سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

آثار عفرين بين السرقة والتغييب والصمت الدولي الرهيب-2

تحقيق / صلاح أيبو –

نشاطات عدة تُقيمها مديرية الآثار في عفرين، بهدف فضح سرقة الاحتلال التركي للتراث الحضاري الإنساني في عفرين وتخريب ما لا يمكن سرقته، إذ تعرضت عشرات المواقع الأثرية والمزارات الدينية للتدمير والسرقة بشكلٍ مدروس من قِبل الاحتلال التركي ومرتزقته، وأخرها “تلة عين دارة ودرامى، وتلة قرية كمروك ودير بلوط” التي باتت شبه مستوية بسطح الأرض بواسطة جرافات وآليات ثقيلة وتم سرقة عدد من الآثار والتماثيل البازلتية من تلك المواقع. وفيما يلي القسم الثاني من الانتهاكات التركية والصمت الدولي إزاء ذلك.
تل جنديرس من متنزه وموقع أثري إلى ثكنة عسكريّة:
وتطرق التقرير الشهري أيضاً إلى انتهاكات الاحتلال التركي في تل جنديريسة الذي يقع في الجهة الجنوبية من بلدة جنديرس الواقعة إلى الغرب من مدينة عفرين على بعد 20 كم منها، بلدة جنديرس من أكثر البلدات التي تعرضت للقصف (جواً وبراً) والصور الفضائية العائدة لفترة ما بعد الاحتلال تؤكد تعرض التل خاصةً لمئات القذائف الصاروخية ولا نعلم مدى الضرر الذي أحدثته هذه القذائف.
بعد احتلال المنطقة من قبل الجيش التركي والفصائل الموالية له وردت العديد من الأخبار التي تشير إلى تعرض التل لأعمال حفر بهدف البحث عن الكنوز والدفائن الأثرية وقيام سلطات الاحتلال بإنشاء قاعدة عسكرية فوق التل، ووثّقت مديرية الآثار في عفرين تحويل التل لموقع عسكري بالصور، وقال الخبير صلاح سينو في تقريره الشهري: “قمنا باستطلاع الموقع عبر مصادرنا الخاصة ضمن المنطقة والتي بدورها قامت بأداء المهمة وأفادتنا ببعض الوثائق البصرية ( صور ) التي أكدت تعرض التل لعمليات حفر بالآليات الثقيلة في الطرف الجنوبي من منحدر التل والصور الأخرى تظهر جدران إسمنتية مسبقة الصنع قد تكون السور المحاط بالقاعدة العسكرية الآنفة الذكر ولا نعلم مدى الأضرار التي لحقت بالتل نتيجة مجمل ما تعرّض له التل.
ولكن وفق مصادر وشهود عيان من مدينة جنديريسة، والتي أكدت إن جيش الاحتلال التركي والفصائل الموالية له، قامت باستخراج كميات كبيرة من المواد من التل، ووفق الشهود الذين تطابقات شهادتهم، أنه قبل عدة أشهر خرجت ستة شاحنات في الليل محملة بمواد لم يعرف ماهيتها من التل واتجهت إلى الحدود التركية، ولكن الشيء المشترك بين شهادات الشهود وفق مصادرنا هو وجود ما يشبه تمثال بطول يتجاوز المتر والنصف في إحدى الشاحنات وكانت جميع الشاحنات مغطاة بقماش يمنع ملاحظة ما في داخله.
وأورد التقرير الشهري للمديرية موقع أخرى تعرض للتدمير والنهب، وهو تل دير بلوط الأثرية، يقع التل جنوب غرب مدينة عفرين على بعد ( 30 ) كم تقريباً ويتبع إدارياً لناحية جنديرسة غربي قرية دير بلوط ويبعد عن مركز الناحية حوالي ( 6 ) كم ويعرف التل محلياً وفي المراجع والوثائق الإدارية العائدة للقرن التاسع عشر بتل الجاجية والجدير بالذكر أن التل مسجل في قيود مديرية الآثار السورية بالقرار رقم ( أ / 244 ) لعام 1981 والصور الواردة من المنطقة تؤكد وتُظهر قيام سلطات الاحتلال والفصائل الموالية له باستخدام آليات ثقيلة ( بلدوزر ) في إجراء أعمال حفر على التل حيث تظهر الآلية الثقيلة في نقطتين على التل إحداها في جنوب قاعدة التل والأخرى على السفح ولا نعلم تماماً مدى الضرر الذي تم إلحاقه بالتل ونوعية المكتشفات التي ظهرت خلال الحفر.
ما هو مصير القطع الأثرية المُستخرجة في ظلِّ الاحتلال؟
وعن مصير القطع الأثرية المكتشفة حديثاً في عفرين، يقول الرئيس المشترك لمديرية الآثار في عفرين، أن مصيرها مُبهم وغالبية القطع التي تستخرج يتم سرقتها وبيعها في تركيا، وأخرى تقوم سلطات الاحتلال بحد ذاتها بسرقته في وضح النهار دون المبالاة بالقوانين الدولية، وتطرق الخبير صلاح سينو لبعض القوانين الدولية التي تمنع تدمير التراث الإنساني، وتابع “لم يتركوا موقعاً أثرياً إلا وتعرّض للسرقة والتخريب وفي وضح النهار بالآليات الثقيلة والصور الموثّقة العائدة لفترة الاحتلال تؤكد تعرض مواقع عفرين الأثرية للانتهاك والتعدي كمواقع عين دارة والنبي هوري (سيروس) وخرابي رازه وتل جنديرس وتل ميدانكي، إضافةً إلى عشرات المزارات والأماكن الدينية، أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي في تحدٍ فاضح وسافر للقوانين والمواثيق الدولية الخاصة بحماية التراث الإنساني أثناء النزاعات المسلحة”.
ومن بين هذه الاتفاقيات، اتفاقية لاهاي لعام ( 1954) وبروتوكوليها المعتمدين عام ( 1991 – 1999) واليونسكو (1970) و(1972) كما شدد البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977 على حماية الممتلكات الثقافية والتي نصت في المادة ( 53 ) على أن تحظر ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي والروحي للشعوب، اعتبرت المادة ( 56 ) شن الهجمات بغرض تدمير الآثار التاريخية انتهاكاً جسيماً لأحكام البروتوكول وجاء البروتوكول الثاني من نفس الاتفاقية في المادة ( 16 ) التي تنص على حماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب النزاعات ذات الطابع الغير دولي.
إضافة إلى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن ذو الرقم ( 2139 ) لعام 2014 الذي دعا جميع الأطراف إلى إنقاذ التنوع الثري للمجتمع السوري وتراث سوريا الثقافي واتخاذ الخطوات المناسبة لحماية مواقع التراث العالمي في سوريا وقرار مجلس الأمن ذو الرقم 2199 لعام 2015 الذي ينص على حظر الاتجار بالممتلكات الثقافية في العراق وسوريا والقرار ذو الرقم ( 2347 ) الذي صدر واتُخذ بإجماع أعضاء مجلس الأمن عام 2017 والمعني بحماية التراث الإنساني”.
متى ستتحرك المنظمات الدوليّة؟
وناشدت مديرية الآثار بعفرين مجلس الأمن والمنظمات الأممية ذات الصلة ( اليونسكو ) بتفعيل قراراتها واتفاقياتها ومواثيقها التي تركيا من الأطراف التي وقّعت عليها وإيقاف الانتهاكات التي تحصل بحق المواقع الأثرية حتى هذه اللحظة وملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم التي تندرج تحت مسمى جرائم الحرب باعتبار هذه المواقع هي مُلك للبشرية ككل وليست حكراً على منطقة عفرين والضغط على الدولة التركية لسحب قواتها والفصائل الموالية لها والتي أثبتت بالأدلة الدامغة بعدها عن الحضارة والتمدن وقامت بتحويل منطقةٍ آمنة إلى بؤرة توتر يخشى الإنسان العيش فيها، آملين أن يلقى بياننا هذا آذاناً صاغية وعقلاً منفتحاً على السلام.
تلك الصور التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية الأسبوع الماضي، دفعت مديرية الآثار في حكومة النظام للخروج عن صمتها إزاء انتهاكات الاحتلال التركي لتخرج بدعوة خجولة للمنظمات الدولية لمنع تركيا من نهب الآثار في عفرين وباقي المناطق السورية المحتلة من قبلها، لكن ما تزال حكومة النظام السوري لا تتحرك وفق المطلوب لتحريك ملف الاحتلال التركي للأراضي السورية، إلا بعض التصريحات الخجولة لنفض الغبار عن كاهلها، وهذا يؤكد أن النظام السوري لا يتحرك من واجب وطني سوري في هذا المجال بل يراعي مصالح الدول المتحكمة بالقرار السوري.

التعليقات مغلقة.