بدرخان نوري
ضرب العاصمة السورية دمشق تفجران دمويّان، نفذا بطريقة ممنهجة حملت دلالات سياسيّة، وأمنيّة بالغة الحساسيّة، في مرحلةٍ انتقاليّة حرجة تعيشها البلاد بعد الإطاحة بالنظام السابق، واستهدف التفجيران مناطق تضم مقرات سياسيّة وقضائيّة، في ظلّ ظروف أمنيّة صعبة، لتكون دليلاً على أنّها متعددة الأهداف، فمن جهة تستهدف بينة الدولة وضرب الاستقرار، ومن جهة أخرى تقوض العيش المشترك، وتضع الحكومة المؤقتة، أمام اختبار القدرة على ضبط المشهد الأمنيّ، في وقتٍ نشهدُ فيه تحولاتٍ دبلوماسيّة في التعاطي الدوليّ مع المتغيرات في سوريا.
التزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي
وما يضاعف من حرجِ دمشق، ويزيد تقييم خطورة التفجير، تزامن التفجير مع الزيارةِ التاريخيّة والاستثنائيّة التي قام بها الرئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، إلى دمشق في 7/7/2026، كأول رئيس دولة غربيّة يكسر العزلة الدبلوماسيّة الدوليّة المفروضة على دمشق، منذ سنوات طويلة تسبق التغيير السياسيّ الكبير، وهي أول زيارة لرئيس فرنسيّ منذ زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي الثانية، في 6/1/2009، بعدها دخلت العلاقات بين البلدين في نفق التجميد التام في آذار 2011.
ما حدث ليس صدفة، بل خُطط له بدقةٍ ليتزامن مرور موكب الرئيس الضيف، مع دوي الانفجارات في شوارع المدينة، ليمثل أعلى شكلٍ للتحدي الأمنيّ، ومحاولة مباشرة لإجهاض أو عرقلة أيّ مسار انفتاح أوروبيّ مع الحكومة المؤقتة، وبالتالي؛ فإنّ الأطراف المستفيدة معلومة، وفقاً لسياقِ التنافس الدوليّ على سوريا.
وقد وضعت الرسالة المفخخة قرب وزارة السياحة، وفندق “فور سيزون” مقر إقامة الرئيس الفرنسيّ، والمتحف الوطنيّ، في تأكيد على أنّ الهدف الأول إحراج دمشق، والوفد الزائر، والتشويش على الزيارة الرسميّة، والإيحاء للرأي العام الدوليّ، بعدم استقرار الوضع الأمنيّ وهشاشته، رغم التأكيدات الرسميّة اللاحقة الصادرة عن قصر الإليزيه، بأنّ الرئيس ماكرون، لم يسمع دوي تلك الانفجارات، أثناء توجهه لعقد الاجتماع مع مسؤولي الحكومة المؤقتة، ما يعكس إصراراً فرنسياً واضحاً، على نجاح مسار الزيارة وتثبيت أهدافها السياسيّة والاستراتيجيّة، رغم محاولات التشويش الأمنيّ والميدانيّ. جاء التصعيد الأمنيّ بصيغة صادمة، في سياق زمني بالغ الحرج والحساسيّة، بعد مرور أكثر من عام ونصف من المرحلة الانتقاليّة، وهي مدة زمنيّة كافية وفق المعايير السياسيّة والعسكريّة، لإرساء دعائم الاستقرار الداخليّ، وبناء بيئة أمنيّة متماسكة تستطيع احتواء الفوضى، وتؤمن العمق الاستراتيجيّ للمدن الكبرى، وفي مقدمها العاصمة دمشق.
وقوع مثل هذه الاختراقات المتتالية والمدروسة، في هذا التوقيت يُسقط تماماً فرضية التهدئة المستدامة، التي لطالما جرى الحديث عنها في الخطابين السياسيّ والإعلاميّ، الموجهين للداخل السوريّ، ودول العالم، ما يعيد دمشق إلى مربع القلق والترقب الشديد، ويشير هذا بوضوح إلى أنّ الفترة الماضية التي تلت سقوط النظام لم تكن كافية لتفكيك شبكات التفخيخ السريّة، أو رصد وتفكيك الخلايا النائمة المرتبطة بأجندات تخريبيّة واضحة، بدأت تنشط مع تغير التوازنات الميدانيّة والإداريّة.
أما تكتيك “التفجير المزدوج”، باستخدام عبوات بدائيّة الصنع، تم زرعها يدويّاً، ووقوع التفجير الثاني بعد دقائق قليلة من الأول، بعد تجمع مواطنين وعناصر قوى الأمن الداخليّ، فهو بهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر وإحداث صدى إعلاميّ كبير.
إن عمق هذه الأزمة البنيوية، يستدعي مراجعة دقيقة لكلِّ الخطط الأمنيّة، لتأمين مداخل المدن، بعدما ثبت عدم نجاعة الحواجز التقليديّة الثابتة، لكشف تحرك خلايا بمرونة عالية، وتمتلك قدرات لوجستية متطورة، تمكّنها من اختراق المربعات الأمنيّة الحسّاسة بكفاءةٍ عالية، في توقيتات بالغة الحرج السياسيّ لإيصال الرسائل الإقليميّة والدوليّة بطرق دمويّة ومباشرة، تطيح بالبيئة العامة وتعرض حياة الناس للخطر وتعيق مسارات التنمية والنهوض والاستقرار الإداريّ المنشود.
العمق المزدوج للاختراق الأمنيّ والسياسيّ
تكشف الطبيعة الهيكليّة والهندسيّة للهجمات المتلاحقة في قلب دمشق، عن اختراق لعمقٍ مزدوجٍ، العمق المكانيّ (الجغرافيّ)، والعمق الأمنيّ، ليتجاوز بذلك الجانب العسكريّ الميدانيّ، ويتدخل بشكلٍ معقّدٍ مع الأبعاد الاستخباراتيّة والمضامين السياسيّة الموجّهة بدقةٍ.
على الصعيد الأمنيّ الميدانيّ، يُظهِر هذا الاختراق هشاشةً واضحة، وقصوراً ملموساً في المنظومةِ الأمنيّة في قلب العاصمة دمشق، وتنظيم الإجراءات الأمنيّة الكافية لحماية الوفود، كما يكشف ضعفاً في الجهدِ الاستخباريّ الوقائيّ المنوط به إحباط العمليات الإرهابيّة، قبل تنفيذها بفترة كافية، لحماية الأرواح والممتلكات، خاصة أنّ الأدوات المستخدمة، وإن وُصفت في التقارير الفنيّة الأوليّة، بأنّها بدائيّة الصنع، قد جرى تحضيرها ونقلها وتفخيخها ثم زرعها في نقاط شديدة الحيويّة، والرقابة العسكريّة والأمنية، وتم ذلك في أماكن مثل حاويات القمامة، والسيارات المتوقفة في شوارع رئيسيّة تكتظ يوميّاً بمختلف وسائل النقل وتعجُّ بحركة الموظفين والطلاب، وتضم مقار وزاريّة وجامعيّة سياديّة في غاية الحساسيّة وسط المدينة.
أما على الصعيد السياسيّ الموازي، فإنّ العمق المزدوج يتجلى بوضوح في قدرة الأطراف المخططة والموجهة على قراءة الأجندة السياسيّة اليوميّة للحكومة السوريّة المؤقتة، واختيار أهداف ذات رمزيّة معنويّة عالية تضرب شرعية المؤسسات الناشئة في الصميم، وتنزع عنها صفة الأمان والقدرة التنفيذيّة، وثقة الوفود الخارجيّة والبعثات الدبلوماسيّة، وبالتالي لم يكن مطلوباً إيقاع ضحايا بقدر تحقيق فرقعة سياسيّة، وإظهار العجز في الإجراءات البروتوكوليّة المرافقة للزيارات الرسّمية، ليتجاوز بذلك مجرد جسِّ النبضِ.
في الحصيلة الرسمية، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا)، أنّ الانفجارين أسفرا عن إصابة 18 شخصا بجروح متفاوتة، من بينهم أربعة من عناصر الشرطة التابعة للحكومة المؤقتة، كما أصيب معاون وزير السياحة، فرج قشقوش، وعدد من الموظفين، وعناصر الشرطة المكلفين بالحماية والأمن الداخليّ، ولا يمكن القطع بأنّ وزارة السياحة هي المستهدفة، بقدر ما تم استغلال ثغرةٍ أمنيّةٍ في محيط الوزارة، أدّت إلى تعطيل عمل إدارة حكوميّة ونشر الذعر في نفوس العاملين والأهالي.
وبالتالي فالتفجير لم يقتصر على استهداف الجغرافيا أو النقاط العسكريّة المتقدمة فقط، بل جاء في سياق معركة سياسيّة وإعلاميّة، وهذا ما يجعل مواجهة هذا النمط من الإرهاب تتطلب استراتيجية أمنيّة شاملة ومتكاملة، توازن بدقة بين العمل الاستخباراتيّ الميداني المكثف، والتحصين السياسيّ الداخليّ الشامل، لمنع توظيف هذه الخروقات في تدويل الأزمة.
هذا التداخل المعقد بين الثغرات الميدانيّة والأهداف السياسيّة المباشرة، يحمّل الأجهزة الأمنيّة والاستخباراتيّة، مسؤوليّة ضمان الأمن في سوريا الجديدة، ويفرض تغيير الأدوات والوسائل التقليديّة المتبعة، وتطوير تقنيات الرصد والمتابعة الوقائيّة، ويؤكّد أنّ ضعف الإجراءات بعد التفجيرات السابقة أدى إلى التمادي ومواصلة تنفيذ تفجيرات أخرى.
استهداف منشآت القضاء والبنية العدلية
ولم تقتصر هذه الهجمات الممنهجة على التوقيت السياسيّ الحرج، أو المنشآت السياديّة الدبلوماسيّة فحسب، بل امتدت لتطال عصب المنظومة القضائيّة والقانونيّة، ففي الثالث من تموز 2026، تم تفجير عبوة ناسفة داخل مقهى شعبيّ، في منطقة الحجاز قرب مبنى القصر العدليّ بدمشق، وهو موقع حيويّ هام يرتاده بكثافة العاملون في القضاء، ومراجعين يوميّاً، وأسفر الهجوم المباغت عن وقوع مجزرة مروّعة، قضى فيها بحسب إحصائيّة وزارة الصحة 10 أشخاص وأصيب 21 آخرين، بينهم 13 محامياً، وهي حصيلة صدمت السلك القضائي وفجّرت موجة عارمة من الإدانات والاستنكارات الواسعة محليّاً ودولياً، نظراً لخصوصيّة الفئة المستهدفة.
وفي 16/6/2026، استهدف تفجير عبوة ناسفة، رئيس قسم القصر العدلي في بلدة ببيلا بريف دمشق، القاضي صلاح أحمد الصالح، المنحدر من محافظة إدلب، عبر زرع عبوة ناسفة في سيارته الشخصيّة، بحي دف الشوك بدمشق، ما أدى إلى بتر قدمه جراء إصابته البليغة والخطيرة.
ودفعت خطورة هجوم مقهى الحجاز بدمشق لجنة التحقيق الدولية حول سوريا، لإصدار بيان رسمي مستقل وخاص عبر منصة “إكس” في 5/7/2026، أدانت فيه هذا الهجوم بشكل صارم ومباشر، كونها تعتبره عملاً موجهاً ضد المدنيين العزل، واصفة استهداف الأبرياء بالانتهاك الجسيم للقانون الدولي الإنساني، الذي لا يمكن تبريره تحت أي ظرف من الظروف، ودعت إلى تحقيق شامل ومستقل لمنع الإفلات من العقاب، وضمان العدالة للضحايا وأسرهم دون ربطه بالسياقات العامة اللاحقة للاعتداءات الأخرى.
ترافقت هذه العمليات، مع تحركات أمنيّة موازية، أحبطت خلالها القوى الأمنيّة هجوماً مسلّحاً على حاجز عسكريّ بريف دمشق في 2/7/2026، وأسفرت تلك المواجهة الميدانيّة عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة ثلاثة عناصر من الأمن الداخليّ.
ويعدّ العمل القضائيّ الأكثر حساسيّة في هذه المرحلة، بالنظر إلى العناوين المطروحة وفي مقدمها إنجاز العدالة الانتقاليّة، وبدء المحاكمات العلنيّة لبعض رموز النظام السابق، وتحقيق العدالة هو السبيل الوحيد لتسكين هواجس الناس، والتأكيد أنّ القانون فوق الجميع، ما سيؤدي بالنتيجة إلى الثقة بالقضاء وتراجع في الحوادث الأمنيّة.
فاتورة دم باهظة وضرب الاستقرار
لا يمكن عزل حوادث التفجير الأخيرة في العاصمة دمشق، عن السياق الأمنيّ الإنساني العام والشامل في سوريا، والذي يكشف عن فاتورة بشريّة باهظة ومروعة تدفعها الفئات الأكثر هشاشة واستضعافاً في المجتمع، جراء استمرار الحوادث الأمنيّة ومخلفات الحرب.
ووثق المرصد السوريّ لحقوق الإنسان، إحصائية مفزعة تعكس حجم التهديد الوجودي المحدق بحياة المدنيين، حيث سجّل خلال النصف الأول من العام الحالي مقتل 276 من النساء والأطفال، نتيجة التفجيرات والحوادث الأمنيّة، والمواجهات المسلحة المستمرة في مختلف المناطق السورية، وتضمنت الحصيلة مقتل 92 امرأة و184 طفلاً، ما يوضح أنّ لغة البارود لا تزال تحصد الأبرياء دون تمييز.
وعند النظر إلى الجغرافيا الأمنيّة، وتحليل أعلى المحافظات تسجيلاً لهؤلاء الضحايا، تصدرت محافظة حلب الإحصائيات الرسمية مسجلة الحصيلة الأكبر بـ 81 ضحية من النساء والأطفال، ما يشير إلى استمرار التوترات العسكرية العنيفة في الشمال، وتلتها مباشرة محافظة حماة التي سجلت 67 ضحية، وجاءت بعدها كل من محافظتي حمص وإدلب، بنسب ضحايا متقاربة تؤكد اتساع رقعة الانفلات الأمني وتعدد بؤر النزاع النشطة.
إن ربط تفجيرات دمشق بالأعداد الموثقة لضحايا العنف والحوادث الأمنيّة في سوريا، يمنح القراءة السياسيّة عمقاً واقعيّاً؛ إذ يثبت أن ما يحدث في دمشق، لا ينفصل عن حالة الهشاشة العامة، بل هو امتدادٌ لاختراقات أمنيّة وبيئة عامة تشمل المحافظات الكبرى، وتجعل من الفضاء المجتمعيّ ساحة لتصفية الحسابات السياسيّة وتفجير الاحتقان.
كما تكشف عن اتساع رقعة الخطر لتشمل المرافق المدنيّة، ما يحوّل الشوارع والأسواق إلى مصائد موت حقيقيّة، ويفرض على السلطات القائمة تفعيل خطط أمنيّة لوجستيّة واستخباراتيّة، تشمل كافة المناطق السوريّة للحد من الخسائر البشريّة التي تمزق النسيج المجتمعيّ، وتترك ندوباً نفسيّة واجتماعيّة عميقة وغائرة في وجدان الأجيال الناشئة، التي تتطلع لعهد الاستقرار وإنهاء مآسي الماضي.
والحديث عن عمليات التفجير يستحضر تلقائيّاً حوادث سابقة وقعت على خلفيّة دينيّة، ومذهبيّة، واستهدفت دور العبادة والتنوع الدينيّ والاجتماعيّ، بهدف إثارة الفتنة الأهليّة وزعزعة السلم المجتمعيّ، وتجلى ذلك بوضوح في الهجوم العنيف والدمويّ الذي استهدف كنيسة مار إلياس، في منطقة الدويلعة بدمشق في 22/6/2025، والذي تسبب في دمار جزئيّ في المبنى ومقتل 25مدنياً بينهم أطفال وإصابة 63 آخرين.
وفي حادث مماثل استهدف الإرهاب مسجد علي بن أبي طالب، في حي وادي الذهب بمدينة حمص، في 26/12/2025 بتفجير بعبوة ناسفة، ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص، وإصابة واحد وعشرين آخرين بجروح متفاوتة، وهو الهجوم الذي تبنته مجموعة تسمّي نفسها “سرايا أنصار السنة”، في منشور علنيّ جاء فيه “ننفي ما تم تداوله في الإعلام من أن التفجير استهدف مسجداً لأهل السنة والجماعة، كما نذكر أن هجماتنا سوف تستمر في تزايد، وتطال جميع الكفار والمرتدين”.
تضع هذه التفجيرات المتلاحقة المترافقة مع التحولات الكبرى، الحكومة المؤقتة، أمام تحديات أمنية معقدة، تتطلب تدابير استثنائيّة، لضبط الامن والاستقرار الاقتصاديّ والمجتمعيّ، وتعزيز الأمن وحماية المؤسسات الوطنية والمواطنين، بالتوازي مع العمل بجدية في مسار العدالة الانتقاليّة.