سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مجلس سوريا الديمقراطية التشكيلة والمخطط ومشروع حل الأزمة ـ1ـ

تحقيق/ روج موسى –
يعتبر مجلس سوريا الديمقراطية أو اختصاراً يعرف بـ”مسد – MSD”، أحد الأطراف الفعالة على الجغرافية السورية، وممثلاً للعديد من المكونات والأقليات الإثنية والعرقية، بينما يجمع في هيئاته العشرات من أعضاء التكتلات السياسية والتنظيمات الاجتماعية المختلفة الأهداف، ويطرح مشروع حل للأزمة السورية، فما هي حقيقة هذا المجلس الذي يعتبر أول تنظيم سياسي بديل يبنى بالداخل السوري ويحمل مشروع حل على أرض الواقع؟
تأسس مجلس سوريا الديمقراطية والذي يترأسه كلٌّ من رياض درار وأمينة عمر اللذَين انتُخبا عقب عقد المؤتمر الثالث للمجلس في السادس عشر من تموز المنصرم بمدينة الطبقة التي حررَّتها قوات سوريا الديمقراطية من مرتزقة داعش في العاشر من أيار 2017م في التاسع من كانون الأول 2015م عقب دعوة وجهتها حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM للعديد من الأطراف السورية.
جاء تأسيس مجلس سوريا الديمقراطية في خضم مرحلة حساسة فيما يعتلق بالأزمة السورية، حيث برز في الأوساط الإقليمية والدولية مساع للحل السياسي للأزمة في سوريا، وتشكيل وفد يمثل المعارضة للتفاوض مع النظام السوري، إلا أن المساعي الإقليمية والدولية تركَّزت على توحيد المعارضة بما يتوافق مع مصالحها، وتشكيل وفد يمثل أجندات ومصالح تلك الأطراف، وبالتالي تعرَّضت أطراف معارضة الداخل إلى التهميش ومحاولة إبعادها عن المعادلة السياسية في سوريا.
لم يكن تاريخ ميلاد المجلس محضَ صدفةٍ، فجاء المؤتمر التأسيسي للمجلس في الثامن من كانون الأول بعد عقد مؤتمر القاهرة بمشاركة وفد الإدارة الذاتية الديمقراطية ومؤتمر الرياض الذي لم يشارك فيه أي وفد للأحزاب السياسية في شمال سوريا وعلى رأسها الإدارة الذاتية الديمقراطية وحركة المجتمع الديمقراطي، الذي كان من المقرر عقده في السادس عشر من شهر كانون الأول. ولكن؛ عقب انتشار خبر عقد مؤتمر مجلس سوريا الديمقراطية، تم تقديم موعد مؤتمر الرياض للثامن من كانون الأول.
مؤتمر القاهرة بين ديمقراطية الشمال وعنصرية الائتلاف
عقد مؤتمر القاهرة الثاني في الثامن والتاسع من حزيران 2015م بالعاصمة المصرية القاهرة، وشاركت فيه المعارضة السورية بمختلف أطيافها من الائتلاف وهيئة التنسيق والإدارة الذاتية الديمقراطية والمجلس الوطني السوري والمستقلين إلى جانب مشاركة ممثلين لمنظمات المجتمع المدني وذلك بحضور 200 مندوب من قبل كل هذه الأطراف. وجاء هذا المؤتمر في فترة حساسة من الأزمة السورية، حيث كان قوات المعارضة في حالة تقدم مستمر وسيطرت على أجزاء واسعة من الجغرافية السورية فيما كانت وحدات حماية الشعب وغرفة عمليات بركان الفرات حينها خرجت من معركة كوباني مؤخراً، فيما كان يعيش النظام حالة تخبُّط مستمرة نتيجة تقدُّم المعارضة وداعش.
وشهد المؤتمر الذي دام يومين نقاشات مطولة بين الكتل المشاركة، ونظراً لضيق الوقت وعدم قدرة مناقشة  البنود الـ17 المقترحة انبثقت لجنة من المؤتمر بمشاركة مندوب من كل كتلة في المؤتمر لكي تناقش البنود الأساسية مثل البند الثاني عشر المتعلق بالشعب الكردي بشكل مُطوَّل ولقراءة سريعة للبنود الأخرى. وحسبما أفاد أحد الحاضرين فعقب انتهاء هذه اللجنة من نقاشاتها وإصدارها لصياغة موحدة، رفضت بعض الأطراف الأخرى في المؤتمر مثل الائتلاف مقررات هذه اللجنة التي كانت مخولة بسن كل شيء في المؤتمر. وأشار المصدر إلى أن وفد الإدارة الذاتية انسحب من المؤتمر بسبب هذه المداخلات التعسفية لحين تم التوسط مع وفد الإدارة الذاتية والنقاش حول البنود مجدداً بما يحمي حقوق الأقليات في الشمال السوري. فيما صرح مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية حالياً وعضو وفد الإدارة الذاتية في مؤتمر القاهرة مصطفى بالي بأن جل نقاشاتهم وأساس خلافاتهم كانت بسبب عنصرية بعض الأطراف وعدم قبول أطياف المعارضة كافة من الائتلاف وهيئة التنسيق والمجلس الوطني السوري وجهة النظر الكردية في المؤتمر.
وكشف في المؤتمر الذي شارك فيه وفد شمال سوريا في ختامه عن بنود أساسية لمشروع خارطة الطريق إلى جانب وثيقة للحل السياسي التي كان أبرز بنودها إنشاء هيئة الحكم الانتقالي وميثاق العهد الوطني والذي تضمنت عدة بنود وهي اعتماد الدولة مبدأ اللامركزية الديمقراطية، المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، ضمانة حقوق الطفل والمعاقين، الفصل الكامل بين السلطات التشريعية والتنفيذية، الإقرار بالحقوق القومية المشروعة للكرد وسائر القوميات الأخرى في سوريا والمساواة بينها وبين جميع القوميات ومن بينها القومية العربية، المساواة بين حقوق المواطنين السوريين بغض النظر عن القومية والمذهب والعرق واللون والجنس.

نظرات الحل معكوسة بين الرياض وديرك
عقد مؤتمر الرياض من الثامن للعاشر كانون الأول 2015م في العاصمة السعودية الرياض بغية تشكيل وفد للمفاوضات مع النظام السوري، بمشاركة حوالي 100 شخصية من الائتلاف الوطني السوري المعارض وحوالي 15 فصيلاً مرتزقاً مثل جيش الإسلام وأحرار الشام وبعض المستقلين، حيث انسحب العديد من الأطراف من المؤتمر قبل عقده مثل تيار قمح برئاسة هيثم مناع الذي صرح حينها لوسائل إعلام عربية مجلس التيار أقر الانسحاب من المؤتمر بالإجماع عقب رفض مندوبي التيار التوجُّه نحو المؤتمر معترضين على مشاركة أحرار الشام. المؤتمر الذي تم برعاية سعودية ودعم قطري وتركي، أقصى عدة أطراف رئيسة في سوريا مثل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية ومكونات بأكملها مثل الكرد والسريان، فاقتصرت مشاركة الكرد على أعضاء المجلس الوطني الكردي المنضوي تحت سقف الائتلاف الذي لا يمتلك قاعدة شعبية بين الكرد في روج آفا، بينما احتضن المؤتمر مرتزقة مسلحين مثل أحرار الشام والجبهة الجنوبية وجيش الإسلام المتهم باستخدام أسلحة كيمياوية على حي الشيخ مقصود بمدينة حلب والتي كانت تعتبرهم السعودية “ثواراً”. ونتج عن هذا المؤتمر تشكيل وفد للمفاوضات مع النظام ولكن على العكس تماماً تشرذمت المعارضة بشكل أكبر فيما بعد المؤتمر نتيجة لتداخل أجندات الدول الداعمة في الملف السوري وأقصاها للكرد على وجه العموم، فيما تباينت المواقف حيال عقد المؤتمر، حيث اعتبر الجانب الإيراني مؤتمر الرياض قد يؤدي لفشل محادثات “السلام” السورية إلى جانب كونه خارج اتفاق فيينا، فيما أعربت موسكو عن رفضها لهذا الوفد كونه كان يطرح نفسه كمتحدث شامل للمعارضة السورية، بينما وجه بشار الأسد أصابع الاتهام نحو الولايات المتحدة والسعودية بخصوص ضم “مجموعات إرهابية” للمفاوضات، فيما صنفه محمود مرعي الأمين العام لهيئة العمل الوطني الديمقراطي تدخلاً في شؤون المعارضة السورية، بينما تبرئت الإدارة الذاتية الديمقراطية ـ المقصية من مؤتمر الرياض بطلب من الائتلاف ـ من مقررات هذا المؤتمر وأكدت عبر بيان رسمي أصدرته حينها أنها ليست معنية بأيِّ مُخرجات لمؤتمر الرياض الذي لا يمثلها، فيما رفض عدد من الأحزاب والتكتلات السياسية والسياسيين الموجودين في الشمال السوري دعوة اللجنة التحضيرية لمؤتمر الرياض متهمينه بالانحياز للتطرف والمجموعات المسلحة الإرهابية وفق ما ذكرته بيانات التحالف الوطني الديمقراطي السوري وبيان محي الدين شيخ آلي سكرتير حزب الوحدة.
إن إمكانية تشكيل منظومة سياسية اجتماعية متكاملة مثل مجلس سوريا الديمقراطية في أحلك الظروف التي تمر بها سوريا من قتل ودمار وصراع، أتونها الشعب السوري نفسه، يعتبر إنجاز تاريخي كبير لما يحمله من تجمع متنوع وشامل عن المجتمع السوري العريق ومن مشروع حل على أرض الواقع يلبي طموحات وتطلعات شعبها في العيش الحر والكريم.
مؤتمر ديرك.. المؤتمر السياسي الأول في المناطق المحررة
مع استمرار تدخل الدول الإقليمية في الشأن السوري، وعقد اجتماعات ومؤتمرات في عواصمهم ومركز مدنهم، كان الداخل السوري مهمشاً بشكل كامل، حتى الذين يدّعون بأنهم كانوا يمثلون الشعب السوري جميعهم كانوا يقطنون خارج سوريا سواء في دول الجوار أو في الدول الأوروبية، مبتعدين عن المعاناة التي يعيشها الشعب السوري من انعدامٍ للأمن وفقرٍ مدقع بالإضافة لكونهم أحجار شطرنج للدول الداعمة متناسين الأهداف الأساسية للثورة السورية.
في خطوة جريئة والتي تسجل للإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال سوريا، قامت حركة المجتمع الديمقراطي والإدارة الذاتية الديمقراطية بتوجيه دعوة للعشرات من المعارضين السوريين الشرفاء المنادين بسوريا ديمقراطية تصان فيها حقوق كل الأقليات في داخل وخارج سوريا، وعقد مؤتمر مجلس سوريا الديمقراطية في مدينة ديرك التي تحررت من النظام البعثي في أواخر 2012م والذي يعتبر أول مؤتمر يجمع المعارضة السورية بمختلف أطيافها في داخل الجغرافية السورية.
وعقد المؤتمر التأسيسي لمجلس سوريا الديمقراطية في الثامن من كانون الأول 2015م تحت شعار “معاً نحو بناء سورية حرة وديمقراطية”، حيث انبثق عن المؤتمر تشكيل “مجلس سوريا الديمقراطية” الذي ترأسته حينها إلهام أحمد وهيثم مناع ويذكره النظام الداخلي للمجلس على أنه مشروع سياسي وطني ديمقراطي سوري يعمل على ضم المكونات المجتمعية والكيانات السياسية كافة في هذه المرحلة الاستثنائية المصيرية.
ويضم المجلس العشرات من السياسيين والأكاديميين السوريين المعارضين للنظام السوري والعديد من الكتل مثل القوى السياسية في الإدارة الذاتية والتحالف الوطني الديمقراطي السوري، كتلة أحزاب المرجعية السياسية الكردية، تجمع عهد الكرامة والحقوق ويعتبر الغطاء السياسي لقوات سوريا الديمقراطية.
أهمية المجلس (لسوريا عامة، لشمال سورية خاصة)
على مستوى الشمال السوري، الذي تُعتبر تجربته الاجتماعية الوطنية في الإدارة الذاتية والعسكرية في قوات سوريا الديمقراطية مشروع حل سياسي عام على أرض الواقع السوري، تأتي أهمية مجلس سوريا الديمقراطية في أنها تتمكن بمرونة وسهولة جمة من استقطاب الأطياف في المنطقة والعشائر والتكتلات لما تتضمنه من هيكلية ونظام وفكر يكفل الحقوق وينبذ العنصرية والإقصاء ويحبذ إرادة المجتمع في إدارة نفسه والتكاتف لضمان الوحدة السورية أرضاً وشعباً، وتلعب دوراً كبيراً في بناء ملتقى ومظلة للعشائر والأعراق والأديان الموجودة في الشمال والشرق السوري، الذي يعتبر المنطقة الأكثر تنوعاً في سوريا، وتُرى كملجأ لأي كتلة أو عشيرة أو جهة سياسية وطنية تحتمي بها وتعبر عن رأيها وتقدم دعمها من أجل أي حل شامل لسورية المستقبل، أما على الصعيد السوري العام فهي تنأى بنفسها عن أي صراع مجتمعي سوري، وتأخذ من الممكن المتوفر في الداخل السوري كأرضية للانطلاق نحو سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، وتبتعد عن أي فكر أو جهة تقصي مكوناً سورياً ما أو لا يكفل حقوقها، كونها تؤمن بالتنوع والتعددية والتكاتف المجتمعي. الأمر الآخر والأهم هو أن هذا المجلس بعكس النظام والمعارضة المرتزقة في الخارج، فإنها تتشكل من كتلة سياسية اجتماعية وطنية شاملة ومن كل أصقاع الأرض السورية ولكل مكون ممثل فيه، حيث لا تنكر أو تقصي مكوناً أو فكراً ما، إلى جانب تمثيلها لقوة عسكرية مميزة محلياً وإقليمياً ودولياً، متمثلاً بقوات سوريا الديمقراطية تحارب الإرهاب والاحتلال في سوريا بأشكاله كافة.
ماذا تتضمن الوثيقة السياسية لمسد؟
ويملك المجلس وثيقة سياسية يتبنى فيها عدة مبادئ كان قد ذكرها منذ مؤتمره التأسيسي في 2015م وهي إنهاء النظام الاستبدادي وبناء نظام ديمقراطي برلماني تعددي في دولة لامركزية، ويهدف المجلس لمحاربة الجماعات الإرهابية التكفيرية في إِشارة منهم لمرتزقة داعش والاحتلال التركي, فيما يقر المجلس عبر وثيقته السياسية بالتنوع المجتمعي السوري والاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي والشعب السرياني الآشوري الكلداني الآرامي والشعب التركماني والأرمني والشركسي.
ويشير المجلس في سياق الوثيقة السياسية إلى أنهم يستلهمون المحطات النهضوية في الثقافات الشرقية الإسلامية والمسيحية والعقائد الأخرى باعتبارها تراثاً مشتركاً في الوطن السوري لكل مكوناته، ويعتبر حرية المرأة ضمانة للحريات كافة، فيما يصنف الشباب على أنه القوة الفاعلة بالمجتمع.
في الجانب الاجتماعي ذكر المجلس في الوثيقة بأنهم يعملون على ضمان حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وبشكل خاص ضحايا الحرب المدمرة التي عاشتها وتعيشها سورية في السنوات الخمس الأخيرة إلى جانب حماية الطفولة ووضع مشاريع خلاقة لإنقاذ أطفال سنوات العنف من تبعات التهجير والعسكرة والأمية، بالإضافة لإحقاق مبدأ العدالة الاجتماعية في قضايا التعليم والصحة والعمل.
من بناء المجالس المحلية للتفاوض مع النظام
مضت ثلاثة أعوام على تشكيل مجلس سوريا الديمقراطية الذي يعتبر الغطاء لقوات سوريا الديمقراطية التي   حررت مناطق واسعة من الشمال السوري، حيث حررت مناطق مثل منبج والطبقة والرقة وريف الحسكة الجنوبي وريف دير الزور الشمالي من مرتزقة داعش. ويعتبر مسد الطرف الأول الذي عمل على تنظيم الحياة المدنية في تلك المناطق المحررة مؤخراً، حيث قامت بتشكيل مجالس الإدارة المحلية، مثل مجلس الرقة والطبقة ومنبج ودير الزور المدنية، والتي قامت بدورها بإعادة إنعاش الحياة في المناطق التي توقفت فيها الحياة بشكل شبه كامل إبان احتلال داعش لقراهم وبلداتهم، بالإضافة لقيام هذه المجالس بتقديم الخدمات المتنوعة للأهالي وبناء علاقات مع بعض الأطراف الدولية بغية الحصول على دعم مادي لإعادة إعمار المدن من مخلفات الحروب التي شهدتها على مدار ستة أعوام.
فيما كان المجلس أحد الأطراف الرئيسة بإعلان المجلس التأسيسي لفدرالية الشمال السوري والذي جاء بعد نقاشات مطولة بين مكونات الشمال السوري والتي أعلن عنها في السابع من آذار 2016م وأعلن عن عقدها الاجتماعي في الأول من تموز 2016م واستمراراً لما تكللت به خطواتها في إعادة لملمة المجتمع السوري الذي بعثرته الحرب المدمرة، أعلنت عن استعدادها التفاوض والاجتماع مع أي طرف معني أو مؤثر في الأزمة السورية “دون شروط مسبقة”، فكان لها لقاءات كثيرة على الصعيد الخارجي والداخلي سواء مع التحالف الدولي أو مع وفود أوروبية، إلى جانب موافقتها للتفاوض مع النظام في دمشق في شهر تموز الفائت، حيث تمخض عنها تشكيل لجان تفاوض لتقديم تقارير عن مشروعي الحل لكلا الطرفين ومناقشتها والتي ما زالت مستمرة في عملها، حيث اعتبرها المراقبون خطوة جدية من النظام وتطور جديد على الصعيد الداخلي.

التعليقات مغلقة.