخارج
وضع ألمانيا تحت السيطرة
إبقاء أمريكا في أوروبا.
لكن الناتو لم يكن وحده. في تموز 1944 تأسس في بريتون وودز البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإعادة بناء أوروبا المدمرة. كان الاستراتيجيون الأمريكيون يعلمون: قارة متعبة من الحرب ومدفونة تحت الأنقاض إما ستتصالح مع السوفييت أو ستشن الحرب مرةً أخرى بعقلية هتلر.
كان “سيف” الناتو، و”بناء” أوروبا المدمرة من مهمة البنك الدولي، باستراتيجية “لا أمن بدون اقتصاد، ولا اقتصاد بدون أمن” قادت أمريكا تأسيس الناتو والبنك الدولي.
لماذا قادت أمريكا؟ لأن نصف الصناعة العالمية والقنبلة الذرية والسيطرة البحرية كانت بيد أمريكا في 1945. ملأت واشنطن فراغ القيادة في أوروبا المتعبة، والثمن كان واضحًا: أصبحت أوروبا معتمدة على أمريكا في الدفاع، وانضمت تركيا واليونان إلى الناتو في 1952.
من الحرب الباردة إلى “شرطي العالم”
في 1991 انهار حلف وارسو وقيل “انتهى الناتو”. لكن؛ الناتو توسع من 12 عضوًا إلى 32 عضوًا.
بعد انهيار وارسو: البوسنة، كوسوفو، أفغانستان، ليبيا، سوريا. انتقل من “الدفاع الإقليمي” إلى “التدخل العالمي”. لكن؛ مغامرة أفغانستان التي استمرت 20 عامًا والانسحاب الفوضوي في 2021 تركت سؤال “ما هو مجال مسؤوليتنا؟” بلا جواب.
2022 نقطة التحول.. أوكرانيا و”النموذج الكوري”
في 24 شباط 2022 غيّر الغزو الروسي لأوكرانيا كل شيء. عاد الناتو إلى “وضع المادة 5”. تم نشر قوة سريعة من 300 ألف جندي وقواعد دائمة على الجناح الشرقي.
كيف ستنتهي الحرب؟ السيناريو الواقعي الوحيد المطروح: النموذج الكوري. في 1953 انتهت حرب كوريا بهدنة وليس بسلام، والحرب مستمرة تقنيًا منذ 70 عامًا. النموذج المقترح لأوكرانيا هو نفسه:
جبهة متجمدة: الـ 18% من الأراضي التي تسيطر عليها روسيا تبقى فعليًا لها، أوكرانيا لا تعترف لكنها لا تستطيع استعادتها.
عضوية الناتو معلقة: “بسبب الحرب النشطة” لا يمكن لأوكرانيا الانضمام الكامل. بالمقابل تحصل على “ضماناتٍ أمنية ثنائية على الطراز الإسرائيلي” من أمريكا وبريطانيا وألمانيا.
استمرار العقوبات: عزل روسيا اقتصاديًا، الهدف: استنزافها عسكريًا واقتصاديًا بحرب 5-10 سنوات.
هذا ينسجم مع طرح ترامب “نجمد الحرب من أجل الجبهة الداخلية”. بينما تعارضه بريطانيا والاتحاد الأوروبي قائلين: “إذا جمدناها قبل أن تضعف روسيا، ستعود بعد خمس سنوات”.
عضوية أوكرانيا في الناتو والاتحاد الأوروبي تعتبر “تهديدًا وجوديًا” لروسيا؛ لأنها تعني حصار روسيا استراتيجيًا من البحر الأسود إلى البلطيق لأول مرة منذ 300 عاماً.
الشرخ عبر الأطلسي.. أمريكا أم الاتحاد الأوروبي؟
فجّرت حرب أوكرانيا الخلافات بين ضفتي الأطلسي.
أمريكا: “التهديد الحقيقي هو الصين. على أوروبا تمويل أمنها بنفسها. لنجمد الحرب”.
الاتحاد الأوروبي: “التهديد الحقيقي هو روسيا، الحرب على حدودنا، يجب أن يستمر الدعم”.
عودة ترامب وسياسة “أمريكا أولاً” دفعت الاتحاد الأوروبي لأول مرة لطرح سؤال “ماذا نفعل بدون أمريكا؟”
الجبهة الثالثة: الشرق الأوسط و “بريتون وودز الجديدة”.
بينما كان الناتو مُركزًا على روسيا، انفجر التوتر في غزة وإيران – إسرائيل. ضربت مخاطر الطاقة والهجرة والإرهاب الاتحاد الأوروبي في الجبهة الثانية. هنا يطرح المحللون “باراديغم بريتون وودز للقرن 21” كبديلٍ.
سابقاً كان صندوق النقد والبنك الدولي والناتو؛ حزمة بناء اقتصادي وتمويل وأمن أقامت تحالفًا استراتيجيًا في أوروبا. في 2026 ماذا سيكون؟ هل يمكن لـ “أمن اقتصادي، تحالف تكنولوجي، ناتو موسع” ترسيخ هيمنته في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية؟
أي: “توريد من دول صديقة” في الرقائق والطاقة والمعادن النادرة. “نادي الدول الديمقراطية” في الذكاء الاصطناعي والسيبرانية، هدف إلى إنفاق 4% على الدفاع، هذه هي القضايا الاستراتيجية الأساسية أمام قمة الناتو.
تقول أمريكا: “العولمة انتهت، بدأ التكتل”. التوازن الجيوسياسي الجديد: كتلة أمريكا – الاتحاد الأوروبي – اليابان في مواجهة كتلة الصين – روسيا -إيران. يُجبر الناتو على أن يكون العمود الفقري العسكري لهذا النظام الجديد.
في 1949 كان السؤال: “هل ستحمي أمريكا أوروبا؟” في 2026 نفس السؤال.
الحرب الباردة: عصر الردع 1949-1991
40 عامًا من الناتو ضد عدو واحد: الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو. لم يدخل الناتو حربًا ساخنة. ردع بـ “المظلة النووية” و300 ألف جندي أمريكي في ألمانيا. في 1991 مع سقوط جدار برلين قيل “تمت المهمة”. لكن الناتو لم يتفكك.
عصر “شرطي العالم”: 1991 -2022
بعد انتهاء التهديد السوفيتي بحث الناتو عن مهامٍ جديدة. من “الدفاع الإقليمي” إلى “التدخل العالمي”:
البوسنة 1995، كوسوفو 1999: أول عمليات جوية في أوروبا
أفغانستان 2001-2021: التفعيل الأول والأخير للمادة 5 بعد 11 أيلول، 20 عامًا من مكافحة الإرهاب
العراق 2003: لم يدخل الناتو رسميًا لكن قدم مهمة تدريب
ليبيا 2011: عملية تغيير نظام بعقيدة “مسؤولية الحماية”.
سوريا: تدريب واستشارة ضد داعش
توسع الناتو من 12 إلى 30 عضوًا. موجات 1999 و2004 أدخلت شرق أوروبا ودول البلطيق. الهدف: “نشر الديمقراطية والاستقرار”. قرأتها روسيا كـ “حصار”.
نقطة الكسر.. حرب أوكرانيا والعودة للدفاع الإقليمي
24 شباط 2022 غير كل شيء. بدأت أول حرب برية كبرى في أوروبا بعد 80 عامًا. خلع الناتو فورًا قبعة “شرطي العالم” وارتدى قبعة “الدفاع الإقليمي”.
لماذا؟
فشل الردع: هاجمت روسيا.
خطر المادة 5: بولندا ودول البلطيق تحت تهديد مباشر.
ظل النووي: عادت التهديدات النووية التكتيكية.
النتيجة: قواعد دائمة على الجناح الشرقي، قوة سريعة من 300 ألف، هدف إنفاق 4% على الدفاع. دعوة الأمين العام روته “نحول أموالنا إلى الصواريخ والذخائر” اعتراف بهذه العقيدة.
أوكرانيا هي المفتاح. انضمامها للناتو والاتحاد الأوروبي يعني تراجع روسيا استراتيجيًا من البحر الأسود إلى البلطيق لأول مرة منذ 300 عاماً “تهديد وجودي” لروسيا.
لهذا تُدار الحرب على أساس “الاستنزاف” وليس “النصر”. وفقًا لتحليلات كثيرة: استراتيجية الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وأمريكا هي: إضعاف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا بحرب 3-5 سنوات، هذا هو “النموذج الكوري”: هدنة لكن لا سلام. تجمد الجبهة.
الشرخ بين ضفتي الأطلس.. أمريكا والاتحاد الأوروبي
وسّعت حرب أوكرانيا الشرخ:
اختلاف الأولويات: أمريكا “التهديد الحقيقي الصين”. الاتحاد الأوروبي “التهديد الحقيقي روسيا”.
شجار المال: نقاش “أوروبا لا تنفق بما فيه الكفاية” بدأ في عهد ترامب، الآن يُناقش هدف 4%.
نهاية الحرب: ترامب “لنجمّد الحرب من أجل الداخل”. الاتحاد الأوروبي وبريطانيا “لا يمكن بدون إضعاف روسيا”.
الاستراتيجية: عندما قطعت أمريكا المساعدات، سأل الاتحاد الأوروبي لأول مرة بجدية “ماذا نفعل بدون أمريكا؟”.
الجبهة الثالثة.. الشرق الأوسط وأزمة إيران ـ إسرائيل – أمريكا
بينما كان الناتو مُركزًا على روسيا، اشتعل الشرق الأوسط منذ 2023، غزة وتوتر إيران – إسرائيل وتورط أمريكا المباشر خلق تهديدًا أمنيًا جديدًا للاتحاد الأوروبي.
يضرب هذا الاتحاد الأوروبي بثلاثة طرق:
الطاقة والتضخم: مخاطر هرمز والبحر الأحمر، الهجرة: خوف من موجة لاجئين جديدة، الإرهاب: خطر متزايد في المدن الأوروبية.
الأم: أمريكا تحاول دعم أوكرانيا وإسرائيل والحفاظ على موقعها في المحيط الهادئ في الوقت نفسه. سؤال “هل الضمان الأمريكي لا نهائي؟” يُطرح في الاتحاد الأوروبي بأعلى صوت.
الناتو على مفترقِ طرق
الناتو اليوم في وسط ثلاثة حروب:
في الشرق: حرب بالوكالة مع روسيا.
في الجنوب: عدم استقرار في الشرق الأوسط.
في الداخل: أزمة ثقة استراتيجية بين أمريكا والاتحاد الأوروبي.
التحالف الذي تأسس قبل 75 عامًا ضد السوفييت، يصوّت اليوم على مستقبله من خلال “مصير أوكرانيا”.
إذا انتصرت أوكرانيا ودخلت الناتو، ستنحصر روسيا شرقًا.
إذا بقيت أوكرانيا في صراع متجمد، سيبدأ عصر “القوي يأخذ”.
ما قاله روته في أنقرة: “أوروبا أقوى، ناتو أقوى”. لكن؛ هذه القوة لم تعد تُفكر بدون أمريكا. ولهذا بالضبط يواجه التحالف الأطلسي أكبر اختبار في تاريخه.
أمام الناتو خياران:
إما أن يستنزف روسيا بـ “النموذج الكوري” ويعيد بناء اقتصاده بـ “بريتون وودز الجديدة”، أو أن يصبح التحالف الممتد 75 عامًا جزءًا من التاريخ.