سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

لهيب الصناعة يثقب جيوب السائقين

تقرير/ رشا علي-

روناهي/ قامشلو- يفكر “ناشد تمري” ملياً بترك عمله الحالي والبحث عن مصدر رزق ثانٍ له ولعائلته، ولا يكمن سبب تفكيره هذا في قلة مردوده المادي حالياً، بل لأنه يصرف قسماً كبيراً منه في المنطقة الصناعية كل شهر، معاناة هذا السائق يشاركه فيها العديد من رفاقه بالمهنة، وسط مطالبة بتدخل الجهات المعنية ووضع حد لغلاء قطع التبديل وأجور معلمي الصناعة التي باتت تقدر بالدولار فقط  
شكاوي عدة، وصلت لدرجة التفكير بترك العمل، سائقو الأجرة والتكاسي العمومية وحتى الخصوصية منهم يجمعون على تخطي تكاليف صيانة السيارات والآليات في منطقة الصناعة بقامشلو حد المعقول، لتصبح مشكلة تفرض على أي شخص يفكر باقتناء سيارة له زيارة المنطقة الصناعية ليعرف ما سيواجهه عند تعطل سيارته. قطع تبديل السيارات باتت غالية لدرجة عم قدرة السائق على شرائها، وأجرة اليد العاملة باهظة مقارنة مع فترة زمنية ليست بالطويلة، وهو ما سبب زيادة تعرفة النقل، سواء الخطوط العامة أو التكاسي العمومية، وفي بعض الأوقات عدم التزام السائقين بالتعرفة المخصصة من قبل مؤسسة المواصلات.
زيادة التعرفة
عمار علي الزعلان؛ سائق يعمل على خط الكراجات في مدينة قامشلو، يبرر لجوأه إلى زيادة أجرة الراكب فوق التعرفة الرسمية، بسبب غلاء قطع الغيار و”احتكارها” من قبل التجار، ويقول “قبل يومين قمت بتصليح محرك سيارتي وكلفني ٧٠٠ ألف ليرة سورية، إن غلاء قطع السيارات غير مقبول وأسعارها جنونية إضافة إلى غلاء أسعار اليد العاملة للميكانيكيين”.
وبدى عمار مستاءً من عمله كسائق، مشيراً إلى صعوبات كبيرة تعترضهم في عملهم واعتبرها مضيعة للوقت لأن الجزء الأكبر من مردودهم المادي يذهب إلى جيوب التجار على حد وصفه.
 وعزا السائق المقيم في مدينة قامشلو السبب إلى عدم وجود رقابة على محلات بيع القطع ما أدى إلى اختلاف أسعار القطع من محل إلى آخر، واحتكار القطع من قبل التجار وبيعها بأسعار غالية جداً.
العمل بدون جدوى
ويتفق “ناشد تمري“، وهو من سكان مدينة قامشلو ويعمل على خط الكراجات، مع عمار فيما يخص غلاء أسعار قطع التبديل بوصفه “قطع السيارات غالية جداً”، ويتابع قوله “إننا نعمل بدون جدوى لأن عملنا يذهب للتصليح وشراء القطع لسياراتنا”.
نتيجة عدم التوافق بين مردوده اليومي ومصاريف عائلته، يفكر تمري بتغيير عمله الحالي والبحث عن فرصة عمل جديدة، إن لم تُحل مشاكلهم هذه، ويطالب تمري الجهات المعنية بالتدخل وتحديد أسعار القطع والتصليح من أجل كسر الاحتكار.
احتكار أم جشع
فالمشكلة بحسب السائقين تكمن في محلات بيع قطع التبديل والغيار، لكن في الوقت ذاته يبدي أصحاب هذه المحال التي التقت صحيفتنا معهم استغرابهم من هذه النظرة لهم، ويرجع “شيار بطال“، صاحب محل لبيع قطع السيارات في حي الصناعة بمدينة قامشلو, سبب ارتفاع أسعار قطع غيار السيارات, إلى أن شراء القطع بالدولار الأميركي.
وتأتي غالبية قطع التبديل والغيار للسيارات من مدينة حلب، ويُشير “بطال” إلى أن غلاء أسعار الشحن يدفع بالمحلات إلى إضافة تكلفة الشحن على سعر القطع، وعلى سبيل المثال فإن تكلفة شحن كرتونة واحدة تكون بحدود ٤٠ ألف ليرة سورية، والقطعة التي يكون ثمنها ستة دولارات يزيد سعرها ٢٥ سنتاً أمريكياً أجرة للشحن.
لكن وفق مصادر أخرى فإن نسبة كبيرة من قطع التبديل ولا سيما للسيارات الحديثة تدخل لمناطق شمال وشرق سوريا عبر معبر سيمالكا عبر باشور، ويتحكم في هذه التجارة أناس محددين لم تذكر هويتهم، وهو ما يزيد احتكار البعض لهذا القطاع.
أما عن اختلاف الأسعار بين المحلات يرجعه شيار بطال إلى اختلاف الجودة والمنشأ, وعدم وجود تسعيرة ثابتة لأسعار قطع السيارات في المنطقة.
الصناعيون هم السبب
وتضيف غالبية محلات قطع التبديل في قامشلو نسبة ١٥ بالمئة من سعر القطعة كربح صافي لهم, ويربط شيار بطال سبب غلاء تصليح السيارات بأجور الميكانيكيين وليس بأسعار قطع التبديل فقط بشرحه الفرق بين سعر القطعة وأجرة التصليح بمثاله الآتي: “مثلاً: شراء عكس بستون بـ٩٠ سنتاً وبيعه للمستهلكين بدولار واحد, وشراء القطع لأجل تصليح المحرك يكلف السائق ٥٠٠ ألف ليرة سورية أي ما يعادل ٢٠٠ دولار أمريكي!”.
وتسبب ارتفاع تكاليف تصليح السيارات في قلة العمل بالمدينة الصناعية مقارنة مع العام الماضي، ويربط بطال هذا بتعامل أصحاب المهن بالدولار في البيع والتصليح، متمنياً أن يعود شراء القطع إلى الليرة السورية, ليقوموا ببيعها للمستهلكين بالليرة السورية.
الأجور بالدولار
بدوره يبرر “حسين محمد علي” الذي يعمل “صواج” في الصناعة بمدينة قامشلو, سبب لجوئهم إلى تحديد أجور يدهم “أجور التصليح” بالدولار إلى غلاء تكاليف المعيشة العامة، موضحاً أن أسعار اليد العاملة تحددها لجنة الصناعة.
ويلفت “علي” النظر إلى غلاء أجور المحلات التجارية في المدينة الصناعية، وهو ما ينعكس على غلاء أجور الصيانة والتصليح، ورغم أن المحل الذي يعمل فيه علي هو ملك شخصي له، إلا أن الأجور التي يتلقاها لقاء صيانة السيارات لا تختلف عن صاحب مهنة مماثلة مستأجر لمحل في الصناعة.
وتبدأ أسعار أجارات المحلات التجارية في المنطقة الصناعية من مئة دولار وما فوق أي 250 ألف ليرة سورية كحدٍ أدنى، ويضيف علي “تأثرهم كصناعين وحرفيين بقرار الحظر الجزئي الذي أعلنته الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بسبب جائحة كورونا، لم نعد نستطيع العمل بسبب ضيق الوقت”.
دور المجلس الصناعي
وفقاً لما سبق، يرجع السائقون ومعلمو صيانة السيارات وأصحاب محال قطع التدبيل أصل المشكلة لسعر صرف الدولار، لكن ما هو دور مجلس الصناعة الذي تشكل عام 2014 في حل هذه المشكلات وتحديد أجور الصيانة ونسبة الربح لتجار قطع التبديل أيضاً؟
 محمد أنور رئيس مجلس الصناعة في مدينة قامشلو, قال إن دورهم يبدأ باستقبال الشكاوي من معلمي الصناعة وأصحاب السيارات على حد سواء, وخصوصاً سائقي السيارات العمومية, وهنا يحاول المجلس حل المشاكل التي تحدث بين أصحاب السيارات والميكانيكيين.
ولم يعطِ أنور معلومات جديدة عن أسباب اختلاف أسعار قطع السيارات من محل لآخر، بل ربطها بعدم ثبات سعر صرف الدولار الأمريكي, وتابع “شراء بعض أصحاب المحلات القطع من الوكلاء مباشرة بحيث تكون أرخص من الذين يشترونها من الأسواق الحرة، وهنا يحدث الفرق بين الأسعار”.
تشتت الجهات المسؤولة
وأخلى محمد أنور مسؤوليتهم فيما يتعلق بتحديد الأسعار ضمن الصناعة وحمّلها للتموين، وقال إن التموين هو المسؤول عن تحديد أسعار القطع ونسبة الربح بالقول “سابقاً كانت نسبة الربح لأصحاب المحلات ٢٠ بالمئة للقطعة الجديدة و٢٥ بالمئة للقطعة القديمة، أما اليوم فالتموين هو المسؤول عن تحديد هذه النسبة”، ولم يجب محمد أنور عن سؤالنا حول تحديد قيمة بدل أجور العاملين في الصناعة، وكنا قد أشرنا سابقاً إلى أن أجور اليد العاملة يحددها هذا المجلس.
وعاد محمد أنور ليحصر دور مجلسهم هذا في عمل لجنة الصلح ضمن المجلس باستقبال الشكاوي من المواطنين والتحقق منها, والقيام بإرجاع كامل الحقوق لأصحابها.
 ونوه أنور إلى أن أحد أسباب الغلاء هو جشع التجار دون أن يوضح طرقاً لوقف هذا الجشع، وطالب أصحاب السيارات بالتواجد أثناء تصليح سيارتهم لمراقبة الميكانيكي أثناء عمله في تصليح السيارة.
مخطط متعثر
ولتخفيف الضغط عن المنطقة الصناعية الحالية بدأ المجلس الصناعي بخطة إنشاء صناعة جديدة لتأمين المحلات لكافة العاملين في مجال تصليح الآليات المختلفة لضمان عدم لجوئهم لاستئجار المحلات بأسعار خيالية, وكان من المقرر انتهاء هذا المشروع إلا أن محمد ربط سبب تأخره إلى حد الآن بسبب الظروف الحالية والهجمات التركية على شمال وشرق سوريا.
مطالب السائقين، ربما لن تجد آذان صاغية في ظل تشتت المسؤولية بين جهات عدة، وعدم قدرة المجلس الصناعي على ضبط جشع التجار والدولار معاً، ليبقى صاحب السيارة يفكر بطرق تبعده عن طريق الصناعة ومعلميها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.