نوري سعيد –
لو أدركنا – نحن الكرد – الدور الكبير الذي يمكننا أن نقوم به إذا كنا متحدين، لما حصل لنا كل الذي حصل في الأجزاء الأربعة، لأننا أكثر تنظيماً ولنا تجارب نضالية منذ عقود، وما كنا بحاجة إلى وسيط ليجمع شملنا لأن الخلافات بين أطراف الحركة الكردية ليست بنيوية مستعصية على الحل، ومن الممكن تجاوزها بالروح الأخوية بعيداً عن المصالح الحزبية والشخصية الضيقة.
وعليه فإن وعي المرحلة المصيرية التي تمر بها المنطقة عموماً وسوريا على وجه الخصوص، والتحديات التي تواجه شعبنا الكردي، كافية لرصّ صفوف الحركة الكردية والوصول إلى تفاهمات، لأن الفرصة التاريخية المواتية حالياً لشعوب ومكونات المنطقة بعد ربيع الشعوب قد لا تتكرر بالشكل الحالي. ولأن تركيا أردوغان تحاول بشتى الوسائل الضغط على كافة الجهات الدولية والإقليمية لإبعاد الكرد عن أية مشاركة تخص حل الأزمة السورية والحصول على أية امتيازات دستورية، وهي تحاول أيضاً القضاء على تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية الفتية في روج آفا خشية انتقال تأثيراتها إلى الداخل التركي، كونها تجربة فريدة من نوعها، تصلح لأن تكون نموذجاً لحل قضايا شعوب منطقة الشرق الأوسط العالقة منذ قرون والمتمثلة بفكرة الأمة الديمقراطية التي أطلقها المفكر الكردي عبدالله أوجلان والتي تنادي بالعيش المشترك وأخوّة الشعوب.
كما أن تركيا لا تكتفي بذلك بل تحاول تنفيذ الخطوة الأخيرة من مشروعها الاحتلالي لشمال وشمال شرق سوريا من الدرباسية ومروراً بعامودا حتى دجلة وبعمق 30 كم بعد أن احتلت بقية المناطق الأخرى (عفرين – جرابلس – إعزاز- الباب – تل أبيض – رأس العين) مستغلة حالياً فرصة انشغال الإدارة الأمريكية بالانتخابات الرئاسية، والتي ستجري في تشرين الثاني المقبل، لأن ترامب – الرئيس الأمريكي – لا يمكنه إصدار قرارات حاسمة خلال هذه الفترة بحسب الدستور الأمريكي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاحتياطي العالمي من الوقود السائل (النفط) في طريقه إلى النضوب في العقود القليلة القادمة، والاستعاضة عنه ستكون بوقود الغاز الذي اكتُشِف بكميات هائلة على طول سواحل المتوسط وبالأخص في لبنان وسوريا واليونان، وأيضاً في بحر قزوين. وهذا الكم الهائل من القوى الدولية والإقليمية المتواجدة في المنطقة ليست لسواد عيون شعوبها، بل لأن كل طرف يحاول إيجاد موطئ قدم له لتحقيق مصالحه وإيجاد الحليف الذي يحقق له تلك المصالح بما في ذلك عملية محاربة إرهاب داعش والنصرة، وهنا لابد من التنويه إلى أن الدخول في عملية تبادل المصالح مع الدول الكبرى في حال القوة الذاتية القائمة على وحدة الصف وتوحيد الرؤى والمواقف قد تؤدي إلى كوارث.
ونحن الكرد ليس بخافٍ علينا ما حصل في لوزان 1923 واتفاقية الجزائر 1975، وكوننا ندرك الذي حدث بين أشقائنا الكرد في باشور، حيث قدَّم طرفا النزاع – البارتي والاتحاد – الكثير من الشهداء نتيجة الخلافات بينهم، وفي النهاية تصافت القلوب واتحد الطرفان ونال شعبنا الفيدرالية، لهذا فعلى القيادات السياسية في الحركة الكردية السورية وبالأخص الطرفين المتحاورين (أحزاب الوحدة الوطنية الكردية – والمجلس الوطني الكردي) أن يثبتا لشعبنا أنهما على قدر المسؤولية التي تحملها، وأن يحققا وحدة الصف الكردي، لأن التحديات كبيرة وضياع الفرصة الحالية سيكون كارثياً على شعبنا.
في الختام: نحن الكرد نطمئن كافة الإخوة من شعوب المنطقة بأن أي تقارب كردي – كردي لن يكون ضد أي طرف، بل على العكس تماماً، لأننا صادقون في تحالفاتنا كما أننا نُثمِّن عالياً الجهود الحالية التي تبذل لعقد الجولة الثانية من الحوارات، والتي ستشمل مسائل حساسة كالإدارة الذاتية والشأن العسكري والمالي، كما أننا نتمنى للمبادرة التي أطلقها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي النجاح والتوفيق، حتى تتمكن الحركة الكردية من تحقيق طموحات شعبنا في سوريا ديمقراطية لامركزية موحدة وذات سيادة تليق بكل السوريين دون أي استثناء.