سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

قصف العقول

دجوار أحمد آغا –

منذ القديم ويتم الدعاية لأي عمل أو شيء يتم القيام به قبل وقوع الحدث نفسه وأثناءه أيضاً حيث يتم اتخاذ الاستعدادات له وإجراء الترتيبات اللازمة، منها:
ـ كسب مظهر الصدق لكي يتم كسب ثقة الجمهور المتلقي والمراد إقناعه.
ـ البساطة والتكرار وذلك للوصول بسرعة إلى أذهان ومشاعر الناس، والنفاذ إلى ذاكرتهم التي لن تستوعب إلا الأشياء التي وصلتهم بسهولة.
ـ استخدام الكثير من الرموز والأمثلة وذلك كون الذاكرة تستعين بهذه الرموز والأمثلة في استرجاع ما تختزنه .
إذن والحال هذه فإن الدعاية عبارة عن ممارسة ضغوط منظمة تستهدف العقل وهي تعتبر وسيلة لتحقيق غاية ما, أي أنها عملياً تعتبر عملية إقناع متعمدة للسير في اتجاه ما .
قذائف الكلمات التي يتم اختيارها بدقة وعناية فائقتين لكي تستهدف جماهير وشعب الطرف الآخر من المعادلة وذلك من خلال إحداث عدم الثقة لديه بقدرة جيشه على الانتصار في الحرب وكذلك التشكيك بقيادته على إدارة الحرب والانتصار فيها, وبالتالي إحداث شرخ بين الشعب والدولة؛ تلعب أكبر الأثر في بث وزرع روح الانهزام وانعدام المسؤولية والثقة بالنفس والقيادة على حد سواء لدى الطرف الآخر في الحرب. هذه القذائف التي تستهدف العقل وتجعل منه شظايا متبعثرة  ومتناثرة لا يستطيع أن يستوعب ما يجري حوله, لا بل أكثر من ذلك وفي الكثير من الأحيان يعمل هذا العقل في الاتجاه المعادي له من خلال انصياعه دون إرادته للمعلومات والأخبار التي توجه إليه وتصنع تراكمات فوق بعضها البعض, وكلما ازداد هذا القصف كلما زادت سماكة هذه التراكمات بحيث لا يعود يستطيع العقل أن يفكر ويعمل بالشكل الصحيح .
من هذا المنطلق نرى الفرق بين المفاهيم التي نحن ننطلق منها بالفكر الإنساني الذي نسعى من خلاله إلى بناء مجتمع أخلاقي سياسي ديمقراطي حر وبين المفاهيم التي يتم بها قصف عقول مجتمعاتنا. (مفهوم الحرب: نحن ننظر إليها من منطلق الدفاع المشروع والذي يعني حماية المجتمع ومكتسباته والدفاع عن المناطق المحررة، ولا يوجد شيء فيها يدل على الهجوم إنما هي قوات دفاع وحماية. بينما مفهوم الحرب الذي يروجون لها ويعملون على ترسيخها في عقولنا إنما تعني دماراً وقتلاً وتشريداً وهدماً واعتداءً على الغير وهو ما ترفضه أخلاقنا وقيمنا الإنسانية) نموذجاً.
بالتأكيد فإن الدعاية تعتبر عاملاً مهماً في صنع الوعي المحرك للفعل الإنساني سواء في زمن السلم أو الحرب, خاصة إذا اتبعت أساليب مبتكرة ومؤثرة, وهو ما نلاحظه بعد عصر انتشار وسائل التواصل الإعلامية من صحف ومطبوعات وإنترنت وغيرها حيث أصبحت الدعاية ركناً أساسياً من أركان تشكيل الوعي السياسي العام في المجتمع. لكن علينا أن نعلم بأنه مهما كانت الدعاية قوية ونشطة, فإنها لا تنجح إلا إذا سارت في الاتجاه الصحيح .
في أنظمة الحكم الشمولية يقوم الحكام بعملية غسيل لأدمغة شعوبهم عن طريق الدعاية المتكررة وثابتة الاتجاه للإيمان بالزعيم الفرد وتقديسه ومتابعة أقواله وكأنها منزلة من السماء (دعاية هتلر – موسوليني – ستالين) نموذجاً.
تبرز الإشكالية الرئيسية بين أجهزة الإعلام “الوطنية”، من صحف وإذاعة وتلفزيون ودوريات ثقافية والتي تتولى عملياً الدعاية لأهداف ومصالح الدولة العليا وخاصة فترة الإعداد للحرب وأثناءها، وبين “أجهزة الرقابة ” المسؤولة عن حماية أسرار الدولة, حيث في الدول ذات التوجه الديمقراطي يعملون على حل هذه الإشكالية التي تحدث عندما تتعارض مبادئ حرية “الرأي والتعبير” و”مفهوم الرقابة الوطنية ” من خلال التزام الإعلام “الوطني” بالحذر والحرص الشديدين على مصالح الدولة العليا وقواتها المسلحة بحيث لا يتم نشر أية معلومات عسكرية تضر بها.
الدعاية من أجل السلام وإعادة إحياء القيم والمبادئ الإنسانية والعودة إلى أخلاقيات المجتمع في مواجهة سلطة القانون الجامدة هي من أولويات مواجهة الشعوب مع الأنظمة والسلطات الحاكمة المحتكرة والمهيمنة على مقدرات المجتمع في زمننا الراهن .
يقول الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو 1913 – 1960   :
“على اتساع خمس قارات خلال السنوات المقبلة سوف ينشب صراع لا نهاية له بين العنف والإقناع الودي… ومن هنا سيكون السبيل المُشَرِّف الوحيد هو رهن كل شيء في مقامرة حاسمة مفادها أن الكلمات أقوى من الطلقات”.