سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

آفاقُ الوجود الأمريكيّ في سوريا

16

 

تحقيق /رامان آزاد –


الحديثُ عن الوجودِ الأمريكيّ ليس مستجداً ولا وليدَ ظروفٍ طارئةٍ، بل يمتدُّ لعقودٍ طويلةٍ، فواشنطن تعتبرُ منطقةَ الشرقِ الأوسط حيويّةً جداً ولا تسمحُ بالمتغيراتِ فيها، وقد حافظت على علاقاتٍ متواصلةٍ مع دول المنطقة لم تتسم بالنديّةِ بل بدرجةٍ من التبعيّةِ، فالمنطقةُ مصدرُ مهمٌ للطاقةِ عالميّاً وهي أيضاً أهم أسواق تصريف السلاح. وبالتالي فالسؤالُ يدورُ حولَ شكلِ هذا الوجودِ (عسكريّ، اقتصاديّ، سياسيّ)، وليس أصل الوجودِ.

في مواجهةِ النفوذ الإيرانيّ

تحتلُ منطقةُ الشرقِ الأوسط مساحةً مهمة في خطاباتِ السباق الانتخابيّ للوصول للبيت الأبيض ويتعهد الرئيس القادم بالحفاظ على ثوابت السياسة الأمريكيّة بالمنطقة وأولها المحافظة على أمن إسرائيل وضمان تفوقها على الجوارِ، والعملِ على إرساء السلام من وجهة نظر أمريكيّة بإيجاد تسوية للقضية الفلسطينيّة. وعلى هذا النحو فمنطقة الشرق الأوسط حياضٌ أمريكيّ في المدى البعيدِ ولا يُسمح بإخلال التوازنِ فيها لصالح أيّ قوةٍ صاعدةٍ.

المتغير بالمنطقة كان عام 1979 بسقوط نظام محمد رضا بهلوي صديق واشنطن، ما ألزم الأمريكيّ بالبحث عن بديلٍ ليس لمجرد الوظيفة فقط، بل ليكون قطباً مناوئاً لإيران، فكانت حروب الخليج الثلاث وإسقاط نظام صدام حسين، ووصول الشيعة للحكم بالعراق، فيما واصلت إيران سياستها المعارضة لواشنطن، ومع اتخاذ الرئيس الأمريكيّ قرار الانسحاب من العراق أضحت الساحة العراقيّة مفتوحة للنفوذ الإيرانيّ، فاستكمل المحور (طهران، بغداد، دمشق، حزب الله).

انطلق الربيعُ العربيّ في تونس ومن بعدها مصر، وكانت سوريا عقدة المنشار، وتدخلت أطرافٌ إقليميّة على خط الأزمة، وتغيرت المعادلات، وظهر داعش واكتسح الجغرافيا وأعلن الخلافة ليزيلَ الحدود بين سوريا والعراق.

دعمت واشنطن الحراك المناوئ لدمشق وتبنت برنامج تسليح المعارضة المسلحة، ولكنه باء بالفشل، فيما أحرج تمدد داعش واشنطن، فراحت تبحث عن شريكٍ على الأرضِ يحارب الإرهاب على ألا يكون النظام السوريّ، وفق هذا المعطى كانت المقاربة الأمريكيّة مع وحدات حماية الشعب في محاربة داعش في كوباني في تشرين الثاني 2015 ومن بعدها قوات سوريا الديمقراطيّة، وبدأت حملات تحرير المناطق شرق الفرات حتى معركة الباغوز وإعلان الهزيمة الجغرافيّة لداعش في 23/3/2019.

وكانت روسيا قد أعلنت في 30/10/2015 عن تدخلها العسكريّ بثقلٍ نوعيّ في توقيتٍ مفصليّ، ليبدأ التغييرُ العكسيّ في خرائط الميدانِ لصالح دمشق، فيما لا يُعرف تاريخ دقيق للوجود الإيرانيّ في سوريا ومن بعده لحزب الله، إلا أنّ المؤكد أنّهما اعتبرا المعركة تخصّهما مباشرة، لأنّ تغييرَ النظامِ في سوريا يعني انكفاءَ إيران، فيما اعتبره حزبُ الله انكشافاً لظهره ورداً للجميل لسوريا.

تنافس روسيّ -أمريكيّ

شرق الفرات وغربه مصطلحان كان يُقصد بهما النفوذ الأمريكيّ والروسيّ، ولعلهما كرسّا حالة تقسيمٍ جغرافيّ وفق معطياتٍ سياسيّةٍ، وقد عملتِ الإدارةُ الذاتيّةُ على تجاوز الفرات عبر التحرير والوصلِ الجغرافيّ، إلا أنّ التدخل التركيّ عبر التسويات والصفقات حال دون استكمال العملية، فاحتلت جرابلس في 24/8/2016 ومدينة الباب في 24/2/2/2017، وانتظرت الضوءَ الأخضر الروسيّ والرضا الأمريكيّ لتبدأ العدوان على عفرين في 20/1/2018 واستكملت احتلال المدينة في 18/3/2018.

تطلعت أنقرة إلى شرق الفرات وتواصلت التصريحات التركيّة تهددُ بالعدوانِ فيما لم تتوقف عن الاستفزازات وإطلاق النار عبر الحدود. وما يحدثُ اليوم في شرق الفرات يشبه في مظاهره إلى حدٍّ كبيرٍ ما حدث في عفرين إلا أنّ المطابقةَ الكاملةَ تُوقعنا في مغالطةٍ، فواشنطن أعلنت سحبَ قواتها في 8/12/2018 ثم تراجعت عنه نتيجة تباين وجهات النظر.

واصلت أنقرة سياسة التهديد والابتزاز بكلّ الوسائل، فتوصلت إلى اتفاق الآلية الأمنيّة على الحدودِ، وانسحابِ قوات سوريا الديمقراطيّة، وتكليف المجالس العسكريّة للمدن بمهمة الأمن، ثم انقلبت أنقرة على الاتفاق، لأنّه لم يلبِّ أهدافها بالاحتلالِ.

ملفُ إدلب من أهم الأوراقِ التي تُمسكُ بها أنقرة، فوفق التفويضِ الذي حصلت عليه من أستانه، أصبحت طرفاً ضامناً لخفضِ التوترِ بالمحافظة، وكان اتفاقُ سوتشي في 8/9/2018 آخر صيغة تفاهمٍ، وبموجبه تتعهد أنقرة بإنشاء منطقةٍ منزوعةِ السلاحِ بعرض 15-20 كم فاصلة عن مناطق سيطرة النظام، تحت طائلة مواصلةِ العملية العسكريّة، ولكنها ماطلت لأقصى ما يمكن.

جاء قرارُ الانسحاب الأمريكيّ متزامناً مع محادثاتها مع أنقرة وجملة من التناقضات واستعارِ مواقفِ التصعيدِ السياسيّ بين الطرفين في سيناريو يشبه لحدٍّ كبيرٍ ما حدث ما بين موسكو وأنقرة، وتجاوزِ روسيا لمسألةِ إسقاط طائرتها واغتيال سفيرها وقصف طائرات الدراون لقاعدةِ حميميم. وجدت واشنطن بالمقاربة الروسيّة محاولةً جادة لاختراقِ حلفِ الناتو وخسارة الحليف الإقليميّ الذي تعوّل عليه، وبذلك اضطربت العلاقات، فتارةً تهدّد بالعقوبات الاقتصاديّة وطوراً حوافز وإغراءات، من جملتها صفقة منظومة الدفاع الجويّ «باتريوت» لتركيا مقابل صفقة إس 400 الروسيّة وبدأ انفراج العلاقاتِ بتحرير القس أندرو برانسو والتصريحاتِ الأمريكيّة «بتفّهمِ المخاوف الأمنية» التركيّة وإقامة نقاط المراقبةِ على الحدودِ.

سياسياً يُحلُّ التناقض على حساب رصيد التوافق، فإخراجُ المسلحين من الغوطة وحلّ التناقضِ هناك تمّ على حساب التوافقِ حول عفرين، ولا يُستبعد أن يكونَ التوافق حول إدلب رافعةَ إزالة العقبةِ أمام التدخلِ التركيّ شرق الفرات. ولهذا يُحتملِ وجودُ صيغةِ تفاهمٍ روسيّة-أمريكيّة غير معلنةٍ، راوحت حولها التصريحات التركيّة الرسميّة، وبحثت عن صيغةٍ لحلّ اللغزِ واستمرت بالتلاعبِ في هوةِ التناقضِ الأمريكيّ-الروسيّ.

كانت موسكو تتطلع إلى إعادة شرق الفرات لسيطرةِ دمشق وإنهاء تفاصيل الواقعِ القائم فيها، فموسكو لها شروطها الخاصة للحلّ السياسيّ في سوريا، وارتأت سياسةَ ضربِ الخصمِ بالخصم. فيما واشنطن ملتزمةٌ بإغلاقِ الحدودِ العراقيّةِ أمام النفوذِ الإيرانيّ والمسألة تتعلق بأمنِ إسرائيل، ولهذا لم تقدم أيّ تعهداتٍ حول مستقبلِ المنطقة والعلاقة مع الإدارة الذاتيّة، ولا كانت جادّة بحلِّ الأزمة.

حاولت موسكو إيجادَ صيغةٍ تُلزمُ أنقرة برفعِ اليد عن إدلب، ولم ينفكّ مسؤولوها عن الإشارةِ إلى شرق الفرات والحديث عن دويلةٍ افتراضيّةٍ، وتقصد بذلك الدورَ الأمريكيّ، وكانت تلك مؤشراتِ خلق ذرائعِ العدوانِ، فهي تعلمُ يقيناً أنّ القواتِ الأمريكيّةِ لن تواجه الجيشِ التركيّ إن شنّ العدوانَ على المنطقةِ، وستُجبر على الانسحابِ من المناطق الحدوديّة. ومن المتوقع أنّه خلال المكالمة الهاتفيّة في 8/10/2019 أحاط أردوغان ترامب بصيغة التفاهم مع موسكو، فكان الردُّ سحب القوات الأمريكيّة.

 

الولايات المتحدة دولة مؤسسات

لا يُعتقد أنّ القرارَ الأمريكيّ كان فرديّاً، فالولايات المتحدة دولةُ مؤسساتٍ، ولا يمكنُ لشخصِ الرئيسِ التحكمِ بالقرارِ السياسيّ، ولكن بنفسِ الوقتِ لا يحظى كلّ قرارٍ بقبولِ الساسةِ الأمريكيين بالكونغرس، وقد لا يخلو الأمر من تباينات الرؤيةِ بالمؤسسةِ العسكريّة (البنتاغون). ولكنَّ اللافتَ شخصيةُ رجلِ الأعمالِ دونالد ترامب الذي وصل للبيت الأبيض عام 2017 متمرداً على القوالبِ الرسميّةِ وأطلق تصريحاتٍ غير معهودةٍ وخرج عن المألوف وتعهّد بتغييرِ أسلوبِ معالجةِ قضايا الشأن العام. ولعلَّ هذه الخصائص هي المظهرُ، أما المضمونُ فينطوي على مسألتين مهمتين:

الأولى: التركيزُ الخطابيّ على مفهومِ الشعبِ (العامة) وأولوية الداخلِ وهذا ينسجمُ مع شعاره «أمريكا أولاً» وكانت تغريدة الانسحابِ العسكريّ من سوريا دغدغةً لمشاعرِ الأمريكيين بإظهارِ عدم الرغبةِ بزجِّ الجنودِ الأمريكيين بمزيدٍ من الحروبِ.

الثانية: البُعد العالميّ لرسالةِ الإدارة الأمريكيّة، وعدم استعدادِ واشنطن لتحاربَ بالنيابةِ عن أحدٍ والتزامها براغمايتها. فيما اعتبرت بعضُ الشخصياتِ الانسحابَ انتقاصاً من الهيبةِ الأمريكيّة عالميّاً، ولكن الساسةَ لا يهتمون بمثل هذه القضايا، ولا بفاتورةِ الدم التي تدفعُها الشعوبُ. وبالمجمل لن يغيّرَ ترامب من ثوابتِ السياسةِ الأمريكيّة، ولا يملكُ الصلاحيةَ لفعلِ ذلك.

الانسحابُ الأمريكيّ من سوريا لا يُعتد به استراتيجيّاً، فهو مجرد إعادة انتشار، والوجود الأمريكيّ له ثقله بدولِ الخليج، وهناك مؤشرات واقعيّة للتوجّه الأمريكيّ شرقاً باتجاه البحر الأصفر حيث التحدي الصينيّ.

 

أبعاد التدخل التركيّ

الاحتلالُ التركيّ لمناطق بشمال سوريا تلاعبٌ بالخارطةِ السياسيّةِ التي مرّ قرنٌ عليها وبات حبرُها باهتاً بإحياءِ ميثاقٍ عثمانيّ احتلاليّ تقادمَ وانتهت مفاعيله، ولا يمكن قبوله، ووفقاً لخريطة الميثاق المللي (28/1/1920) قامت أنقرة بثلاث حملات عسكريّة استخدمت فيها مرتزقة سوريين موالين لها (درع الفرات 24/8/2016، وغضن الزيتون 20/1/2018، ونبع السلام 9/10/2019). ومع هذه التغيّرات التي أوجدتها أنقرة بالخارطةِ السوريّةِ فالدولَ ذاتِ العلاقةِ أمام خياراتٍ محددةٍ إما تأكيدُ وحدةِ سوريا بتثبيتِ خارطةِ سوريا الموحّدة والضغط لإنهاء الاحتلال، أو بتغييرها باقتطاعِ أجزاء بالاحتلالِ والسلخ والضمِّ، ومن واجبِ دمشق التدخّلُ والعملُ على حشدِ مواقفَ دوليّةٍ لرفضِ الاحتلالِ، باعتبارها تقودُ الدولة السوريّة، واعتبار تحرير المناطق السوريّة المحتلة (جرابلس والباب واعزاز وعفرين وإدلب وكري سبي/ تل أبيض وسري كانيه/ رأس العين) أولويةً وطنيّةً سوريّةً، وعدم ربط المسألةِ باختلافِ وجهات النظرِ مع النظام السياسيّ القائم، فالخلافاتُ محلها طاولة الحوارِ الوطنيّ.

وينبغي على أوروبا لعبُ دورٍ أكثر فعّاليّة، وإن لم تنتصر للقيمِ الأخلاقيّة والإنسانيّة فعليها الاستعدادُ لقبولِ ولادةِ كيانٍ إرهابيّ في المناطقِ الخاضعةِ للاحتلالِ التركيّ والذي سيُصدّرُ الإرهابَ إليها.

إذا كان ظاهرُ قرارِ الانسحابِ الأمريكيّ ضاراً، إلا أنّه يدحضُ اتهاماتٍ روّجتها موسكو وأنقرة بسعي واشنطن لإقامةِ «دويلة» شرق الفرات، وهو مدعاةُ لحوارٍ سوريّ ـ سوريّ، كما أنّه يفرضُ على السوريين موضوعيّةَ القراءةِ للمشهدِ السياسيّ والتيقّن أنّ تلك الاتهاماتِ كانت بروباغندا سياسيّة في إطارِ التنافسِ الروسيّ – الأمريكيّ ولا تتصلُ بالمواطنين السوريين شمال البلاد الذين أكّدوا انتماءهم لهويتهم السوريّة واقعاً في معاركِ الشرفِ والوطنيّةِ لدحر الإرهاب الذي تدعمه دول تدّعي محاربته، وليتعرّفَ السوريون على حقيقةِ العلاقة مع الجانب الأمريكيّ الذي فرض تدخّله أمراً واقعاً ولم يأتِ تلبيةً لدعوةٍ من السوريين، فكان التعاطي معه ضمن إطارِ محاربةِ الإرهاب، بخلافِ آخرين يستقوون بالمحتلِّ التركيّ ويشكّلون رأس حربته في محاربةِ السوريين.

 

المقاومة قرارٌ وطنيّ

ما يتوجبُ على أبناءِ شرق الفرات وشمال سوريا هو التركيزُ على الخياراتِ الأساسيّة التي تتصل بالوجود وحماية الأهالي، ومواصلة مقاومةِ العدوان بكلّ السبلِ باعتباره قراراً وطنيّاً أخلاقيّاً وفتح آفاق الحوارِ الوطنيّ، بتحريضِ العوامل الوطنيّة لتصحيح سوء الفهمِ للواقع القائم شرق الفرات، ومخاطبة دمشق باعتبارها تديرُ مؤسسات الدولة السوريّة بما فيها الجيش السوريّ، ليضطلعَ بمهمته الوطنيّةِ بصرفِ النظرِ عن تحفظاتِ وهواجس كلّ طرف، والتي يمكنُ إرجاؤها لطاولة الحوار الوطنيّ.

من المهم التأكيد على أنّ العلاقة مع الأمريكيّ لم تتجاوز إطارَ التنسيقِ والانفتاح على موقفٍ إيجابيّ أبدته واشنطن بمكافحة الإرهابِ ولا يمكنُ تحملُ تبعاتِ سياستها بالمنطقةِ، دون التجاوزَ بالعلاقة للتعويل، فمكوّناتُ شمالِ سوريا لم تأتِ إلى حيّزِ الوجودِ بقرارٍ أمريكيّ ولا أمميّ، وهذه حقيقةٌ تاريخيّةٌ، وقد مرّ شعبنا بتجارب كبيرة وعانى ويلاتٍ وحروبٍ ولكنه تجاوزها، وعندما قرّر أن يخوض تجربةَ الديمقراطيّة حلاً شاملاً للأزمةِ السوريّة، فإنّه قدّم دليلاً على أنّه شعبٌ حيّ ويمتلك استعداداً ذاتياً لقيادةِ نفسه وهو ما يفعله اليوم فلا يقبل بوصاية أو بحماية أحد. والمطلوب من الدول الكبرى لجم الجموح التركيّ، ولذلك فالحديث عن فراغٍ بالمنطقة بعد الانسحاب الأمريكيّ افتراضيٌّ لا قيمةَ واقعيّةً له، فالمنطقة لها أهلها ومؤسساتها.

على الكرد وهم من شعوب شمال سوريا أن يدركوا من خلال تجارب الماضي والحاضر أنّ كلّ مشروعٍ يضمن حقوقهم ولو بمجرّدِ التوصيف ناهيك عن الفعلِ سيُواجهُ برفضٍ دوليّ وإقليميّ، وأنّ المشروعُ الديمقراطيّ ومواجهة التحديات يُلزمهم بترتيبِ البيتِ الداخليّ، والتوقفِ عن التكاثرِ الحزبيّ والسياسيّ بآليّة الباراميسيوم عبر الانشطارِ والتوافقُ لقطعِ الطريقِ على محاولةِ تمثيلهم بطرفٍ محددٍ وتغييبِ آخرين، بالتوازي مع الانفتاحُ على مكوّناتٍ وطنيّةٍ سوريّةٍ، وتقديم برنامجٍ متكاملٍ حول المرحلةِ المقبلةِ، وذلك جوهر الحلّ الديمقراطيّ الذي تسعى إليه الإدارة الذاتيّة.

ستخضع المناطقُ التي تحتلها تركيا لنقاشٍ جادٍ، ومن غير المتوقعِ قبول الدولِ الكبرى أن تكونَ حصة تركيا موازيةٌ لها من الكعكةِ السوريّة، ولهذا تستعجلُ أنقرة بإجراءاتِ التغييرِ الديمغرافيّ، وإطلاقِ يد المرتزقة لتضييقِ فرصِ الحياةِ على الأهالي، ودفعهم للهجرة. وإذا كانت كلُّ مرحلةٍ تسبقُ عقدَ جولةٍ لجنيف تشهدُ تسخينِ الميدانِ من قِبل مجاميع المرتزقة، فإنّ الدخولَ في الاستحقاقاتِ النهائيّةِ من شأنه أن يزيدَ من التصعيدِ بين الدولِ وارتفاع نبرةِ التهديدِ، والقاعدةُ الجوهريّةً في سياسةِ الدول الكبرى أنّها تحاربُ عبر تفويضِ دولٍ وجماعاتٍ، إلا أنّها تفاوضُ بنفسها، ولا تفوّضُ أحداً بحضورِ طاولاتِ التفاهمِ.

الثابت في معادلةِ شرقِ الفراتِ أنّ حقوقَ الشعوبِ والمكوّناتِ لن تُختزلَ إلى حمايةِ حقولِ النفطِ والمزاداتِ التي تجريها القوى اللاهثةُ وراء الاستحواذِ على النفطِ والثرواتِ فقط، والإرهاصاتُ الحالية هي مخاضاتُ ولادةٍ جديدةٍ، ستنسفُ معها كلَّ التهديداتِ الوجوديّة، للانتقالِ إلى حالةِ الاستقرارِ والتوازنِ، رغم التحدّيات الجمّة التي تتعرّضُ لها، وهو ما يترقّبه الجميعُ خلال الأيّامِ القليلةِ القادمة، لتتّضحَ أكثر فأكثر خارطةُ التوازناتِ الجديدةِ في سوريا عموماً.