سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ما وراء العدوانِ على الآثارِ في عفرين

رامان آزاد –

تؤكّدُ الوقائعُ والمعطياتُ الميدانيّة أّن ما يجري في عفرين هو الأكثرُ استثنائيّةً طيلةَ مسارِ الأزمةِ السوريّةِ، ورغم أنّها تشاطرُ مناطقَ مجاورةً شمال سوريا بكونها جغرافيا ترحيلِ وتجميعِ تفاصيلِ الأزمةِ السوريّةِ وتقعُ تحت النفوذِ التركيّ، إلا أنَّ عفرين تنفردُ بأسلوبِ وسياسةِ الاحتلالِ اعتباراً من العدوانِ الشامل عليها في 20/1/2018، وحتى إعلان احتلالها في 18/3/2018 وبدءِ استباحتها بمشهدِ يوم الجرادِ، ليطالَ العدوانُ الآثار أيضاً.
 استثنائيّة الحدث العفرينيّ
استثنائيّةُ الحدثِ في عفرين تأتي من حجمِ التعدياتِ على البشرِ والشجرِ والحجرِ والأثرِ. والتاريخُ كما الحاضرُ يُستهدفُ أيضاً، عبر أعمالِ التنقيبِ الجائرةِ ونبشِ الأرضِ بحثاً عن القطعِ الأثريّةِ واللُقى واللوحاتِ والمنحوتاتِ، وتجريفِ الأرضِ وإعفاءِ الأثرِ وتخريبِ طبقاتِ التربةِ، كما يُعتدى على التاريخِ بأعمالِ الترميمِ كالتي تجري في مسجدِ النبي هوري، وإضفاء ملامحَ عثمانيّة عليه، وبذلك فالتعدّي على الآثار يتمُّ زيادةً ونقصاناً.
وتأتي استثنائيّةُ الحدثِ في عفرين بكونها الجغرافيا التي تفقدُ فيها كلّ شعاراتِ المعارضةِ وفصائلها المسلحة، شرعيّتها المكانيّة وصلاحيّتها بالمطلقِ، وهدفُ “إسقاط النظام” المزعوم لا يمرُّ عبرها، والمنطقةُ التي تميّزت بكونها أكثر المناطقِ السوريّة استقراراً وأماناً، دُفع إليها بكلّ عناصرِ الأزمةِ، مقابل تهجيرِ أهلها، وتنفيذِ إجراءاتِ التغيير الديمغرافيّ، وليتمَّ بالتوازي معها تغييرُ معطياتِ التاريخِ، لأنّ سلطات الاحتلال التركيّ تدركُ العلاقة الوثيقة بين الوجودِ الإنسانيّ الراهن والأثرِ التاريخيّ.
لا يمكنُ تقييمُ أهميّةِ توثيقِ الانتهاكاتِ والتعدياتِ على المواقعِ الأثريّةِ في منطقةِ عفرين ما لم ندرك أهميةَ الآثارِ نفسها على مستوى التاريخِ والهويةِ والانتماءِ، فهي ليست مجرد بقايا لتاريخ سابقٍ، بل كنوزُ الماضي التي صمدت أمام عوادي الدهرِ وعواملِ الطبيعةِ وعبرت حقباً تاريخيّة حتى اليوم. وإذا كانتِ الآثارُ تُعرفُ بأنّها شواهدُ التاريخِ، فإنّه من المهم الإشارةِ إلى الاختلافِ بين دراسةِ الآثارِ والتاريخِ، وأنّهما عِلمان يتكاملان، فلا يستغني أحدهما عن الآخر؛ فإذا كان علمُ التاريخِ معنياً بدراسةِ الحدثِ وحكاية الماضي، فإنّ الآثارَ هي الدليلُ على الحكايةِ التاريخيّةِ وتأكيدها.
أهميّة الآثار
الآثارُ هي وثائقٌ حيّةٌ تثبتُ وجودَ أيّ شعبٍ في مرحلةٍ تاريخيّة محددةِ، وإذا كانتِ المتاحفُ تحتفظُ باللُقى والآثار والمجسماتِ على نحوٍ انتقائيّ، فإنّ المواقعَ الأثريّة هي متاحف طبيعيّةٌ مفتوحةٌ، ولا تقلُّ عنها قيمة بل تتجاوزها.
تزوّدنا كتبُ التاريخِ بقصصِ الشعوبِ في أيّ مرحلةٍ، إلا أنّه لا يمكنُ استكمالِ بقيةِ الحكايةِ التاريخيّةِ بدقةٍ دون شواهدَ أثريّةٍ تؤيدها. وأمام مشهد الآثار يستشعرُ المرءُ أنّ شيئاً من أرواحِ الشعوبِ التي مضت، مازال باقياً هائماً في المكانِ نفسه.
تُعدُّ الآثارُ الدّليلَ الماديَّ على وُجودِ الشّعبِ وأحقِّيَّتِهِ بأرضهِ التي يُعيشُ علَيها، كما تعطينا للآثار فكرةً عنِ الحِقبِ التّاريخيّةِ القديمةِ، ونماذج حياةِ الأجيال التي عاشت فيما مضى بالمكانِ، كما لها أهمّيّة في ربطِ الماضي بالحاضرِ والمستقبل، فمعرفةُ الإنسان لماضيه وحاضرِه تُمكّنه من صياغةِ مستقبله وتصورِ مستقبلِ الأجيال من بعدِه. ومن أبرز أوجه الآثار التاريخية هي التراث العمرانيّ، الذي يُشكّلُ حلقةَ الوصل بين الماضي والحاضر، ويُساهم بتطوير الحالة المعرفيّة والاطلاع منجزاتِ الأجدادِ وتاريخهم، ما يُمتّن علاقةَ المواطنِ بموطنه.
من الناحيةِ الاجتماعيّةِ والوطنيّة، تعدُّ الآثار أحدَ أهم مكوّناتِ صياغةِ هُوية المواطنِ، بتعريفه بتاريخ بلده وحضارته وقيَم أجداده وطُرق حياتهم، وينعكسُ الأمرُ إيجاباً بين المواطنين بتعزيزِ انتمائهم لبلدِهم وحضارتهم. ويسهمُ اعتزازُ أبناءِ المجتمعِ بالمعطياتِ التاريخيّةِ نفسها بالتقريبِ وإزالة الفوارقِ بينهم وزيادةِ عواملِ التعاضدِ والتلاحمِ، كما تُعزز القيم الوطنية ومناعةِ الوطنِ، وتُساعدُ المحافظةُ على الآثارِ بصيانةِ الفهمِ التاريخيّ وتزيد مشتركاتٍ اجتماعيّة وتوحّد المعايير القيميّة.
التاريخُ حركةٌ متواصلةٌ من غيرِ انقطاعٍ، ولعلَّ أحوالَ الشعوبَ تطرأ عليها تغيّراتٌ في شكلِ حضورها عبر الزمنِ، فتشكّل دولتها المستقلة مملكة أو إمارة، أو يُستعمرُ أرضها وتخضعُ لسلطةِ حكومةٍ مغايرةٍ، إلا أنّها لا تفنى، وما يحدث مجردُ تغيّر في شكلِ الحضورِ، وليس نفياً للوجودِ نفسه، أو فناءً.
إنَّ وجود أيّ شعبٍ منوط ببعدين هما الزمان والمكان، أي التاريخ والجغرافيا، والمسألة تتعدى الوجودَ الزمانيّ الطارئ بالمكانِ، ومجردِ الإشغالِ المكانيّ العابر، كما هي حالة المهاجرين واللاجئين والقبائل الرحل والجيوش الغازية، بل هو وجودٌ دائم وتملّكٌ للأرضِ والاستقرار فيها وتشييد العمرانَ فيها وممارسة كلّ أنواع النشاطِ والفنون فيها.
قد تنتهي الدولُ والممالك وتتغيرُ أحوالُ الشعوبِ والأممِ إلا أنّ الأثرَ التاريخيّ يبقى الشاهدَ عبر الزمانِ يروي الحكايةَ، وتدميرُ الآثار يستهدفُ تغييبَ الشاهدِ، ليُصارَ إلى فبركةِ تاريخٍ آخر للمنطقةِ. فتضيعُ بذلك القضية الوجوديّة وتبقى في إطار مجردِ السردياتِ والحكاية الشعبيّة دون دليلٍ ماديّ تؤكّدها.
يحيلُ الافتقارُ إلى السندِ التاريخيّ للوجودِ قضيةَ أيّ شعبٍ للاختزالِ والتشويهِ وغياهبِ النسيانِ، والنتيجة هي الانتقاصُ من الحقوقِ، إذ لا يمكنُ من وجهةِ نظرٍ حقوقيّةٍ المقارنةُ بين قضيةِ مهاجرين أو لاجئين طارئين على الجغرافيا، وقضية شعبٍ أصيلٍ متجذرِ تاريخيّاً متواصلٍ في وجودِه على الأرضِ عبر القرونِ، وبذلك يتجاوزُ معاييرَ النسبةِ العدديّةِ ومصطلح الأقليّة.
عفرين متحفٌ طبيعيّ
منطقة عفرين كانت نموذجاً لمتحفٍ طبيعيّ غني بالآثارِ، وتضم أكثر من 130 موقعاً أثريّاً بينها نحو 80 تلة أثريّة، إلا أنّها بالمجملِ لم تلقَ ما تستحق من الاهتمامَ، وبما يتناسب مع قيمةِ الآثارِ الموجودة على أرضها. وفي متحفِ عفرين الطبيعيّ آثارٌ تعودُ إلى حقبٍ تاريخيّة مختلفة، والكثيرُ منها مصنّفٌ على لائحةِ التراثِ الإنسانيّ لمنظمةِ التربية والعلوم (اليونيسكو). ولعلنا نعلم بأسماء المواقع الأثريّة مثل تلة عين دارة وسيروس (النبي هوري) وقلعة سمعان ومدن جبل ليلون المنسية، ولكننا نجهل باقي المواقع والتلال، التي تشهدُ على حقبٍ وحضاراتٍ ودولٍ مختلفة، والتي يضيقُ المقامُ بذكرها، وتحتاجُ مساحاتٍ أوسعَ من البحثِ. والأهم من كلّ ذلك تؤكدُ علاقةَ الإنسانِ العفرينيّ اليوم بالأرضِ التي يعيشُ عليها، وأنّ وجوده ليس طارئاً على الجغرافيا، ضمن أبعادِ اللجوءِ.
في عين داره آثارٌ تعود إلى حقبٍ تاريخيّة متعاقبة تبدأ بالعصر الحجريّ الحديث (النيوليتيّ)، وتقابلُ زمنيّاً نهاية الألف التاسع وبداية الألف الثامن ق.م، حيث أقيمت مستوطنة زراعيّة استخدمت فيها الأدوات الحجريّة الصوانيّة، ومعبد لعبادة الربة عشتار ورب الجبل ويقف على مدخلها أسدان بازلتيان نادران بالحجم والتصميم، ووُجدت فيه رُقم بالهيروغليفيّة الحثيّة التي تعود إلى ما بين الألفين الأولى والثانية ما قبل الميلاد. وخصوصيّة هذا المعبد تأتي من تجسيده أسلوب الهوريّ ــ الميتاني في البناء، فيما استقرار الإنسان بالمنطقة يتجاوز أربعة آلاف عام قبل الميلاد.
ما يمكن قوله في عين داره، ينطبق على كلّ آثار عفرين وتلالها، ذلك لأنّ موقعها على تخوم دول الشرق والغرب، ساهم إلى درجةٍ كبيرةٍ في تناوبِ السيطرة عليها بين الإمبراطوريات وممالك الشرق والغرب، وبالنتيجة تنوع آثارها وفقاً لذلك.
تدشين تاريخ جديد
في عفرين استهدفتِ دولة الاحتلال التركي في أولى أيامِ العدوان عليها، المواقعَ الأثريّة وفي مقدمها تلة عين داره فقصفتها المدفعيّةُ، رغم أنّها أعلنت على لسان مسؤوليها أنّ غاية الهجوم تتصل بأمنها القوميّ، وتكرر القصفُ المدفعيّ لتلك المواقع، وألحقَ بها دماراً كبيراً. وليتبينَ منذ تلك الأيام أنّ أهدافَ أنقرة أبعد بكثيرٍ مما أعلنت عنه، وباختصارٍ أرادت تدميرَ الحاضرِ والماضي دفعةً واحدةً عن سبقِ الإصرارِ، وليس هناك شُبهة وقوعِ خطأ بالمسألةِ، لأنّ القوات التركيّة استخدمت أسلحةَ الدقة العالية في عدوانها، ولم تكن المواقع الأثريّة قريبةً من الأهداف العسكريّة.
يسعى الاحتلال التركيّ عبر الانتهاكاتِ التي يقومُ بها المرتزقة الموالون له إلى استهدافِ كلِّ المواقعِ الأثرية في منطقةِ عفرين، ليتضحِ أكثر أنَّ أنقرة حضّرت خطةً مسبقةً لعملياتِ التنقيبِ عن الآثارِ وجهّزت خرائط توزعِ المواقعِ الأثريّة بالمنطقةِ، بنفسِ الطريقةِ التي حضّرت بها بنك الأهدافِ العسكريّة، لا بل إنّ عملياتِ التنقيبِ عن الآثارِ تتمُّ باستخدامِ أجهزة حديثةٍ للكشفِ عن المعادنِ، لا تتوفر لدى المرتزقة المسلحة. ويتعمد الاحتلالُ في سياقِ البحثِ عن الآثارِ واللُقى القديمةِ بالحفر، أن يُعفيَ آثارَ الموقعِ بالتجريفِ لتغييرِ ملامحه كليّاً. وفي استهتار متعمدٍ للقيمةِ المعنويّة للآثارِ حوّل فصيلٌ للمرتزقة موقع عين دارة الأثريّ إلى حقل للرمي والتدريبِ العسكريّ.
يهدفُ الاحتلالُ التركيّ عبر عمليات تجريفِ الأرضِ والمواقع الأثريّة إلى إمحاءِ الآثار الوجوديّة وإيجادِ حلقةٍ مفقودةٍ، أي إيجادِ انقطاعٍ بالتسلسلِ التاريخيّ، فتفصلَ الحاضرَ عن الماضي، وكأنّها تريدُ تدشين تاريخٍ جديدٍ يبدأ يوم احتلالِ منطقةِ عفرين ورفع العلمِ التركيّ.
وإذا كانت عملية التتريك والتغيير الديمغرافيّ والثقافيّ والاستيطان تستهدفُ حاضرَ المنطقةِ، فالتعدياتُ على الآثارِ استهدفت ماضي المنطقةِ وهويتها التاريخيّة.
انتهاكٌ للقانونِ الدوليّ
تضمنت قواعد القانون الدوليّ الإنسانيّ تحديداً للممتلكات الثقافيّة المشمولة بالحماية أثناء النزاعات المسلحة، وتُعدُّ اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافيّة خلال الحروب والصراعاتِ المسلّحة والتي تمَّ إقرارها في 14 أيار 1954، أول اتفاقٍ دوليّ تضمن تعريفاً عاماً ومفصّلاً بالممتلكات الثقافيّة، على أنّها الممتلكاتُ المنقولةُ أو الثابتةُ ذاتِ الأهميّة الكبرى لتراثِ الشعوبِ الثقافيّ كالمباني المعماريّة أو الفنيّة منها أو التاريخيّة، الدينيّ منها أو الدنيويّ، والأماكن الأثريّة، ومجموعات المباني التي تكتسب بتجمعها قيمة تاريخيّة أو فنيّة، والتحف الفنيّة والمخطوطات والكتب والأشياء الأخرى ذات القيمة الفنيّة التاريخيّة والأثريّة، وكذلك المجموعات العلميّة ومجموعات الكتب الهامة والمحفوظات ومنسوخات الممتلكات…إلخ.
وقد جرت محاولات دوليّة كثيرة سابقة ولاحقة لتعديلِ الاتفاقية، وأُدخلت عليها تعديلات عام 1991. ورغم النقد الذي طال التعريفَ الوارد بالاتفاقِ، لجهة عدم تبنيه معايير محددة لقياس الأهميّة الثقافيّة، ورغم عدم شمول التعريف العناصر الحديثة للممتلكات الثقافيّة، وتلك التي تخصُّ الأقلياتِ العرقيّة. إلا أنّها أقرّت على نحو الإجمال على أنّ الممتلكات الثقافية برسمِ الإنسانيّة جميعاً، وأنّها ميراثٌ لا يختصُ بشعبٍ معينٍ.
وقد تداعتِ الدول الموقعةُ على الاتفاق إقراراً منها بالأضرارِ الجسيمةِ التي مُنيت بها الممتلكاتُ الثقافيّةُ خلال النزاعاتِ المسلّحةِ التي سبقت إقرارَ الاتفاقِ وبخاصة الحرب العالمية الثانية إلى تبني اتفاق دوليّ بشأنها، إذ رأتِ الدولُ الموقعةُ أنّ الأخطار التي تتعرضُ لها الممتلكات الثقافية في ازدياد مطردٍ نتيجةَ تقدمِ تقنيةِ الحرب؛ كما أقرّت أنّ الأضرارَ التي تلحقُ بممتلكات ثقافية يملكها أيّ شعبٍ كان، تمسُّ التراثَ الثقافَي الذي تملكه الإنسانيّة جمعاء، فكلُّ شعبٍ يساهم بنصيبه في الثقافة العالميّة؛ وأن في المحافظة على التراث الثقافيّ فائدة عظمى لجميع شعوب العالم وينبغي تأمين حماية دوليّة لهذا التراث.
وتضمّن الاتفاق تعهّدَ الدول بحمايةِ الممتلكاتِ الثقافيّةِ ووقايتها واحترامها، سواء في أراضيها أو أراضي الدول المتعاقدة الأخرى، وتمتنع عن استعمال هذه الممتلكات أو الوسائل المخصصة لحمايتها أو الأماكن المجاورة لها مباشرة لأغراض قد تعرضّها للتدمير أو التلف في حالةِ نزاعٍ مسلّحٍ، وبامتناعها عن أيّ عمل عدائيّ إزاءها.
ونصَّ الاتفاق على تحريم أعمال السرقة والنهب وتبديد للممتلكات الثقافيّة ووقايتها من هذه الأعمال ووقفها عند اللزوم مهما كانت أساليبها، وكذلك تحريم أيّ عملٍ تخريبيّ موجّهٍ ضد هذه الممتلكات. كما تعهدت بعدمِ الاستيلاءِ على ممتلكاتٍ ثقافيّةٍ منقولة كائنة في أراضي أيّ طرف سام متعاقد آخر، والامتناعِ عن أيّةِ تدابير انتقاميّةٍ تمسُّ الممتلكاتِ الثقافيّةِ.
يلزِم الاتفاقُ الأطراف السامية المتعاقدة التي تحتل كلاً أو جزءاً من أراضي دولٍ أخرى دعم جهود السلطات الوطنيّة المختصة في المناطق الواقعة تحت الاحتلال بقدر استطاعتها لوقاية ممتلكاتها الثقافيّة والمحافظة عليها. لا بل إنّ الاتفاق يلزم الدولة المحتلة باتخاذ تدابير وقائيّة للمحافظة على الممتلكات الثقافيّة الموجودة على الأراضي التي تحتلها.
تشكلت اللجنة الدوليّة للدرع الأزرق (ІСВЅ) لحماية التراث الثقافيّ العالميّ من التهديدات كالنزاعاتِ المسلّحةِ والكوارث الطبيعيّة عام 1996. وأسفرت التعديلات اللاحقة عن اعتمادِ بروتوكولٍ ثانٍ لاتفاقيةِ لاهاي في 26/3/1999، وصدرتِ المبادئ التوجيهيّة لاجتماع باريس 23/10/2007. واُعتبر التدمير المتعمد في النزاعات المسلحة الدوليّة انتهاكاً خطيراً يصل حدَّ تصنيفها “جريمة حرب”.
استخدم نظام روما الأساسيّ للمحكمة الجنائيّة الدولية المعتمد بتاريخ 17/7/1998، في مادته الثامنة عبارتي “الآثار التاريخيّة” و”المباني المخصصة للأغراض الدينيّة أو التعليميّة أو الفنيّة أو العلميّة أو الخيريّة” للتعبير عن الممتلكات الثقافيّة المشمولة بالحمايةِ في فتراتِ النزاعِ المسلّحِ.
حددت المادة 53 من البروتوكول الأول لاتفاقية جنيف لعام 1977 والمادة 16 من البروتوكول الثاني الممتلكات الثقافية بالآثار التاريخيّة والأعمال الفنيّة وأماكن العبادة التي تشكّل التراث الثقافيّ أو الروحيّ للشعوب. وكما في اتفاقية لاهاي اُستخدمت كلمة “الشعوب” وليس “الدول” لأنّ التراث الإنسانيّ لحدودِ الدول. وحددت المنظمة الدوليّة للتربية والعلوم (اليونيسكو) في ميثاقها التأسيسيّ، بالدورة الأولى للمؤتمر العام بلندن في 16/11/1945، أهميّة حماية الممتلكات الثقافيّة كتراثٍ مشتركٍ للإنسانيّة، واعتمدت في عام 1970 اتفاقَ لاهاي 1954.
 ويستمرُّ العدوانُ
لم تلتزم سلطاتُ الاحتلال التركيّ بأيّ تعهدٍ تجاه الاتفاقات الدوليّة فيما يتعلق بالآثار، وتجنبِ استهدافها بالحربِ، بل جعلتها ميداناً للحربِ، وذكرت تقارير صحفيّة وإخباريّة أنّ مناطقَ الحدودِ تحولت لسوقٍ نشطة لمافيات تهريبِ الآثار من عفرين ومن مناطق سوريّةٍ أخرى.
فيما يلوذ العالم بالصمت إزاء الانتهاكات بحقِّ الآثار والتراث الإنسانيّ في منطقة عفرين، فإنّ أعمالَ سرقة التراث تستمر، ولا تُعرفُ تفاصيل التنقيبات التي تجري بين الحقول والأراضي الزراعيّة، إلا أن يجد الأهالي أثر الحفر وإهالة الترابِ، ليمرّ خبرُ سرقةِ نصب الأسد البازلتي من معبد عين دارة الأثريّ مثلاً دون اهتمامٍ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.