No Result
View All Result
رامان آزاد-
يشهدُ ميدان إدلب تحولاتٍ متتابعة بالمستوى العسكريّ، بينما تغيّرُ الخرائط واضحٌ للعيان، إلا أنّ الغموضَ يكتنفُ تفاصيلَ الاتفاقاتِ المبرمة بين موسكو وأنقرة، رغم إعلانها بنودها، وفي الفترة الماضية شهدتِ المحافظةُ جملةً من الأحداث أهمها غارتان روسيّة وأخرى للتحالف، وإعادة انتشار تركية، فيما الاضطراب الأمنيّ والتنافس الفصائليّ مستمرٌ وإن تغيرت عناوينه.
سجالٌ عسكريّ ولغزٌ سياسيّ
اتفاق موسكو في 5/3/2020 جاء بعد تصعيد عسكريّ ومقتل 22 جندياً تركياً، فهرول أردوغان إلى موسكو يسعى لحفظ ماء الوجه، وعمِلت أنقرة بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ على تعزيز وجودها العسكريّ، وتحصينِ نقاطها حتى تجاوز مجموعُ الآلياتِ التي دخلت عبر معبر كفر سولين 10710 شاحنة وآلية عسكرية تركيّة، تحملُ دباباتٍ وناقلاتِ جندٍ ومدرعاتٍ. وهذا ما أشار إليه أردوغان في 9/3/2020 فقال: “لن نسمحَ بزعزعةِ الهدوء الحاصل في إدلب، عقب مذكرة التفاهم المبرمة بين أنقرة وموسكو لإرساء الاستقرار بالمنطقة”، وأضاف أنّ بلاده وعبر مؤسساتها المعنية تتابعُ الوضعَ عن كثبٍ بالمنطقةِ، وتتخذُ كافةَ التدابيرَ اللازمة”.
وفي مقابلة مع تلفزيون CNN قال وزير الخارجية التركيّ “مولود جاويش أوغلو” في 18/6/2020: “ستسعى تركيا إلى تحويلِ محافظة إدلب لمنطقة آمنة”. وأضاف: “عندما نحوّل إدلب إلى منطقة آمنة سيفكر جيشنا بطريقة استراتيجية وسيتمركز بشكلٍ مختلفٍ بالمنطقةِ حسب الحاجة للمراقبة”، وأشار إلى أنّ الجيش التركيّ ووزارة الدفاع وأجهزة الأمن المعنية سيقررون أين ستتمركز نقاط المراقبة، وكيف وأين سيعملُ الجنود الأتراك والاستخبارات في المنطقة بعد بسط الأمن هناك.
مجملُ التصريحاتِ التركية كانت تتمحور حول المحافظة على الوضع القائم بإدلب، ومعلومٌ أن الوجود العسكريّ التركيّ في إدلب مختلف عن الأداء والهدف من المناطق المحتلة، فإدلب هي ميدان الصفقات، فيما تحرص أنقرة على جعل المناطق المحتلة تركيّةً خالصة. وفي اجتماع الخبراء العسكريين الأتراك والروس، طلب الجانب الروسيّ تخفيف عدد النقاط المراقبة المحددة وفق أستانه بـ12 نقطة، والتي بلغت 68 بين قاعدة ونقطة. فاشترط الجانب التركيّ تسليم مدينتي (تل رفعت ومنبج) بالمقابل.
في 19/10/2020 أخلت القوات التركية بدون مقدمات النقطة التاسعة في مورك وهي الأكبر، لتعيد انتشارها في جبل الزاوية، إذ أنشأت نحو 15 نقطة عسكريّة في أرياف إدلب وحلب واللاذقية، وإحداها على قمة تل “النبي أيوب”. وعلى لائحة الإخلاء ثلاث نقاط هي (شير مغار، الصرمان، ومعر حطاط)، وتم تداول أنَّ المواقع البديلة ستكون “كنصفرة” و”قوقفين” بريف إدلب الجنوبي، وقرية “العنكاوي” بسهل الغاب، ويرجّح أنَّ إعادة الانتشار التركيّ جاءت بعد إبلاغ موسكو أنقرة بأنّها لن توفرَ بعد الآن حماية هذه النقاط.
محاولةُ خلطِ الأوراقِ
وفي 26/10/2020 استهدف الطيران الروسيّ معسكراً تابعاً لمرتزقة فيلق الشام ما أسفر عن مقتل نحو 80 شخصاً وإصابة 90 آخرين. وتجاوزتِ العمليّة البعد المحليّ كبيرة لتكون رداً عمليّاً روسيّاً مباشراً على سياسة التدخل التركيّ في ملفات ليبيا وأذربيجان، ولذلك أدانها أردوغان خلال اجتماع في 28/10/2020 للكتلة النيابيّة لحزب العدالة والتنمية، وقال: إن “استهداف روسيا مركزاً لتأهيل “الجيش الوطني السوريّ” في إدلب مؤشر على عدم دعمها للسلام الدائم والاستقرار بالمنطقة”.
وفي محاولة لخلط الأوراق كعادته، هدد بعملٍ عسكريّ، وقال: إنّه في حال لم يتم الوفاء بوعود إخراج “المرتزقة” من الخطوط التي تم تحديدها في سوريا، فإنّ لتركيا الحق بإخراجهم متى أرادت، مؤكداً أنّها “قادرة على تطهير كامل سوريا من “التنظيمات الإرهابيّة” إن لزم الأمر”. وفيما ادعى أنَّ “تركيا هي البلد الوحيد الذي يحارب هذا التنظيم”؛ ويقصد داعش. وذكّر أنّ “الكيان الذي تحاول الولايات المتحدة ترسيخه على طول الحدود العراقيّة السوريّة هو نذيرُ للصراعات والآلام والمآسي الجديدة”. خرجت في المناطق المحتلة مظاهرة ترفعُ أعلامَ داعش والنصرة.
بعد الاستهداف الروسيّ قصفتِ “الجبهة الوطنيّة للتحرير” مواقع موالية للنظام وروسيا في أرياف اللاذقية وحماة وإدلب وحلب، بالصواريخ والقذائف المدفعية، وقالت إنها استهدفت مقرَّ قيادةٍ روسيّ ببلدة “معصران” بريف إدلب. وأنّها أعدّت العدة عبر 60 معسكراً للتدريب، وستلجأ لتكتيكات مغايرةٍ.
انقشع غبار الغارة الجويّة التي نفذتها طائرة مسيّرة للتحالف الدوليّ على اجتماع لقياديين جهاديين في قرية جكارة غرب سلقين قرب الحدود التركيّة وقُتل فيها 10 أشخاص، وتبين أنّ المستهدفين أمنيون من “هيئة تحرير الشام”، يشرفون على أعمال التهريب إلى تركيا، ومنشقون عنها، ووجهاء غير منضوين لأي فصيل. وبين القتلى المدعو “سامر سعاد” القياديّ والمسؤول الأمنيّ في “تحرير الشام”، وشقيقاه عامر وإبراهيم. و”أبو طلحة الحديدي”، وقد أسس سعاد والحديدي قبل أشهر “كتائب الفتح”، وبالمجمل فإنّ معظم من استهدفتهم غارات التحالف هم من المختلفين مع “تحرير الشام” أو كانوا عناصر سابقة بالقاعدة.
وفيما يتصل بالخلافات الداخلية في “أحرار الشام” فقد تدخلت تركيا لوضع حدٍ للخلاف بين متزعمها السابق “حسن صوفان” الذي تدعمه هيئة تحرير الشام، والحالي “جابر علي باشا”. وأهملت الأتراك الحركة مهلة يومين لتشكيل قيادة مشتركة جديدة.
السجالُ العسكريّ في إدلب يطرح أسئلة كثيرة على كل جبهة، فهل دمشق وموسكو بصدد عملية عسكريّة قادمة، عبر آلية القضم التدريجيّ؟ وهل يمكن لأنقرة استثمار أوراقها في إدلب لتصرف عوائدها في المناطق التي تحتلها في سوريا، أو مناطق خارج سوريا؟ ومن الواضح من خلال استمرار دخول التعزيزات العسكريّة أنها لم تصل إلى الحدّ الذي يضمن لها ذلك، رغم كثافة التعزيزات.
بكل الأحوال ليس من السهل التوصل إلى أحكام قطعيّة فيما يحدث، سواء كانت مقدمةَ اتفاقٍ أكثر رسوخاً، أو تمهيداً لحربٍ قادمةٍ، إلا أن الأكثر ترجيحاً أنّ ما يحدث هو مراكمة لملفات تفاوضٍ، وإن اتسمت بالتصعيد، فمازال تدخلُ أنقرة في سوريا غير مكلفٍ، وتعتمد على المرتزقةِ الموالين لها.
No Result
View All Result