سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

النظام العالميّ الجديد

محمد داوود داوود –
 
النظام العالميّ مصطلح حديث، اقترن ظهورُه بثورة العلم والتقنية التي شهدها عالمنا حوالي منتصف القرن العشرين والتي أحدثت ثورةً في الاتصال بين أنحاء العالم المختلفة.
استخدمت في هذا المصطلح كلمةُ النظام التي يجري استعمالها في أكثر من علم، وهي تعني اصطلاحاً بصورة عامة مجموعة القواعد والاتجاهات العامة التي فيها بعضهم ببعض وتربطهم بغيرهم ويقوم عليها بناء سياسيّ أو اجتماعيّ أو اقتصاديّ أو ثقافيّ، وما يجري في هذا البناء من تفاعلات والعلاقات المحدّدة لطريقة أداء العمليّة السياسيّة. كما استخدمت في هذا المصطلح كلمة العالميّ لينتسب النظام إلى العالم كله، ويكون شاملاً الكرة الأرضيّة.
في مناخ الانتصارات العسكريّة والسياسيّة على الاتحاد السوفياتيّ السابق وشيوعيّته طرح في التداول تعبيرُ النظام العالمي الجديد، وكان هذا التعبير عند طرحه وبعد سحبه يعكس ظافريّة مبرّرة إذ ما نُظر إليه من زاوية الإنجازات المحقّقة وحجم الهزائم التي حصدها الأعداء مع ذلك كان في ثقافة الغرب الليبراليّة ما يبعث على التحفظ عن مثل هذا التعبير فهو يشي بقدر من الخلاصيّة والانقلابيّة اللتين تدل إليهما كلمة «الجديد»، كما ينمّ عن تسرّع إنجازيّ يكاد يكون سينمائيّاً: النظام العالميّ وبصورة إجماليّة لاح «النظام العالميّ الجديد» تبسيطاً يغفل عن تعقيدات انهيار»النظام» السابق والكيفيات التي تتخذها التحوّلات الناشئة وهي في سائر الأحوال لا تنحو نحواً لولبيّاً صاعداً ومتفائلاً.
تدريجيّاً حصل تغيران ملحوظان: من ناحية، بدأ يتراجع استعمال هذا التعبير على ألسنة السياسيين والكتاب والصحفيين وغيرهم، ومن ناحية أخرى راح المصطلح عند استعماله يتكون باحتماليّة وتجريب ونسبيّة فيطرح كفرضيّة، وغالباً ما يُوضع بين مزدوجين وأحياناً قبل علامة استفهام أو حتى علامة تعجب.
ومع التظاهرة الدوليّة الأولى لـ «النظام الدوليّ الجديد» في ريودو جاينرو ظهر أنّ الأمور تنطوي على قدر من التناقض، فالولايات المتحدة لن تسمح في ظلِّ هذا النظام أن يطال نظامها بأدنى نقدٍ وأدنى اعتراض، وجدت نفسها في القمة البرازيليّة عرضةً للنقد الدوليّ الذي يكاد أن يكون مقاطعة، والنظام العالميّ الجديد وريث غير شرعيّ لشعار قديم «النظام الاقتصاديّ الدوليّ الجديد» الذي طرحته حركة عدم الانحياز على لسان هواري بومدين في الأمم المتحدة عام 1974. ولكن لأهداف ومضامين مناقضة لما يُراد منه اليوم.
يُعرف النظام العالميّ الجديد بأنّه ما يقوله الرئيس الأمريكيّ، ذلك أن ما يُقصد به اليوم هو إقامة نظام عالميّ موحّد وتحت قيادة واحدة يخضع لنظام اقتصاديّ وإرادة سياسيّة وعسكريّة واحدة، وقد أصبح طرحه معللاً بعد انهيار المعسكر السوفييتيّ اقتصاديّاً وسياسيّاً والذي جرَّ معه انهياراً شبه تام لبلدان العالم الثالث كقوة سياسيّة على الساحة الدوليّة بحيث أنّ مؤسسة عالميّة كحركة عدم الانحياز قد أخرجت من المعادلة الدوليّة مع سقوط المعسكر السوفييتيّ
مضامين النظام العالميّ الجديد في الرؤية الاستراتيجيّة الإمبرياليّة
أولاً: تغيب الاختلافات والتمايزات بين الأمم والقفز من فوقها دون دمج فعليّ لها في النظام العالميّ.
ثانياً: نفي نظريّ لأيّ تناقض في المصالح بين وحدات النظام سواء أكان إقليميّاً أم عالميّاً.
ثالثاً: اعتبار الاستقرار والمحافظة على الوضع القائم أموراً مطلقة أساسيّة بالنسبة لأصحاب مشروع العولمة والنظام الجديدين.
رابعاً: إنّ قضايا مثل أصل المشاكل ونشوئها وتطورها داخل وبين وحدات النظام الإقليميّ أو الكليّ لا تطرح ولا وجود لها في مشروع النظام الجديد. وتُعالج المشاكل من خلال مقولات (الأمن والسلام والتكيّف والتنمية) ويمنع طرح أسئلة مثل: الأمن لمن؟ والتنمية لمصلحة من وكيف؟ والسلام كيف ولمن ؟…إلخ.
خامساً: النظام الإقليميّ «الشرق الأوسط الجديد» كالنظام العالميّ الجديد مغلق، وهنا المفارقة الكبرى، إذ نجهل كيفية تغيّره ثم إنّ مستقبل الوحدات في النظام الإقليميّ ومستقبل الكتل الإقليميّة يقرّرها رأس النظام الكليّ «الولايات المتحدة الأمريكيّة»، إذ لا يُسمح بتغيير العلاقات البنيويّة بين وحدات النظام الإقليميّ فالتراتب وميزان القوى ما بين الوحدات دائمان وأبديان، والقيادة داخل النظم الإقليميّة أبديّة كالقيادة على مستوى النظام الكليّ هي قيادة الولايات المتحدة فقط، كما أنَّ عدم التغيير والاستقرار مهام جوهريّة من القواعد الأساسيّة في مشروع النظام العالميّ الجديد وشعار الشرق الأوسط الجديد.
سادساً: كلّ التصرفات الإسرائيليّة لمنع العرب من امتلاك أسباب القوة يدعمها ويبررها رأس النظام الإمبرياليّ.
سابعاً: فقدان سيطرة وحدات النظام الإقليميّ على علاقاتها الخارجيّة والنظام العالميّ الجديد هو هيمنة اقتصاد السوق الإمبرياليّة المتوحّش وتسويق للقيم الثقافيّة الغربيّة لكافة شعوب الأرض باعتبارها قيماً عالميّة وحيدة.
إنه نظام إلغاء التعدد الثقافيّ والسياسيّ والنظام الجديد إفراغٌ للمواطنة من محتواها فهل يبقى معنى لمفاهيم مثل السيادة والاستقلال والقوميّة والدولة أمام تعميم اقتصاد السوق؟ هل يمكن أن تظل الدولة عربيّة كانت أم أوروبيّة أم آسيويّة ذات سيادة إذا جرّدت من التحكّم باقتصادها الداخليّ وهل من يخسر السيادة الداخليّة يبقى سيداً؟
إنّ دولة دون اقتصاد، بناءٌ فارغٌ، بيضةٌ فاسدةٌ، ومعلوم أنّ الليبراليّة معادية للحدود وأنّ رأس المال لا وطنَ له، هنا يمتزج الاقتصادُ بالسياسة وبالثقافة وتبرزُ خطورةُ عولمة اقتصاد السوق.
إن اقتصاد السوق وعالميّته لم يبدأ مع جورج بوش وإعلانه عن ولادة النظام العالميّ الجديد، فقد وُلد هذا السوق مع تمدّد النظام الرأسماليّ والقبول باتفاقيات التجارة الدوليّة وفقاً لما تفرضه الشركات عابرة القارات حيث صار الحديث عن عولمة الاقتصاد يأخذ بعض المصداقيّة، إنّه إفراغ للاستقلال وانهيار للفضاءات السياسيّة وتصاعد للانتماءات الجهويّة والقبليّة والدينيّة ليس في بلاد العرب بل في بلدان العالم الثالث كافة، إنّه فوضى عالميّة وإفرازٌ لردود ثقافيّة لدى كلّ مهمشي الكون حيث يؤدي إلى:
ــ مشروع قوميّ شوفينيّ في أوروبا ومشاريع انفصاليّة عرقية ثانويّة في بلدان العالم الثالث.
ــ مشروع دينيّ متعصب في البلدان الإسلاميّة والمسيحيّة أيضاً.
ــ مشروع عرقيّ – قبليّ في كافة الجهات.
ــ إنّه إمبراطوريّة الفوضى، لأنّ منطلق الرأسماليّة المتوحّشة ليس بناء نظام وليس مؤشراً على الرفاهية بل باعثاً على التفكك الاجتماعيّ والفوضى السياسيّة والتفقير المعمم.