سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مجلس سوريا الديمقراطية… انتماءٌ وطني ومظلةٌ الشعوب

تحقيق/ فيروشاه أحمد –
كانت المجالس الوطنية في أغلب دول العالم ومنذ مئات السنين تتشكل وتجتمع في حالتي الحرب والسلم للبحث في قضايا الوطن والمواطن، وليس بالضرورة أن ينتمي كل أعضاء المجلس للقومية أو الدين أو الطائفة نفسها، بل يجمعهم انتماؤُهم للوطن، وبذلك يتكاتفون للارتقاء بالآخرين نحو الأفضل أو لترميم البيت الداخلي، أو للدفاع عن الوطن.
لهذه الأسباب ولغيرها تُعَدُّ المجالس بمثابة صوت الشعوب أمام الدول والسلطات، كونها تهتم بحاجات الشعب، فأصبحت هذه المجالس فيما بعد تتحدث عن قضايا شعوبها الداخلية والخارجية؛ لأنها تعمل على الحد من السلطة المطلقة، كونها مؤسسة رسمية مؤلفة من أغلب المكونات، ويتعاملون فيما بينهم بروح المسؤولية، ومن جهة أخرى يتواصلون مع الشعب بالديمقراطية كمبدأ رئيس، ولا يمكن أن يرتقي هذا المجلس بعمله إلا من خلال رفع سوية أعضائه السياسية والذهنية وجعلهم أكثر تمثيلاً للشعب، وتعزيز دورهم بعد انتقائهم من خلال صناديق الاقتراع.

بالمحصلة المجلس هو تعبير صادق وحقيقي عن تطلعات الشعب السياسية والاقتصادية وغيرها من الأمور، لهذا يجب أن يكون واحداً من أهم مؤسسات المجتمع الديمقراطية، المبني على التشاركية السياسية والتعددية الحزبية والتنوع الثقافي، من هذا المنطلق تبقى العلاقة صحيحة مع هكذا مؤسسات مهما كان حجم عملها متواضعاً وعدد أعضائها قليلاً أيضاً، لأنَّها في الحقيقية وعلى الرغم من إمكاناتها المتواضعة يبقى لها دور إيجابي وفعال، بشرط أن يتعاونَ معها الآخرون.
لماذا مجلس سوريا الديمقراطية؟
دخلت سوريا من أقصاها إلى أقصاها في أزمة اجتماعية وسياسية؛ نتيجة عدم التوافق بين النظام والأحزاب والقوى الاجتماعية التي تدعو إلى التغيير والإصلاح، حينها انقسم المجتمع السوري على نفسه، وأصبحت كل منطقة تعالج الأزمة بطريقتها، إلا أن آلة الحرب حصدت أرواح السوريين، ونشرت كل أشكال الخوف والقتل والدمار والتهجير.
في السياق نفسه؛ لم تتوقف جهود المصالحة، وبات الحراك السياسي والمجتمعي يعمل من أجل توحيد الرؤى في المستقبل السوري، فعُقدت مؤتمراتٌ ومبادرات ولقاءات كثيرة، لكن المعارضة لم تستطع أن ترسم خارطة طريق جامعة لكل السوريين، ولم تقدر على تفعيل هذه الخارطة كي تصبح مخرجاً ومنقذاً للسوريين، ما جعل الأزمة السورية تدخل نفقاً مظلماً بعد تدخُّل الدول الإقليمية والدولية في ساحات المعارك السياسية والعسكرية، وهذا ما زاد من ثقافة القتل والعنف، وتمزّق المشهد الاجتماعي بسبب لجوء الكل إلى العنف والاقتتال والانتقام، من هنا أدرك الكل أنَّ الأزمة يمكن أن تستمر إلى أجل غير مسمى ما لم يتوصل الجميع إلى حلٍّ سياسي ديمقراطي يضمن حقوق الأفراد وكل المكونات والقوميات.

إن للميثاق الوطني السوري دور واضح بانطلاقة مجلس سوريا الديمقراطية على خلفية مبادئ اعتمدها (تجمع المدافعين عن سوريا ديمقراطية لكل أبنائها).
ومن تلك المبادئ: إنهاء النظام الاستبدادي، وبناء نظام ديمقراطي برلماني تعددي في دولة لا مركزية، بالإضافة إلى محاربة الجماعات الإرهابية والإقرار بتنوع المجتمع السوري، والاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وغيرهم من الشعوب والمكونات السورية، واعتبار حرية المرأة ضمانة للحريات كافة، واعتبار الشباب قوة فاعلة إلى جانب حماية الطفولة، وإحقاق مبدأ العدالة الاجتماعية في قضايا التعليم والصحة والعمل.
تأسيس المجلس ضرورة وواجب وطني إنساني
للضرورة التاريخية والواجب الوطني والإنساني، وفي الشهر الأخير من عام 2015م دعت حركة المجتمع الديمقراطية المعارضة السورية المعتدلة لعقد مؤتمر تحت شعار (معاً نحو بناء سورية حرة ديمقراطية).
خلال المؤتمر تم الإعلان عن ولادة جسم سياسي جديد وهو مجلس سوريا الديمقراطية، وأقر بجدول أعمال سياسة منها: إنَّ (مجلس سوريا الديمقراطية هو مشروع سياسي وطني ديمقراطي سوري يعمل على ضم كل المكونات المجتمعية والكيانات السياسية في هذه المرحلة الاستثنائية المصيرية)، وأكد البيان: على أنَّ هذا المجلس يخوض بكل قواه المدنية والسياسية وشخصياته الاعتبارية، المعارك السياسية القادمة من أجل انتقال البلاد من العنف والاستبداد والتطرُّف إلى دولة القانون، وتحمُّل المسؤولية لإنقاذ وطنهم من المأساة التي يعيشها وتحقيق تطلعات شعبهم في التغيير الديمقراطية البديل والشامل.
وجاء هذا المؤتمر بعد الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية على أن يكون المجلس ممثلاً عنه، في حين أكدت قوات سوريا الديمقراطية التزامها بالرؤية السياسية للمجلس وتفاهماته في المفاوضات التي يخوضها، من هنا أكد المجلس على أنَّه يدرك جيداً ألا وصفات جاهزة وكاملة لهذا الواقع المعقد، والذي إذا استمر سوف يهدد المنطقة والعالم كله، لهذا يدرك ويؤمن بأن الجهود الخيرة لأبناء سوريا وأصدقائهم سوف تثمر عن مشاريع قادرة على إنقاذ ما تبقى من سوريا وحماية الآخر المختلف، كل هذا يأتي من خلال رؤية موضوعية، وهذه الرؤية طرحها المجلس من خلال مشروعه الذي لا بدَّ من أن يلتزم به الجميع وبكل إيمان، هذه الرؤى تسمح للجميع بالمشاركة في الحل والبناء، حتى تصبح سوريا وطناً ديمقراطياً لا مركزياً لكل السوريين على أساس احترام الحقوق الديمقراطية لكل المكونات وفق القوانين والأعراف الدولية المنصوص عليها وبضمانات دستورية.
نحو حل سياسي وبناء سوريا لا مركزية ديمقراطية
تحت هذا الشعار الوطني عقد المجلس مؤتمره الثالث في مدينة الطبقة في العاشر من تموز 2018م، وكان اختيار مدينة الطبقة المحررة حديثاً من المرتزقة مكاناً للمؤتمر، وإنما يعني ذلك بأن مقاتلي ومقاتلات قوات سوريا الديمقراطية هم حصنٌ لكل الوطن، وأن المجلس يشكل مظلةً سياسية لإدارة المجتمع بكل شعوبه في شمال سوريا، في حين أكدت الكلمات على أن البنيوية الهيكلية التي تعتمدها الأنظمة السياسية الاستبدادية في المنطقة من خلال سياساتها الداخلية والخارجية، إنما هي الأسباب التي أشعلت الحروب والأزمات في الشرق الأوسط، والتي زادت من حجم الفوضى السياسية.
المصالح الضيقة ما زالت هي الهدف الأسمى لكل المتصارعين في الداخل السوري، وهذه المصالح هي التي ساهمت بدخول الدول الإقليمية والدولية أيضاً إلى سوريا، وما أقدم عليه النظام التركي باحتلال عفرين لهو تأكيد على أن المرتزقة الموالين لأنظمة كهذه ما زالوا يفعلون فعلهم السياسي الرخيص، وما يحدث في درعا الآن تأكيدٌ على تفاهمات دولية بحسب مصالحها، وتبقى عملية التحول الديمقراطية في سوريا من الأمور الصعبة؛ لأن الاستراتيجيات الدولية تحاول بشتى الوسائل الحفاظ على الأنظمة الشمولية داخل المنطقة، لكن لم يبق من الزمن إلا القليل لإنهاء هذه الأنظمة لأن إرادة الشعوب أقوى من الإبقاء على هذه الهيكلية.
هذه الأسباب وغيرها أدت بدولة الاحتلال التركي أن تغير وبشكل كامل من بنية نظامها السياسي، فجعلت المركزية حالة محورية، وتراجعت عن مقاييس ديمقراطية، وسوريا كجارةٍ لتركيا؛ لا بد أن تتأثر بهذه التغييرات، فكانت الهجمة الشرسة لجيش الاحتلال التركي على الأراضي السورية (عفرين) والعراقية (باشور كردستان) من نتائج هذه التغييرات، وعملت تركيا على تغيير ديمغرافي ممنهج في عفرين وذلك بتوطين القادمين من الغوطة وغيرها في بيوت أبناء عفرين وغيرها من المناطق. جراء ما حدث ويحدث ما زالت آلة الحرب والعسكرة تفرض سيطرتها على المشهد السوري، من هنا بقي للمجلس أن يُعزِّز دوره الوطني الفعال بدعم القضية الديمقراطية والتعددية السياسية والدفاع عن جميع المكونات السورية في شمالها ضد قوى الإرهاب ومن يسانده.
رسالة مجلس سوريا الديمقراطية
انطلاقاً من محتوى بيانه في مؤتمره الأول 2015م وما يتضمنه نظامه الداخلي، أكد مجلس سوريا الديمقراطية لكل الساسة والمهتمين في الداخل السوري وخارجه بأنه يحمل رسالة وطنية إنسانية تشمل كل المكونات والقوميات والطوائف والمذاهب، واليوم وهم يجتمعون في الطبقة يؤكدون على المقاييس الوطنية نفسها التي جمعتهم في محراب أهدافها بديرك.
هذه الرسالة حملها مقاتلو ومقاتلات قوات سوريا الديمقراطية في كل معاركهم ضد المرتزقة، وتجلت أسمى آيات البطولة في تصديهم ودحرهم لداعش في منبج والطبقة والرقة ثم في دير الزور، أما من الناحية الفكرية فقد آمنت كل المكونات بأن الذهنية التشاركية والتي تدعو إلى العيش المشترك لهي الذهنية الإنسانية التي لا تميز بين مكونٍ وآخر، ويعمل المجلس على إحياء وتفعيل كل الثقافات التي ترتقي بالمجتمع السوري نحو المجتمعات الحضارية التي تقودها مؤسسات مدنية وثقافة سياسية وأخلاقية.
بناء سوريا موحدة أرضاً وشعباً
لا يمكن لفكر يمثله مجلس سوريا الديمقراطية أن يلخص ويختزل بمجموعة مهام سياسية وعسكرية قام بها خلال فترة قصيرة، إنما يمكن أن نلخِّص بالقول: إنَّه خلال هذه الفترة القصيرة من عمره قد حقق كثيراً من المهام والإنجازات، وهذا لا يعني أنَّه أنهى مهامه، فالعمل الوطني لا ينتهي مهما عمل المجلس عليه، لأن الوطن هو الإنسان ولا يمكن أن يبنى الإنسان إلا بذهنية تجتمع عليها كل المكونات وتتفاعل معها وتتكاتف من أجل بناء سوريا موحدة أرضاً وشعباً، قوامها العيش المشترك في ظل أخوة الشعوب، وتفاعلهم في وطن الحقوق والمواطنة.
_________
المراجع
ـ الوثيقة التي أقرها مؤتمر سوريا الديمقراطية 2015م.
ـ مبادئ تجمع المدافعين عن سوريا ديمقراطية لكل أبنائها.
ـ النظام الداخلي لمجلس سوريا الديمقراطية.
ـ المؤتمر الثالث لمجلس سوريا الديمقراطية 2018م.

التعليقات مغلقة.