سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

المنطقة الآمنة هدفٌ وليست ضرورة إنسانيّة

42
تحقيق: رامان آزاد –

يستند إنشاءُ المناطقِ الآمنةِ إلى الحاجةُ الإنسانيّةُ في مناطقِ الصراعِ المسلحِ، ولكنّ ذلك لا يتوافقُ مع الوضعِ القائمِ شمال سوريا طيلةَ سنواتِ الأزمةِ، فخلالَ سيطرةَ الإرهابِ كانت أيّ صيغةٍ لمنطقةٍ آمنةٍ تعني حمايته وشرعنته، فيما أولويات الحياة تتطلب مكافحة الإرهاب وتطهير المنطقة منه باعتباره عائقَ الحياةِ، وبعد دحر الإرهابِ أضحت المنطقة آمنة وانطلقت عجلة الحياة، فشنّت أنقرة عدوانها متذرعة بحججٍ واهيةٍ لتحتلَ المنطقة كما فعلت في البابِ وعفرين.
خلال الصراعات المسلحة تُتداولُ بعض المصطلحاتِ كالمنطقةِ العازلةِ والمنطقةِ الآمنةِ، وتُستخدمان على أنّ لهما معنىً واحدٌ رغم اختلافهما، والسبب عدمُ وجودِ تعريفٍ للمنطقة الآمنة متفقٍ حوله أو نصٍّ بالقانونِ الدوليّ، كما لم ترد في اتفاقياتِ جنيف 1949 أو أيّ من ملاحقها. وبالتالي فالمناطقُ الآمنةُ مصطلحٌ غير رسميّ يُعنى بالمفهومِ الإنسانيّ، يُقصدُ به محاولاتٍ تهدفُ لحمايةِ مناطقَ معينةٍ عبر إعلانها مناطق خارج الاستهدافِ العسكريّ، وقد ورد في اتفاقيات جنيف وملحقاتها مصطلحاتٌ كالمناطق الطبيّة أو المحايدة أو المنزوعةِ السلاح، والتي يحتاج إقامتها لاتفاقِ الأطرافِ المتصارعةِ، وإزالةَ المظهرِ والصفة العسكريّة عنها، وألا يكون لدى الأطرافِ المتحاربة ترتيباتٌ للدفاع عنها، لأنّ أيّ وجودٍ عسكريّ لأيّ طرفٍ سيعُرّضها للاستهداف وعودة الحرب. ويتواجدُ عادةً في المناطقِ العازلةِ قواتُ حفظِ سلامٍ دوليّةٍ تفصلُ بين أطرافِ الصراعِ.
سعيٌ مبكرٌ للتدخل باسم المنطقةِ الآمنة 
حاولت أنقرة إيجادَ الظروفِ لإقامة أيّ شكلٍ من المناطق تكسب عبره شرعيّة التدخلِ العسكريّ في سوريا، وسعت إلى ذلك مع كلّ الأطراف، واستخدمتِ الجماعاتِ المسلحةَ الإرهابيّةَ بكلّ مسمياتهم، لخلقِ معاناةٍ إنسانيّة تبرر تدخلها، وقد بدأت تلك المحاولات مبكراً جداً منذ بدء الأزمة السوريّة، بحجّةِ مواجهةِ تدفقِ اللاجئين، ففي 29/11/2011 أعلن وزير الخارجيّة التركيّ حينها أحمد داود أوغلو، أنّ بلاده قد تقررُ بالتنسيقِ مع المجتمعِ الدوليّ، فرضَ منطقةٍ عازلةٍ على حدودها مع سوريا لأسبابٍ إنسانيّةٍ، في حالِ زاد تدفقُ اللاجئين الفارين من النزاع.
وتولّى الإعلام التركيّ الترويج للإعلان التركيّ الأول لإقامةِ منطقةٍ عازلةٍ على الحدود، بفبركةِ كذبةِ حمايةِ المدنيين السوريين، فيما الحقيقة أنّ أردوغان رئيس الحكومة حينها كان يسعى لاستهدافِ الكرد تحديداً.
بدأ أردوغان تنفيذ مخططه منقلباً على علاقاته مع دمشق، فاتهمها في 26/7/2012، بإخلاء المناطق الشماليّة عمداً لتقع في عهدة الكرد وتحديداً “حزب الاتحاد الديمقراطيّ” بغاية الإساءة لتركيا، وقال: “منطقة آمنة، منطقة عازلة، كلّ ذلك يشكّلُ جزءاً من الخياراتِ التي لدينا”.
بادرت أنقرة للتلاعب بملف اللاجئين السوريين فطالب وزير الخارجيّة التركيّ أحمد داود أوغلو، في 30/8/2012 مجلسَ الأمن الدوليّ، بإقامةِ مخيمات داخل الأراضي السوريّة لإيواء اللاجئين السوريين الذين يحاولون الفرار من أعمالِ العنفِ الدائرة في بلدهم. إلا أنّ طلبه قوبل بالتحفظ بعد كشف نوايا تركيا تجاه الكرد.
وطرح أردوغان صيغة لمنطقةِ آمنة خلال زيارته لواشنطن في 18/5/2013. ووافقت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ولكنها تراجعت لاحقاً وماطلت حولها.
حاولت أنقرة تغيير قواعد اللعبة فطالب وزير الخارجيّة أحمد داوود أوغلو في 9/10/2014 بإنشاء “منطقة آمنة على الحدود لإنجاحِ العملية ضد داعش”. أي باستغلال محاربة داعش والتخلي عن المبرر الإنسانيّ.
مع خسارة حزب أردوغان الأغلبيّة بالانتخابات التركيّة العامة في 7/6/2015 انتشرتِ الشائعات حول قيام الجيش التركيّ بحملة عسكريّة داخل سوريا، ليس لحمايةِ السوريين كما رُوّجَ له منذ بداية الأزمة، بل لمحاربةِ الكرد في سوريا وإنشاء منطقة عازلة بطول 110 كم، وبعمق 33 كم على الحدود شمال سوريا. وفي تموز 2015، أشارت الخطط التركيّة المعلنة عن دفع نحو 18 ألف جندي داخل سوريا من خلال معبريْ جاربلوز وإعزاز الحدوديين، لإنشاءِ منطقة عازلة.
وفي 11/11/2015، حضَّ أردوغان مجدداً الأسرةَ الدوليّة على تأييدِ اقتراحه الذي رُفض من قبل، بإقامة منطقة آمنة داخل سوريا. وردّتِ الخارجيّةُ الروسيّة آنذاك بأنّ إنشاء “منطقة عازلة” شمال سوريا يتطلبُ موافقةَ مجلسِ الأمنِ الدوليّ.
فشلَ الوكيلُ فتدخّلَ الأصيلُ
مع فشل الأدواتِ الموالية لأنقرة بإنجاز مهمة استهداف الكرد ومشروعهم الديمقراطيّ، واقتراب الوصل الجغرافيّ بين كوباني وعفرين، أطلقت أنقرة حملة عسكريّة باسم “درع الفرات في 24/8/2016، لتكونَ السيطرة على جرابلس أول خطوةٍ عمليّة بالمخططِ الاحتلاليّ باسم محاربة “داعش”، وكان احتلال المدينة خلال ساعات قليلة رسالة واضحة بأنّ الكردَ هم من تستهدفهم أنقرة وليس “داعش”.
أكّدت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكيّة بتقريرٍ عنوانه “الكذبة التركيّة بشأنِ محاربة داعش”، أنّ أردوغان، لن يفيَ بالتزاماته بمحاربة داعش، وذكرتِ المجلة، أنّه يُفترض أن تنظرَ أنقرة إلى “داعش” على أنّه عدو ينبغي إزاحته، لكن المعادلة العسكريّة والسياسيّة على الأرض تبدو أكثر تعقيداً، فأنقرة مستفيدةٌ من داعش الإرهابيّ بما أنّه عدوٌ للكرد.
وفي 25/1/2017 قال الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب في مقابلة بثّتها محطةABC news  أنّ الحكومة الأمريكيّة ستنشئ مناطق آمنة لاستيعابِ النازحين السوريين. وسبق أنّ طُرح إنشاء مثل هذه المناطق خلال إدارة الرئيس الأمريكيّ السابق باراك أوباما. لكنَّ الجيشَ الأمريكيّ شدد على أنَّ تنفيذَ الأمرِ يتطلبُ وسائلَ عسكريّةً كبيرةً للغاية.
وفي 13/2/2017، كشف أردوغان عن هدفه بإنشاء منطقة مساحتها 4-5 آلاف كم2 شمال سوريا خالية من “الإرهابيين”، حسب وصفه، ولكن طلبه قُوبل بالرفضِ من القوى الإقليميّة. وفي 22/2/2017 احتلت تركيا مدينة الباب بعد صفقةِ مع مرتزقة داعش.
في 20/1/2018 شنّت أنقرة عدواناً همجيّاً على منطقة عفرين باسم “غصن الزيتون” مستخدمةً كلّ أنواع الأسلحة واحتلتها في 18/3/2018، والمبرر ذريعة الأمن القوميّ الافتراضيّة.
تنافسٌ روسيّ أمريكيّ لكسبِ أنقرة
مع اقترابِ أردوغان من الضفةِ الروسيّةِ والتنسيقِ مع موسكو، استشعرت واشنطن بوادرَ خسارةِ حليفها التاريخيّ بالمنطقةِ، فبدأتِ الانعطافَ التدريجيّ بالتوازي مع التلويحِ بفرضِ العقوباتِ الاقتصاديّة، وفي 19/12/2018 قرّر الرئيس الأمريكيّ ترامب، فجأةً سحبَ نحو ألفي جندي أمريكيّ من شمال وشرق سوريا، فيما كانت تركيا تهددُ بشنَّ عمليةٍ عسكريّةٍ وتحشدُ قواتِها على الحدودِ. ودفع التهديد التركيّ للكرد، واشنطن بعد إعلان الانسحاب للتهديدِ الصريحِ بتدميرِ الاقتصادِ التركيّ بحال نفذّت العدوان.
كان التحوّل مع دخول عام 2019، إذ دعا ترامب لإقامة “منطقة آمنة” في سوريا، وأكّدت تركيا أنّها قادرةٌ على إنشائها بمفردها. وتحدث أردوغان مجدداً في 14/1/2019عن نيته بتنفيذِ ما يطمحُ إليه منذ اندلاعِ الأزمة السوريّة، بإقامةِ منطقةٍ عازلةٍ، بعرضٍ يتجاوزُ 30 كم على طولِ الحدودِ، وأنّ قواتِه ستتولى إقامتها.
الردُّ الروسيّ جاء على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف في 16/1/2019، وقال رافضاً الاقتراحَ: “نحن على قناعةٍ بأنَّ الحلَّ الوحيدَ والأمثلَ هو نقلُ هذه المناطق لسيطرةِ الحكومة السوريّة وقوات الأمنِ السوريّة”. وذكر لافروف أنّ موسكو ستقيّمُ المبادرةَ التركيّة بشأنِ إنشاءِ منطقة آمنة شمال سوريا على ضوءِ تطوراتِ الوضعِ في سوريا عموماً. وفي استيعاب لموقفِ أنقرة أضاف: “ستكون المصالح الأمنيّة لدول المنطقة بما فيها تركيا جزءاً من الاتفاقاتِ التي سنسعى إليها”. وأشار إلى أنّ مسألة المنطقةِ الآمنةِ ستطرحُ على أجندةِ لقاء بوتين وأردوغان بعد أيامٍ.
في 31/1/2019 صوّت مجلس الشيوخ الأمريكيّ، بأغلبية ساحقة لصالحِ تعديلٍ قانونيّ يعارضُ بشدةٍ سحبَ القواتِ الأمريكيّةِ من سوريا وأفغانستان. ونشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكيّة تقريراً قالت فيه: “إنّ الولايات المتحدة طلبت من حلفائها الغربيين المساعدةَ بإنشاءِ منطقةٍ عازلةٍ في شمال سوريا، للحيلولةِ دون صدام تركيّ-كرديّ ولضمانِ عدم عودةِ “داعش”. وقالت الصحيفة: “إنّ المنطقة العازلة الأمريكيّة التي يتم التخطيط لها عمقها 20 ميلاً في الأراضي السوريّة على طول الحدود التركيّة، وتمتد من نهر الفرات إلى الحدودِ مع العراق.
هواجس حقيقيّة وأخرى افتراضيّة
رفضتِ الإدارةُ الذاتيّة في شمال وشرق سوريا فكرةَ إقامةِ منطقةٍ عازلةٍ تديرُها تركيا على الجانب السوريّ من الحدودِ، واعتبرته خطراً كبيراً وأشارت إلى خياراتٍ بديلةٍ والتواصل مع دمشق، وطالبت واشنطن بإبطاءِ الانسحابِ. فالتركيّ يجسّد خطراً حقيقيّاً على المجتمع والمناطق المحتلة شواهد ذلك، فيما ذرائعُ أنقرة افتراضيّة لغايةِ الاستثمارِ السياسيّ والاحتلال.
حاولت موسكو احتواء متغيّراتِ الأحداثِ فقال وزير الخارجية الروسيّ سيرغي لافروف في 24/2/2019: إنّه لا يستبعدُ مشاركةَ الشرطةِ العسكريّةِ الروسيّةِ بإنشاءِ منطقةٍ عازلةٍ على الحدود بين سوريا وتركيا، مشيراً إلى أنّ مناقشة تفاصيل إنشاء هذه المنطقة لا تزالُ مستمرةً. وأنّه لا يوجدُ اٍجماعٌ روسيّ-تركيّ حول أيّ تنظيمٍ كرديّ في سوريا يمكن أن “يُعتبرَ إرهابيّاً”.
وفي مقابلة تلفزيونيّة قبيل زيارته الصين وفيتنام أشار الوزير الروسيّ لافروف، إلى إنشاءِ منطقةٍ عازلةٍ، على أساسِ اتفاقِ أضنة بين تركيا وسوريا الموقع في 20/10/1998 وتابع لافروف: “ينحصرُ الاتفاقُ بضرورةِ التعاون بين الطرفين لإزالةِ التهديداتِ من قِبل الإرهابيين على الحدودِ المشتركةِ، والسماحُ لتركيا بالقيامِ بأعمالها ببعضِ الأجزاءِ من الحدودِ”.
وفي 4/6/2018 توصّلَ الجانبان الأمريكيّ والتركيّ لاتفاقٍ حولَ تسييرِ الدورياتِ المشتركةِ بريفِ منبج. إلا أنّ أنقرة لم ترضَ عن آليةِ التنفيذِ واتهمت واشنطن بالمماطلةِ.
وفي 6/8/2019 عاد أردوغان يهدّدُ بإطلاقِ عمليةٍ عسكريّةٍ ضدّ وحداتِ حمايةِ الشعب “قريباً جداً”. وباليوم التالي، بحثت أنقرة وواشنطن إنشاءِ “مركز عملياتٍ مشتركٍ” للتنسيقِ حول “المنطقة الآمنة” شمال سوريا. وجاء الإعلانُ بعد ثلاثة أيام من المفاوضات الشاقة، وسَعَت واشنطن لتجنبِ عمليةٍ عسكريّة تركيّةٍ بالمنطقةِ. وفي 12 آب، وصل وفدٌ أمريكيٌّ إلى تركيا لإطلاقِ المركزِ المشتركِ.
عبّر الجنرالُ المتقاعد جوزيف فوتيل، الرئيس السابق للقيادة المركزيّة الأمريكيّة، عن معارضته لسيطرةِ تركيا على منطقةٍ كهذه، وحذّر بمقالةِ رأي نشرها موقع “ناشونال انترست” في 12/8/2019 من أنّ منطقة آمنة سوريّة تسيطر عليها تركيا “ستخلقُ مشاكل أكثر لكلّ الأطراف هناك”. واعتبر فوتيل أنَّ “فرضَ منطقة أمنيّة بعمقِ 20 ميلاً (30 كم) شرق الفرات ستكونُ له نتائج عكسيّة، وعلى الأرجحِ التسببُ بنزوحِ 90% من السكانِ الكرد، ومفاقمة الوضعِ الإنسانيّ الذي يشكّل تحدّياً بالغاً، ويخلقُ بيئةً لمزيدٍ من النزاعاتِ”.
في 15/8/2019 نقلت وكالة “فرانس برس” عن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكيّة شون روبرتسون قوله: “نراجعُ بالوقتِ الحالي الخياراتِ حول مركز التنسيق المشتركِ مع نظرائنا العسكريين الأتراك”. وفي 23 آب، أعلنت القيادة العسكريّة الأمريكيّة بالشرق الأوسط أنّ “قوات سوريا الديمقراطيّة دمّرت تحصيناتٍ عسكريّةً تنفيذاً للاتفاق. وباليوم التالي، أكّدت وحداتُ حماية الشعب استعدادها للتعاونِ لإنجاحِ اتفاقِ “الآلية الأمنيّة”. وأعلنت أنقرة أنّ المركز التركيّ-الأمريكيّ للعمليات المشتركة بدأ يعملُ “بكامل طاقته”. وفي 27 آب، أعلنت الإدارة الذاتيّة في شمال وشمال شرق سوريا بدءَ سحبِ مقاتلي قسد من المناطق الحدوديّة.
كان اتفاقُ الآلية الأمنيّة حائلاً دون أهداف أنقرة، فحاولت التملص منه، وفي 7/9/2019 قال أردوغان خلال اجتماعه برؤساءِ فروع حزب العدالة والتنمية في “أنقرة” إنّ الحكومة التركيّة مصممة على البدء فعليّاً بإنشاء المنطقة الآمنة شرق الفرات، ووفقاً للطريقةِ التي تريدها حتى الأسبوعِ الأخير من أيلول. وفي اليوم التالي قال أردوغان: “نتفاوض مع الولاياتِ المتحدةِ بشأن المنطقة الآمنة، لكننا نرى بكلِّ خطوةٍ أنَّ ما نريده وما يفكرون فيه ليس الشيء نفسه”.
10/9/2019 قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، عقب الاجتماع الحكوميّ برئاسة أردوغان، بأنقرة: “لا يمكننا التأكدُ من تحوّلِ هذه المنطقةِ لمكانٍ آمنٍ تماماً بناءً على معلوماتِ الأمريكيّين ويتعيّن علينا التأكدُ عبر مصادرنا”. وتابع: “لن نسمحَ بحدوثِ أمورٍ على غرارِ المماطلةِ بمنبج وتشتيتِ الانتباهِ والابتعادِ عن الهدفِ الرئيسيّ”.
تنافسٌ يخدمُ أنقرة
في 6/10/2019 جرى اتصالٌ هاتفيّ بين أردوغان وترامب، وأعلن البيتُ الأبيضِ، صباحَ اليوم التالي في بيانه أنّ “تركيا ستتحركُ قريباً بعمليةٍ عسكريّةٍ تخططُ لها منذ فترةٍ طويلةٍ في شمال سوريا، وأنّ القواتِ الأمريكيّةَ لن تدعمَ هذه العمليةِ ولن تشاركَ فيها”. وأشار البيانُ إلى أنَّ “القواتِ الأمريكيّةِ التي هزمت داعش الإرهابيّ، لن تتواجدَ مباشرةً بتلك المناطق. وأنّ واشنطن “تمارسُ ضغوطاً على فرنسا وألمانيا وباقي دول الاتحادِ الأوروبيّ، لاستعادةِ مواطنيها المنتسبين إلى داعش والمعتقلين في شمال سوريا”. وتابع: “هذه الدول ترفضُ استعادةَ هؤلاء الإرهابيين، والولايات المتحدة لن تعتقلهم إلى الأبد”. وأشار البيانُ إلى أنّ “تركيا ستكونُ مسؤولة بعد الآن عن إرهابيي داعش الذين اعتقلتهم الولاياتُ المتحدةُ في المنطقةِ خلال العامين الأخيرين”.
وواضحٌ من صيغةِ البيانِ أنّه حاولَ احتواءَ موقفِ أنقرة للحدِّ الأقصى، وجانبَ الحقيقةَ وأسندَ الدورَ الأكثرَ فاعليّةً بمحاربةِ الإرهابِ للقواتِ الأمريكيّةِ، كما أنّ مجاملةَ أنقرة تتطلبُ تجاهلَ دورَ قسد.
انتهزت أنقرة التنافس الأمريكيّ-الروسيّ الذي أفضى لسحبِ واشنطن قواتها من الحدودِ، فبدأت العدوانَ فعليّاً في 9/10/2019، فيما كانت موسكو راضية وتعلمُ أنّ واشنطن لن تواجهَ الجيشَ التركيّ، وبعد العدوان عطّلت جهداً دوليّاً لإيقافه، لتحصدَ عوائده بانتشارِ الجيشِ السوريّ بعد غيابِ سنوات بمناطقَ شرق الفرات، وتمركزِ القواتِ الروسيّة بالقواعدِ الأمريكيّة نفسها.