رغم أنّ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب بنى حملته الانتخابيّة على وعودٍ بإنهاء الحروب وإرساء السلام، إلا أنّه حضر قمة الناتو في أنقرة في 7/1/2026 وفي جعبته ثلاث قضايا ساخنة، لا تعكسُ أدنى انحيازٍ للسلام، بل اتخذ موقفاً تصعيديّاً أثار قلق حلفائه، والقضايا هي الحربُ على إيران ودعم كييف العسكريّ وتجديد الرغبة بالسيطرة على جزيرة غرينلاند. وهو ما يؤكد مجدداً المواقف المتقلبة والمفاجئة الشركاء الأوروبيين وتدفعهم إلى التشكيك بمدى التزام واشنطن بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو التي تنص على مبدأ الدفاع الجماعيّ.
اضطرام النار مجدداً في الخليج
قالتِ القيادة المركزيّة الأمريكيّة “CENTCOM”، في وقتٍ مبكرٍ الخميس 9/7/2026، إنّ قواتها بدأت بتوجيهٍ من الرئيس ترامب، تنفيذ ضربات إضافيّة ضد إيران، بهدف إضعاف قدرتها على تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز، فيما هدّد الحرس الثوريّ الإيرانيّ بالردّ. وأضافت في منشور عبر منصة “إكس”، أنّ الولايات المتحدة تحاسب إيران على ما وصفته بـ”العدوان غير المبرر” ضد سفن تجاريّة وأطقم مدنيّة كانت تبحر بحريّةٍ في الممر المائيّ الدوليّ الحيويّ.
وأفادت وسائل إعلام إيرانيّة بسماع دوي انفجارات في مدينتي بندر عباس وسيريك بجنوب إيران وقرب سواحل البلاد على خليج عُمان. وذكرت وكالة مهر أنه جرى تفعيل الدفاعات الجوية في بندر عباس. ونقل التلفزيون الإيرانيّ عن مصدر مطلع في وقت سابق بأن إيران ستغلق المضيق بشكل كامل في حال تعرضها لأي هجمات، فيما هدّد الحرس الثوري الإيرانيّ بالرد على الضربات الأمريكيّة. وخلال مشاركته في قمة الناتو في أنقرة الأربعاء 8/7/2026، أعلن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم مع طهران “انتهت” على ما يبدو، مؤكدا عدم رغبته في الدخول في أي تعاملات مستقبلية مع إيران، التي وصف مسؤوليها بأنهم “مرضى”. وصرح للصحفيين أنّ الإيرانيّين “يقفون وراء المشكلاتِ في المنطقة”، مضيفا أن الولايات المتحدة “أهدرت الكثير من الوقت” في التعامل مع طهران. وأكد الرئيس الأمريكيّ مجددا أن بلاده لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نوويّ.
وأفاد ترامب إنّه غير راضٍ عن موقفِ حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن كل من إيران وغرينلاند، معتبراً أنّ الولايات المتحدة لا تحظى بمعاملة منصفة داخل الحلف. ولاحقاً، نشر الرئيس الأمريكيّ عبر منصة تروث صورة تظهر الدمار الذي خلفته الضربات الأمريكيّة على إيران، معلقاً: “الضربات الأمريكيّة جاءت رداً على قصف إيران سفناً، الثلاثاء”. وأضاف: “إذا تكرر ذلك، فسيصبح الأمر أسوأ بكثير”. وكان الرئيس الأمريكيّ قد أعلن أنّ بلاده ستشن “على الأرجح” موجة جديدة من الضربات ضد إيران خلال ليل الأربعاء، وذلك بعد ساعات فقط من إعلانه انتهاء وقف إطلاق النار بين الجانبين. وقال في معرض ردّه على سؤالٍ بشأن احتمال استئناف الأعمال العسكريّة ضد إيران: “وجّهنا لهم ضرباتٍ قويةً للغاية الليلة الماضية (ليل الثلاثاء)، وقد نوجّه لهم ضربات قوية مرة أخرى الليلة (ليل الأربعاء)”. كما كرر تهديداته بالسيطرة على جزيرة خرج النفطيّة في إيران، وإعادة فرض الحصار البحري على موانئ البلاد. وقال ترامب: “إذا لزم الأمر سندمر محطات الكهرباء والمياه، لكنني لا أرغب في ذلك”.
تحولٌ إلى دعم كييف
شهد موقف الرئيس الأمريكيّ ترامب من الحرب الأوكرانيّة تحولاتٍ تدريجيّة، بعدما انتقد في مناسبات عديدة موقف سلفه جو بايدن الداعم لكييف، وهدد مراراً بوقف المساعدات وقام بالفعل بتجميد تمويل الأسلحة للضغط من أجل التوصل إلى تسوية، واليوم يعلن من أنقرة أن الضربات الأوكرانيّة في العمق الروسيّ قد تساعد في إنهاء الحرب.
خلال عام 2025 اعتمد ترامب سياسة حذرة تميل إلى حجب الدعم العسكريّ عن أوكرانيا، وانتقد القيادة الأوكرانية وأنّها غير جادة في مسار السلام، وأوقف فعليّاً تمويل الأسلحة وقدّم خطة تسوية تنطوي على تنازلات إقليميّة.
وتمثل اتفاقية المعادن النادرة المبرمة في 30/4/2025 بعد أشهر من المفاوضات الصعبة والتوترات الدبلوماسيّة بين الرئيسين ترامب وزيلنسكي، نقطةَ تحولٍ هامة للعلاقات، فهي من حيث المبدأ اتفاقُ مقايضة اقتصاديّة واستراتيجيّة وضعت ثروات أوكرانيا على طاولة مفاوضات السلام مقابل وقف الحرب والهجمات الروسيّة، وكانت كييف تتطلع إلى استمرار الدعم العسكريّ الأمريكيّ وتغطية تكاليف المساعدات السابقة، مع كسر الهيمنة الصينيّة على الأسواق الحيويّة.
قال الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، الأربعاء، إن الضربات الأخيرة التي نفذتها أوكرانيا داخل الأراضي الروسيّة تمثل تصعيدًا في الحرب، لكنها قد تسهم أيضًا في تهيئة الظروف لإنهائها. وأضاف ترامب، خلال حديثه إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الناتو: “إنه تصعيد، لكنه أيضًا تصعيد يمكن أن يساعد في التوصل إلى نهاية لهذه الحرب”. وذكر ترامب إنه سيبحث مع زيلينسكي خططا لمنح أوكرانيا القدرة على تصنيع منظومات الدفاع الجوي “باتريوت” محلياً. وأوضح: “أعتقد أنّ أحد الأمور التي سنتحدث عنها هو أنّ لدينا نفوذاً كبيراً على الشركات التي تصنع منظومة باتريوت، وكل هذه المعداتِ المتطورة، بما في ذلك صواريخ توماهوك”. وأضاف: “سنمنحكم ترخيصاً لتصنيعها، وهذا أمرٌ رائع. وبهذه الطريقة، لن تتمكنوا من القول إنّنا لا نزودكم بها”.
وفي وقتٍ لاحق، وعندما سأله أحد الصحفيين عن أن أوكرانيا تحتاج إلى منظومات الدفاع الجوي في أسرع وقت، وأن تصنيعها محليا قد يستغرق وقتا، أجاب ترامب: “أعتقد أنهم يستطيعون تصنيعها بسرعة كبيرة”. وقال ترامب في السياق نفسه، إنه سيتحدث إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم. وقال ترامب أيضا إن بوتين وزيلينسكي لديهما طباع صعبة، مؤكدا أن الجانبين يرغبان في التوصل إلى تسوية.
غرينلاند أكثر من قضية جزيرة
حضور ملف جزيرة غرينلاند أربك شركاء الناتو، فواشنطن تهدد شريكاً أطلسيّاً بانتزاع بقعة جغرافيّة. والجدل حول غرينلاند معقّدٌ بين الطموحات الجيوسياسيّة والاقتصاديّة ومبادئ السيادة وحق الشعوب بتقرير مصيرها، والذي يضمنه القانون الدوليّ.
وتقع الجزيرة في القطب الشماليّ وتطل على ممرٍ حيويّ يربط المحيط المتجمد الشماليّ بالمحيط الأطلسيّ. وتحتوي الجزيرة على احتياطات هائلة من المعادن النادرة الضروريّة لصناعة الإلكترونيات والمركبات العسكريّة والكهربائيّة والتي تسعى واشنطن لتأمينها بعيداً عن هيمنة الصين وروسيا. ويفتح ذوبان الجليد القطبيّ طرق ملاحة جديدة قد تلعب دوراً بالأمن والاستراتيجيّة الدوليّة. وغرينلاند إقليمٌ يتمتع بالحكم الذاتيّ تحت التاج الدنماركيّ عاصمته مدينة “نوك”، وهو يدير شؤونه الداخليّة، فيما تتولى حكومة كوبنهاغن المسائل الخارجيّة والدفاعيّة. وبموجب اتفاقية عام 2009 تتمتع غرينلاند بحق إعلان استقلالها.
وتصطدم مساعي واشنطن للسيطرة على الجزيرة بالوضع القانونيّ للجزيرة وتعارضه مع قواعد القانون الدوليّ، وهذا ما يمنع واشنطن من التدخل المباشر والسيطرة على الجزيرة. من جهة ثانية؛ فإنّ ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدوليّ يضمنان حق الشعوب بتقرير مصيرها وقد أكد رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن أن مستقبل الجزيرة يقررها أهلها وحدهم، وليست للبيع. وبالتالي؛ فإنّ أيّ تغيير في وضع الجزيرة يتطلب مساراً قانونيّاً معقداً ابتداءً من موافقة الحكومة المحليّة والبرلمان في نوك مروراً بالحكومة الدنماركيّة.
كرر ترامب الثلاثاء 7/7/2026 في أنقرة تشديده على أنّ غرينلاند ينبغي أن تكون “تحت سيطرة الولايات المتحدة”، ولم يقرن تصريحه بالتهديد، كما فعل في 4/1/2026 خلال مقابلة مع مجلة “ذي أتلانتيك”، وشدد حينها على أهمية الجزيرة للأمن القوميّ الأمريكيّ. وجاء تصريحه بعد يوم من اعتقال قوات أمريكيّة الرئيس الفنزويليّ نيكولاس مادورو، وإعلان ترمب أنّ واشنطن ستتولى إدارة فنزويلا. وأثار ذلك مخاوف في الدنمارك من احتمال تكرار الأمر ذاته مع جرينلاند.
وجاء الرد الدنماركيّ بمطالبة ترامب بالكفّ عن التهديد بضمّ الجزيرة، وقالت رئيسة وزراء الدنمارك مته فريدريكسن في بيان “لا معنى على الإطلاق للحديث عن حاجة أمريكا للاستيلاء على جرينلاند. ليس للولايات المتحدة أي حقّ في ضمِّ أيّ من المناطق الثلاث في المملكة الدنماركيّة”. وقالت فريدريكسن: “إذا اختارت الولايات المتحدة شن هجوم عسكريّ على دولة أخرى عضو في الناتو، فسينتهي كل شيء، بما في ذلك الحلف”.
وجددت رئيسة الحكومة الدنماركيّة ميته فريدريكسن الردّ بأنّ “غرينلاند ليست للبيع”، على هامش قمة الناتو الأربعاء وقالت: “استمعت للرئيس الأمريكيّ أمس (الثلاثاء)، وأعتقد أنّ موقف الولايات المتحدة واضحٌ جداً بشأن هذه القضية للأسف، وموقفنا كان واضحاً أيضاً منذ البداية: غرينلاند ليست للبيع”. وأضافت: “نأمل أن يحترمَ الجميع، بمن فيهم جميع الحلفاء، حق سكان غرينلاند في تقرير مصيرهم. نحن دولة ذات سيادة ونطالب باحترام سلامة أراضينا وسيادتنا”.
في 21/8/2019 كشفت صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير، العرض الماليّ الذي قدمه الرئيس ترامب مقابل صفقة شراء لجزيرة بأن تتعهد واشنطن بتقديم معونات مالية سنوية بقيمة 600 مليون دولار، إلى غرينلاند وإلى الأبد. وردّت الحكومة الدنماركيّة بأنّ الجزيرة ليست للبيع. جاء هذا التقرير متزامناً مع إلغاء زيارة ترامب إلى الدانمارك.
وفي 30/3/2025 وخلال مقابلة مع قناة “NBC” لوّح الرئيس الأمريكيّ لأول مرة باستخدام القوة للسيطرة على جزيرة غرينلاند، وقال: “أعتقد أنه من الممكن أن نتمكن من القيام بذلك دون استخدام القوة العسكريّة. هذا هو سلام العالم، هذا هو الأمن الدولي”. وأضاف: “لا أستبعد أي شيء من الطاولة”. وتراجع الرئيس الأمريكيّ عن المطالبة بغرينلاند، بعد أسابيع من التصعيد ومن التهديد حتى بالسيطرة بالقوة على الجزيرة الدنماركيّة. وهدد في 4/5/2025 بالسيطرة عليها عسكريّاً.
وادعى ترامب في مناسبات عدة أن بلاده “تحتاج إلى غرينلاند لأغراض الأمن القوميّ” وأنّها “ضرورية لبناء القبة الذهبيّة”. و”القبة الذهبيّة” نظام دفاعيّ أعلن عنه ترامب في 21/5/2025 ويشمل 4 طبقات، بكلفة تبلغ 175 مليار دولار. وفي 7/1/2026 أعلن البيت الأبيض أنّ ترامب ومستشاريه يناقشون خيارات الحصول على غرينلاند، مضيفا أنّ الاعتماد على الجيش لتحقيق هذا الهدف “خيار مطروح دائماً”. وجدد الحديث عن الضرورة الأمنيّة.
وفي 21/1/2026 قال الرئيس الأمريكيّ ترامب في منتدى دافوس الاقتصاديّ إنّه لا يعتقد أن الخيار العسكريّ سيكون ضرورياً لضمِّ غرينلاند، معرباً عن ثقته بأنّ الدنمارك ستتخذ “القرار الأفضل” بهذا الشأن. وبعد هذا التصعيد بساعات أعلن ترامب التوصل لاتفاقٍ إطاريّ حول الجزيرة مع حلف الناتو، ليعيدَ خلط الأَوراق بين واشنطن وعواصم أَوروبا ويفتح نقاشاً واسعاً حول السيادة والأَمن وثروات القطب الشماليّ.
مزيدٌ من الرسائل
لم يفوّت الرئيس الأمريكيّ فرصة منصة الناتو لتوجيه رسائل الانتقاد، والتذكير بحجم الإنفاق الأمريكيّ في الحلف، وقال الرئيس الأمريكيّ ترامب إنّه أمر وزير الخزانة سكوت بيسنت بقطع جميع العلاقات التجاريّة مع إسبانيا، واصفاً مدريد بأنّها “شريك سيء” في حلف شمال الأطلسيّ. وعبر ترامب عن عدم رضاه عن موقف الحلف بشأن جرينلاند وإيران. وكان ترامب يتحدث وإلى جانبه الأمين العام للحلف مارك روته قبيل انعقاد قمة للحلف في أنقرة.
وأضاف أن واشنطن أنفقت أكثر من تريليون دولار على حماية حلف الناتو، لكنه قال إنّ الحلف لم يقدم الدعم للولايات المتحدة في مواجهة ما وصفها بـ”أول دولة راعية للإرهاب”. كما اعتبر أنّ الولايات المتحدة تسهم في تمويل الحلف بشكل غير متناسب مقارنة ببقية الأعضاء، مشيراً إلى أنّ غرينلاند تمثل “قضية كبيرة” بالنسبة لواشنطن.
قراءة كواليس قمة حلف الناتو المنعقدة في أنقرة بغاية الأهمية فهي تحمّلُ جغرافيا المكانِ وتوقيتَ التصريحات رسائل جيوسياسيّة بالغة الأهمية والحساسيّة، وانعقاد قمة الناتو في أنقرة يعني وضع حلف الناتو على فالقٍ جيوسياسيّ شديد الاضطراب والحساسيّة، فيما استغل الرئيس ترامب هذه الحساسيّة، وهو يدرك أنّ مجرد عقد القمة في أنقرة يعني رسالة متعددة المضامين موجهة إلى الحليفين الروسيّ والإيرانيّ، ومن هذا القرب الإقليميّ أعلن مواصلة استهداف إيران، ودعم كييف عسكريّاً.
فيما تعمد استحضار قضية جزيرة غرينلاند ليحرج حلفاءه الأوروبيين في الناتو، وأضاف إلى ذلك توجيه الانتقاد إلى إسبانيا وشكر بعض الحكومات، فيما قصد عبر إعرابه عن الرضا عن المتغيرات في سوريا توجيه رسالة ضمنيّة إلى تركيا، وبالوقت نفسه إلى الحليف في تل أبيب، وكأنّه أرد إجراء مقارنات مباشرة بين ما ترضى عنهم واشنطن ومن تمتعض منهم.
أراد الرئيس الأمريكيّ الإيحاء بتحقيقِ انتصاراتٍ في القضايا التي طرحها من خلال نبرة الكلام وتأكيد أحاديّة القطبيّة، وليستحضر حادثَ اختطاف الرئيس الفنزويليّ نيكولاس مادورو مع زوجته بعمليةٍ عسكريّةٍ خاطفةٍ في 3/1/2026. وكان الهدف هو النفط لا تحقيق السلام أو الديمقراطيّة.