سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

“قواعد انتشار العدوى”… كتاب مثير في إدارة الأوبئة

إعداد/ حسام إسماعيل –
لطالما مثّل انتشار عدوى الأوبئة الفيروسية معضلة كبرى للمجتمعات البشرية عبر التاريخ، وهي بأنواعها وأجيالها قضت على مجاميع بشرية هائلة في الحقب المختلفة، متفوقة وحدها على الحروب والاستعمار في أعداد الضحايا، وحتى وقت قريب، لم يمتلك الأفراد والمجتمعات في مواجهتها سوى القليل من التعاويذ والأدعية والخزعبلات، والتفرق في الأرض انتظاراً لانحسار الموت بعد أن أثخن الأحياء.
الأستاذ في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي آدم كوتشارسكي يقدّم في كتابه المشوق (قواعد انتشار العدوى) مقدّمة ممتازة قريبة للقارئ غير المتخصص لفهم أساسيات علم الإحصاء البيولوجي، وهو أحد العلوم بالغة الأهميّة في الغرب، وتعتمد على ما تنتجه من نماذج في صياغة النظريّات، وتبني السياسات في مجالات كثيرة في مسألة إدارة الأوبئة.
قواعد انتشار الأوبئة
ووفق قاعدة الأستاذ كوتشارسكي؛ فإن الأوبئة تستمر في الظهور ليتبع كل منها السلوك ذاته مع مرور الوقت عبر مراحل ثلاث: الانطلاق، والذروة، والتلاشي بحسب العلاقة المترابطة بين نسب المصابين، والمرشحين للإصابة والمتعافين، وهكذا في مرحلة انطلاق فيروس الوباء بين تجمع بشري يكون تعداد المجموعة المرشحة لالتقاط العدوى كبيراً، لكنه يتراجع مع مرور الوقت وازدياد أعداد المصابين والمتعافين، الذين من المفترض نظريّاً أنهم أصبحوا يتمتعون بالمناعة الكافية لمقاومة العدوى، إلى كتلة حرجة يتراجع بعدها احتمال إصابة بقيّة المرشحين، فيبدأ الوباء عندئذ في التلاشي والاختفاء.
وبحسب كوتشارسكي، فإن تحوّل فيروس إلى وباء يعتمد على حجم مجموعة المرشّحين للإصابة بالفيروس المعيّن، ووجود عدد كافٍ من حامليه، وكميّة التعاطي الاجتماعي بين المجموعتين، ويتحدد وصول حاملي العدوى إلى العدد الكافي لإطلاق الوباء على عدد الأشخاص الذين يمكن أن ينقل إليهم الفيروس من قبل شخص واحد، وكلما زاد ذلك الرّقم عن واحد تسارع انتشار المرض (معدل ثلاثة أشخاص تقريباً في «كوفيد – 19» عدّونا الخفي الحالي)، وهو رقم مرتفع نسبياً؛ مما يبرر ضرورة تنفيذ سياسة عزل (ذاتي أو إجباري)، لضمان تقليل فرص تناقل الفيروس أقلّه لمنح الأجهزة الطبية الوقت الكافي لبناء الطاقة الاستيعابيّة للتعامل مع المصابين  وهو يفسّر إلى حدّ كبير نجاح السلطات الصينيّة في احتواء فيروس كورونا بعد تنفيذها إجراءات صارمة للعزل المنزلي قلّلت فرص تلاقي الأشخاص على نحو دراماتيكيّ، ولا سيّما المدارس والمستشفيات التي هي مواضع نشر مكثّف لأي عدوى فيروسيّة.
هلع الأسواق المالية مشابه لسلوك انتشار الوباء
يقول كوتشارسكي بأنّه لاحظ أثناء فترة تدريبيّة قضاها (حيث كان يعمل في بنك استثماري بلندن) والتي تصادفت مع الأزمة الماليّة العالميّة في 2008، أن سلوك الهلع الذي يصيب الأسواق الماليّة ينتشر على نحو مطابق لنموذج انتشار الأوبئة، وهو يرى أن بنية شبكات المُستثمرين المتمحورة حول مراكز عصبيّة في بضع بنوك كبرى سهّل من انتشار سلوك الذّعر بينهم كما لو كانت مدارس عامة كبرى في حالة الوباء الفيروسيّ، وهكذا عندما تضعضع موقف بنك (ليمان بروذرز)، تسارع سقوط السوق من بعده، إذ إن البنك كان عقدة استثماريةً تمر خلالها أعمال أكثر من مليون جهة استثماريّة حول العالم.
انتشار الإشاعات والأخبار بالتزامن من انتشار الوباء
ويسحب كوتشارسكي هذه المقاربة ليجعل من أي تعاط اجتماعي بين البشر سواء على أرض الواقع أو في المجال السيبيري خاضعاً للقواعد ذاتها، وهو يقول بأن انتشار المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً بعشوائيّة دون ممارسة نوع من الرقابة على المحتوى يفتح الباب لانتشار وبائي الطابع للأخبار الكاذبة والأفكار الضّارة، وإن كان لا يقدّم الكثير لتحديد المعايير التي يمكن استخدامها لتحديد الأفكار الضارة من غير الضارة، أو الإشاعات من الحقائق، الأمر الذي يكشف عن خطورة هيمنة شركات محددة على إدارة تطبيقات التواصل الاجتماعي عالمياً، وقدرتها على فرض خياراتها على طبيعة ما يصل فعلاً للجمهور في جغرافيا معينة، وما يشكل معارفهم، وأفكارهم بشكلٍ مُتزايد.
في عالم ما بعد (كورونا)، حيث الأوبئة والأخبار الكاذبة والأيديولوجيات وأدوات العزل الفكري ما عادت مسائل محليّة، ولا حتى مقتصرة على الخبراء المتخصصين.
يقدّم كوتشارسكي للقارئ العادي صيغة غاية في المُتعة لفهم أساسيات انتشار العدوى في إطار مزيج مشوّق من البيولوجيا والتاريخ والعلوم السلوكيّة والنماذج العدديّة والرياضيّات والخبرات الشخصيّة، ولعلّ صدور كتابه عشيّة بدء الانتشار الوبائي لفيروس كورونا منعه من التسرّع في تقديم استنتاجات مبكّرة حوله كما يحدث عادة عند سعي بعض المؤلفين والناشرين إلى كسب موجة انفجار الاهتمام بالأحداث الجديدة، لكنّ «قواعد انتشار العدوى» مع ذلك دليل محكم مستند إلى خلاصات علميّة دقيقة لتفكيك الحدث الكوروني، واستيعاب الخطوط العريضة للأشياء التي قلبت عالمنا كلّه في وقت موجز حتى نكاد لا نعرفه

التعليقات مغلقة.