سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مهرجان «الكناوة»… موسيقا العالم

إعداد عبد الرحمن محمد –
يعتبر مهرجان «الكناوة» من أبرز المهرجانات الثقافية الموسيقية في العالم، وقد انطلقت النسخة الأولى منه عام 1987م. في مدينة «الصويرة» المغربية ولا زال يقام فيها، ويزداد الإقبال الجماهيري المحلي والعالمي عليها في كل عام، حتى أنَّ عدد من يحضرون المهرجان وصل إلى ما يقارب الربع مليون متابع ومشاهد، ويستمر عادة أربعة أيامٍ.
مدينة أثرية وموسيقا عالمية
تكنى «الصويرة» بمدينة الرياح « تاسورت» وتعتبر من أهمّ وأعرق وأجمل المدن السياحيّة في المملكة المغربية، والتي تُشرف على المحيط الأطلسي؛ ففيها من الفرادة والجمال ما جعلها قبلةً للسيّاح من الطراز الأول، يقصدونها بهدف الاستمتاع بمناظرها الخلاّبة، وتمضية أجمل الأوقات، وتتميز بطابع فريد ومتميّز من حيث البناء والعمران، والاعتدال في المناخ، والأسوار والحصون والأبراج والآثار التاريخيّة العظيمة وغناها بالمباني الأثريّة المتناسقة، إضافةً إلى إرثها الثقافي العريق والعظيم المتوارث من الأجيال والأمم التي استوطنت تلك الأرض مما يزيد فيها النشاط السياحي، وكذلك نشاطها الثقافي والفني الذي يُلفت الأنظار ومن أهمها مهرجان «الكناوة» الذي أصبح جزءاً من تاريخ الصويرة الحديث الذي يربط الماضي بالحاضر في رباط من الموسيقا الروحية والحديثة التي تمزج بين عراقة الماضي وتجدُّد وانبعاث الحياة المتجددة.
الكناوة….حكاية ألم وموسيقا روح
تجمع موسيقا «الكناوة» بين الموسيقا الروحية والألم الإنساني القديم المتجدِّد من خلال معاناة «العبيد» في حلِّهم وترحالهم ورحلاتهم القسرية من بلد لآخر وقصص الذل والاستعباد والرق، ويُرجِع بعض الباحثين كلمة «كناوي» إلى كلمة «قناوي» أو «قن» أي عبد، فهذا الفن العريق ظهر بداية بين العبيد مجسداً آلامهم ومعاناتهم وأنينهم المكبوت، ويعيد بعض المؤرخين أصل الكلمة الى مصطلح «أكناو» الأمازيغي الذي يشير إلى الشخص الذي يتكلم بلغة غير مفهومة وكذلك للأبكم.
أما أصل هذه الموسيقا فتعود إلى القرن السادس عشر، وهي خليط من الألحان والأهازيج البربرية، الأفريقية والأغاني العربية الإسلامية والتي تحتفي بالحياة والعبادة. كما أنَّها تشتمل على رقصات بهلوانية وحركات ارتجالية تتفاعل مع الحدث، وهذه الموسيقا تتميز بالروحانية وتروق للعديد من الناس بغضِّ النظر عن تياراتهم الدينية، ورغم وضوح الأثر الأفريقي لكنها تظهر وبوضوح في الجزائر والمغرب.
من حدث محلي إلى تراث عالمي
عبر مشاركات الفرق المغربية عالمياً استطاعت إبراز هذه الموسيقا للعالم، ومن خلال مهرجان الصويرة استقطبت العشرات من الفرق العالمية، ليتحول الحدث إلى مهرجان للموسيقا العالمية، كموسيقا الجاز والروك والبوب وموسيقا العالم المعاصر في دول متعددة للاستمتاع بتجربة تبادل أفكار موسيقية عالمية. وبذلك استطاعت موسيقا «الكناوة» من خلال المهرجان المزج بين الموسيقا العالميّة الحديثة والروحانية. مجموعة موسيقا «الكناوة» تتكون من رئيس الفرقة ويسمي «المعلم» وباقي أفراد الفرقة. وأهم الآلات الموسيقية هي «الكمبري والقرقابة والطبل» ويرتدي أعضاء الفرق أزياء مزركشة لماعة وقبعات طويلة وينسجمون في طقوس روحانية تجلب إليهم العديد من المشاهدين ليشاركوهم في طقوس موسيقية روحانية يتشارك فيها المؤدون والمتفرجون، فتلك الموسيقا تعمل على الانسجام الروحي بين الجميع وتناغم وانسجام الروح بالجسد في حالة قد لا تتكرر دون وجود تلك الموسيقا. تطوف جموع الفرقة الموسيقيّة شوارع وطرق المدينة في طقوس احتفالية وهي تستعرض فنها الأصيل وسط تفاعل الجماهير التي تحتشد للتفرج، والمشاركة احياناً في تلك الرقصات والحركات البهلوانية، وترديد تلك الأغاني النابعة من صميم الروح، وبذلك يكون عنوانًا لإحياء الذاكرة والتقاليد والمزج بين ألوان موسيقية عالمية مختلفة. وما بين «الكناوة والعيساوة والأحواش» وهي طقوس موسيقية احتفالية متنوعة وعلى قرع الطبول والقراقب (آلات نحاسية تستعمل في العزف)، تقدم الفرق الموسيقية المشاركة في الكرنفال، أهازيج ورقصات أفريقية كناوية وشعبية، تتفاعل معها الجماهير المحتشدة على جنبات مسار الكرنفال، وتمر الجموع من «باب دكالة» عبر الشوارع والأحياء لتصل إلى «ساحة مولاي الحسن» حيث المنصة الرسمية للمهرجان. في نسخته القادمة وهي الحادية والعشرين ستكون انطلاقة المهرجان في 23 تموز القادم وجماهير عشاقه على موعد ليلتقي أعظم موسيقيي العالم؛ وجيل المبدعين الشباب أيضاً مع «المعلمين» الذين حملوا طويلاً رسالة العراقة والأصالة لتستمر في نشر ثقافة الحب والتسامح والارتقاء بالروح والانسان.

التعليقات مغلقة.