لا يمكن أن تكون التحولات الكبرى وليدة الصدفة أو نتاج طفرات ميدانيّة مفاجئة، بل هي تجلٍّ لخطةٍ استخباراتيّةٍ بعيدة المدى تديرها غرف عمليات دوليّة. ويمثل مبدأ “الأمور بخواتيمها” البوصلة الوحيدة لتفكيك مشهد اليوم في سوريا والذي يحظى بدعم واشنطن والرياض، ويعيدُ للذاكرة البدايةَ ونقطة انطلاق خطة التعاون بين الجانبين أواخر سبعينات القرن الماضي في أفغانستان كعملية استخباراتيّة عسكريّة أمريكية بتمويل سعوديّ، والفرق يتجاوز الجغرافيا ما بين المنطلق في أفغانستان وولادة القاعدة، ومسعى التوطين في سوريا.
خمسة عقود من التحولات
خلال العقود الخمسة الماضية التي فصلت بين الميدانين الأفغانيّ والسوريّ، طرأت تحولاتٌ بنيويّةٌ عميقةٌ لإعادةِ هندسة الشرق الأوسط وجرى توظيفها لخدمة استراتيجية واشنطن الكبرى. وبدأتِ التحولاتُ بخروج مصر عن الإجماع العربيّ بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في 17/9/1979، وفيما كسبت واشنطن بتحييد دور مصر فقد خسرت بإسقاط نظام شاه إيران محمد رضا بهلوي ووصول الخميني إلى طهران في 1/2/1979 لتتغيّر سياسة إيران الخارجيّة بالكامل. ويبدأ العراق بدعم عربيّ وغربيّ الحربَ عليها في 22/9/1980 واستمرت حتى 20/8/1988. والخسارة الثانية كانت بغزو الجيش السوفييتيّ أفغانستان في 25/12/1979، ولتبدأ مقاومته بدعم أمريكيّ وتمويل سعوديّ وبروز ظاهرة “الأفغان العرب” واستمرت المقاومة حتى الانسحاب السوفييتي الكامل في 15/2/1989.
في تركيا أُسِّس حزب العمال الكردستانيّ في 27/11/1978 ليحييَ القضيةَ الكرديّة بعد عقودٍ من السباتِ، وبدأ نضالاً مسلحاً ضد الجيش التركيّ، ليأتي بعدها انقلابُ كنعان إيفرين دمويّاً في 12/9/1980 بدعمٍ ومباركة واشنطن. وشهدت سوريا نهاية السبعينات ومطلع ثمانينات القرن الماضي أحداثاً دمويّة عُرفت بأحداث الإخوان المسلمين وشكّلت شرخاً تاريخيّاً في بنيةِ المجتمع. وبالتزامن مع هذه المتغيراتِ اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982، ليتأسس حزب الله كذراعٍ عقائديّةٍ قوية موالية لطهران لا تخضعُ للمنظومة الغربيّة.
واستمرت تداعيات هذه المتغيرات حتى بدأت واشنطن بخطةٍ متدرّجةٍ لإعادة رسم خريطة المنطقة سياسيّاً بحواملَ دينيّةٍ إسلاميّة انطلاقاً من تركيا بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في 3/11/2002 بعد أقل من سنة على تأسيسه. لخلقِ نموذجِ حكمِ الإسلام السياسيّ، وباكتمالِ النموذج مبهراً المجتمعاتِ العربيّةَ بُدئ بتعميمه على دولٍ عربيّة باسم “الربيع العربيّ” مطلع عام 2011.
يكشفُ مشهدُ المنطقة اليوم أنّ واشنطن استطاعت تصفيةَ وتفكيك الموانعَ التاريخيّة لخطتها في الشرق الأوسط، ويمكن إيجاز المشهد بعناوين عامة هي: حرب غزة وتدميرها وإضعافُ حماس ومن بعده حزب الله، وإسقاط النظام السوريّ في 8/12/2024 وتمكين هيئة تحرير الشام من الوصول إلى دمشق وتسلم السلطة بمشاركةِ الإخوان المسلمين، ولتصل إلى مرحلةِ الحرب المباشرة على إيران، ومع الرعاية الأمريكيّة للتنسيق السعوديّ ــ التركيّ يُستعاد مشهدُ نهاية السبعينات، ولكن فيما كانت البداية في أفغانستان تبعتها انتقالات متتالية لما يسمى بالجهاديين، كانتِ النهاية في سوريا مع مسعىً واضحٍ للتوطين، وفي تركيا أعلن حزب العمال الكردستانيّ إنهاء مرحلة الكفاح المسلح لينخرط في عملية السلام والمجتمع الديمقراطيّ.
الأفغان العرب وتأسيس القاعدة
من المهم مراجعة ظاهرة الأفغان العرب لسببين جوهريين، الأول توصيف الحرب في سوريا بالأفغنة، والثاني وصول هيئة تحرير الشام بجذورها القاعديّة إلى السلطة في سوريا، انتقالاً من الميدان العراقيّ.
يتجاوزُ المصطلح الدقيق للأفغنة التوصيفَ السطحيّ لطبيعةِ الصراع المسلّح في سوريا، ويتعلق بمفهومٍ بنيويّ مركب يرتكز على تحويلِ رقعةٍ جغرافيّة معينة إلى ساحةِ استنزافٍ مفتوحةٍ ومستدامة، تتلاشى فيها سلطة الدولة المركزيّة لصالح أمراء الحرب والمجموعات المسلحة، مع تغذيتها بتمويل دوليّ غير مشروط بهدفِ إنهاك خصم استراتيجيّ كبيرٍ دون أفقٍ لحلٍّ سياسيّ قريب.
نشأت الظاهرة تاريخيّاً نهاية سبعينات القرن الماضي مع الغزو السوفيتي لأفغانستان، من خلال التنسيق الاستخباراتيّ بين واشنطن والرياض، وتحوّلت أفغانستان إلى بؤرة الاستقطاب ما تسمى بالجهاديّ الأولى في العصر الحديث وتقاطر المسلحون من مختلفِ الدول العربيّة مدفوعين بالشحنِ الأيديولوجيّ. وفي عام 1984 أسس أسامة بن لادن وعبد الله عزام مكتب خدمات المجاهدين لتجنيد وتدريب المتطوعين العرب (الأفغان العرب) لقتال السوفييت.
برز تنظيم “القاعدة” من رحم ظاهرة “الأفغان العرب”، ففي 11/8/1988، عُقد الاجتماع التأسيسيّ الأول في بيشاور الباكستانيّة لإنشاء تنظيمٍ مستقلٍ لتوثيق وتوجيه جهود هؤلاء العناصر في كيانٍ دائم، على يد نواة من قياداتٍ عربيّةٍ توافدت إلى باكستان وأفغانستان، وبرزت أسماءٌ قادت التحوّل الهيكليّ للفكر “الجهادي”ّ، وفي مقدمهم السعوديّ أسامة بن لادن، والمصريّ أيمن الظواهري، والفلسطينيّ عبد الله عزام صاحب فكرة “الجهاد العالميّ” وربط الساحات، وأبو محمد عاطف (أبو حفص المصري) والمصريّ علي أمين الرشيدي (أبو عبيدة البنشيري) وممدوح سالم (أبو هاجر العراقيّ)، ومحفوظ ولد الوالد (أبو حفص الموريتاني). وبرزت من الأسماء: أبو جهاد المصريّ وأبو مصعب السوريّ (مصطفى ست مريم نصار) ومحمد بهايا (أبو خالد السوريّ).
الانتشار وتعدد الجبهات
كان الهدف المركزيّ لدى التأسيس مواجهة المد الشيوعيّ ونظام كابل الموالي للاتحاد السوفيتيّ. وباكتمال الانسحاب السوفيتيّ في 15/2/1989، عاد كثيرٌ من الأفغان العرب إلى بلدانهم بمن فيهم بن لادن، وتجنبوا صراع الأفرقاء الأفغان، ومع بداية الغزو العراقيّ للكويت، جرّدته السعودية من جنسيتها، بسبب موقفه الرافض لوجود القوات الأمريكيّة ليُضطر عام 1991 للانتقال إلى السودان، وكات حينها في قبضة الإخوان المسلمين، بعد انقلاب عسكري باسم “الإنقاذ”. ثم عاد إلى أفغانستان عام 2001، وحظي التنظيم بحماية حركة طالبان. وفي صدمة الارتداد وقع في 25/6/1996تفجير الخبر في السعودية.
في شباط 1998 كان التحوّلُ إلى العالميّة وأسس بن لادن وأيمن الظواهري “الجبهة الإسلاميّة العالميّة للجهاد ضد اليهود والصليبيين”، ليتغيّر هدف التنظيم الأساسيّ نحو استهداف الولايات المتحدة ومصالحها وحلفائها حول العالم. ووقعت سلسلة تفجيرات منها الهجوم على سفارتي الولايات المتحدة في كل من كينيا وتنزانيا، في 7/8/1998 وسقوط 224 قتيلاً. وتدمير المدمرة الأمريكيّة في عدن باليمن في 13/12/2000. ما أوقع 17 قتيلا و38 جريحاً في صفوف مشاة البحرية الأمريكيّة (مارينز).
شكلت أحداث 11 أيلول 2001 وتدمير برجي التجارة العالميّ التحوّل الأبرز في موقف واشنطن، فبدأتِ الحرب على أفغانستان في 13/11/2001 للإطاحةِ بحكومة طالبان وتفكيك تنظيم “القاعدة” واستمرت 20 سنة واكتمل الانسحاب الأمريكيّ من أفغانستان في 3/8/2021، وامتد نفوذ القاعدة وانتشر في عدة دول بتأسيس فروع إقليميّة بايعت القيادة المركزية، أبرزها:
تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين (العراق): أُسِّس عام 2004 بقيادة أبو مصعب الزرقاوي.
تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلاميّ: أُسس عام 2007 متحولاً عن الجماعة السلفيّة للدعوة والقتال الجزائريّة.
تنظيم القاعدة في جزيرة العرب: أُسس عام 2009 بدمج الفرعين اليمنيّ والسعوديّ ونشط في البلدين.
جبهة النصرة في سوريا: أُسست أواخر عام 2011 كفرع للتنظيم في الشام، وتمركزت في إدلب. وأصدرت أول بيان لها في 24/1/2012 ودعت للجهاد وحمل السلاح.
وشاركت القاعدة في القتال في عدة بلدان منها البوسنة والهرسك (1992 ـ 1995) والصومال عام 1993 وبرز دورهم عام 2006 بعد تأسيس حركة الشباب المجاهدين، كما شاركوا في حرب القوقاز وبخاصة حرب الشيشان الثانية 1999.
بداية التعويم
توصلت واشنطن إلى قناعة بإمكانية احتواء القاعدة كما كانت بداية الأفغان العرب بكونهم طاقة قتاليّة أيديولوجيّة يمكن توجيهها وفتح أقنية لوجستيّة صامتة لها للتحرك تلقائيّاً نحو ساحات جديدة لإنهاك الخصوم مستغلةً اندفاعهم العقائديّ الذاتيّ، دون إدراك عناصر التنظيم أنّهم يخدمون أهداف الخصم الدوليّ، لتجني واشنطن بالنهاية العوائد الجيوسياسيّة المطلقة. وهذا ما يفسّر قتال “القاعدة” ضد الشيوعية السوفيتية في أفغانستان وضد الصرب حلفاء روسيا في البوسنة والهرسك ثم دعم الشيشان ضد روسيا، وفي المحطة الأخيرة قاتلوا النظام السوريّ البائد حليف موسكو واستهدفوا القوات الروسيّة في سوريا.
صنّفت الولايات المتحدة “جبهة النصرة” منظمة إرهابيّة رسميّاً في 11/12/2012، وبالمثل أدرجها مجلس الأمن الدوليّ في 31/5/2013، بسبب ارتباطها بتنظيم “القاعدة”. وخلافاً لتقاليد القاعدة اتخذت النصرة أول خطوة براغماتيّة بإعلان فك ارتباطها عن “القاعدة” وتبنّي اسم “جبهة فتح الشام” في 28/7/2016، وفي خطوةٍ ثانية اندمجت الجبهة في 28/1/2017 مع عدة مجموعات لتشكيل “هيئة تحرير الشام”، وفي خطوة إضافيّة أعلنت تشكيلَ ما سمّته “حكومة الإنقاذ في 2/11/2017.
وفي 31/5/2018 أدرجتها واشنطن في لائحة الإرهاب وقال بيان الخارجيّة الأمريكيّة: “تغيير جبهة النصرة لاسمها يندرج في إطار محاولة التضليل والخداع حيث غيّرت ثوبها ولم تغير جلدها في خطوة اعتبرتها واشنطن مجرد محاولة من القاعدة لإعادة تشكيل نفسها”.
في الفترة 1ــ 14 شباط 2021 زار الصحفي الأمريكيّ مارتن سميث من شبكة PBS الأمريكيّة، ومقدم برنامج فرونت لاين إدلب والتقى بزعيم هيئة تحرير الشام الذي قدّم نفسه قائداً محليّاً منفصلاً عن “القاعدة”، وأكّد أنّهم لا يشكّلون أيّ خطرٍ أمنيّ أو عسكريّ على الولايات المتحدة أو الدول الغربيّة. وشدد على أنّ نشاطه العسكريّ محصورٌ داخل الحدود السوريّة، وضد النظام السوريّ البائد وحلفائه فقط. وبعث برسالة طمأنة للأمريكيين بظهوره ببدلةٍ رسميّة. وقوبلت تصريحاته برفض أمريكيّ وانتقاداتٍ حقوقيّة سوريّة واسعة.
وفي خطوة من جانب الاحتلال التركيّ لتعويم الهيئة استخدمتها كعصا تأديب ميدانيّة لضبط الشمال السوريّ وتفكيك مجموعات مسلحة أبدت عدم الالتزام بسياسة أنقرة، وبدأت الهيئة عمليّة عسكريّة في 10/12/2022 ووقفت إلى جانبها مرتزقة “الحمزات وسليمان شاه”، وبعد أربعة أيام سيطرت على عفرين وقوّضت الفيلق الثالث (الجبهة الشاميّة، وجيش الإسلام)، وفي أيلول 2024 دعمت الهيئة تحالف مرتزقة “الحمزات وسليمان شاه ضد “صقور الشمال” الذي رفض فتح معبر أبو الزندين فأصدرت ما تسمى الحكومة المؤقتة في 17/9/2024 قرار حلّه.
المقايضات الدولية والضبط الإقليميّ
رفضت واشنطن انفراد أنقرة وتحويل كامل مساحة سوريا إلى محمية تركيّة وهذا سر استبعاد مرتزقة أنقرة لتكونَ بديلةً عن النظام. وفي هذا السياق دفعت واشنطن بقوةٍ نحو تنسيق سعوديّ ــ تركيّ وأنتج التنسيق صيغةَ توازن تمسك فيها تركيا بالملف الأمنيّ والعسكريّ للمجموعات، وتتولى الرياض بثقلها الماليّ والدبلوماسي احتواء سلطة الشرع عربيّاً، وترتيب الغطاء الدوليّ لرفع مفاعيل عقوبات قيصر وتأمين لقائه مع الرئيس الأمريكي ترامب في 14/5/2025، ليكونَ القرار السوريّ مديناً للتنسيق وليس لطرفٍ وحده.
اُستبعدت قوات سوريا الديمقراطيّة (قسد) رغم فعاليتها الميدانيّة، وتبنيها خطاباً علمانيّاً تعدديّاً من شأنه أن يقود إلى انفتاح وشراكة وطنيّة مع كافة الأطياف السوريّة (العلويين والدروز والمسيحيين والشيعة)، وهذا ما يعطّل خطة الفرز الطائفيّ الحاد المطلوبة أمريكيّاً لمواجهة إيران، فضلاً عن غياب الحافز العقائديّ الجهاديّ لدى قسد لمقاتلة الميليشيات الموالية لطهران، علاوة على الرفضِ التركيّ المطلق لأيّ صيغةِ حوكمة تضمن حقوق الكرد خشية انتقال العدوى إلى داخل أراضيها.
وبذلك تحولت هيئة تحرير الشام إلى خيار ضرورةٍ توافقيّ دوليّ، لامتلاكها الشحنة العقائديّة القادرة على قطع ممر الإمداد الإيرانيّ وإدارة الجغرافيا بأمنيّةٍ صارمةٍ تضمن مصالح الدول القائمة. بعدما خضعت لعملية هندسة وتأهيل إعلاميّ وسياسيّ طويلة لتعويمها وإخراجها من عباءة القاعدة وإلباسها ثوب “سلطة الأمر الواقع المنضبطة”. وأضحت الهيئة نقطة تقاطع مصالح نادرة، ما بين تركيا التي لا ترغب بالانسحاب من المناطق تحتلها في سوريا. وروسيا التي وفضّلت البقاء المجاني في قاعدة حميميم الجويّة وقاعدة طرطوس البحريّة بضمانات من السلطةِ الجديدة، على مواصلة الدفاع عن نظام تداعى ذاتيّاً وأثبت عقمه وأضحى عبئاً عليها وهي المنشغلة في جبهة أوكرانيا التي بدأت في 24/2/2022، وأخيراً إسرائيل المتوافقة مع واشنطن شرط الالتزام بقواعد فكّ الاشتباك وهدنة غير معلنة.
توطين القاعدة
تلخص الخارطة السياسيّة والميدانية لسوريا محصلة الصفقات الكبرى بين العواصم الفاعلة، والتي أسفرت عن استبدال النفوذ الإيرانيّ غير المنضبط بنموذج منضبط تديره واشنطن وأنقرة والرياض من خلف الكواليس.
سوريا تحت مجهر واشنطن تراقب عن كثب سلوك السلطة التي دعمتها وأخرجتها من إدلب وأوصلتها إلى دمشق خلال 11 يوماً بعد توافق دوليّ ومتغيّرات إقليميّة بنيويّة وجيوسياسيّة، وهي لم تمتعض من منح مسلحين أجانب رتباً عسكريّة عالية أو حتى منحهم الجنسيّة السوريّة. فقد تابعت تفاصيل التحولات البراغماتيّة وعملية المأسسة التدريجيّة بدءاً من تحول النصرة ــ فرع القاعدة في سوريا إلى فتح الشام ومنها إلى هيئة تحرير الشام وصولاً إلى السلطة في دمشق، ورفعت اسم الهيئة من لوائح الإرهاب وأنهت مفاعيل قانون قيصر. وهي لا تهتم أبداً بجنسيات المسلحين في سوريا والقضايا الحقوقيّة، بل الهاجس الأكبر لها ولحلفائها تاريخياً هو “الجهاد المعولم” العابر للحدود، الذي يستهدف مصالحها في الخارج.
وما يحدث اليوم هو “توطين القاعدة” في سوريا وإنهاء حالة “السيولة الجهاديّة” وهذا ما تطلب مجمل الإجراءات التي اتخذتها سلطة دمشق المؤقتة وكذلك قرارات واشنطن إزاءها. وكما كانت البداية في أفغانستان بدعم أمريكيّ وكانت مركز استقطاب “جهاديّ” ثم كان العراق، تسعى واشنطن إلى أن تكون سوريا المحطة الأخيرة، بالتحول من التنظيم إلى الدولة والإمساك بالسلطة لتضمّ المسلحين الأجانب إلى هيكليّة يمكن مراقبتها ومحاسبتها سياسيّاً.
المشهد الحالي يشبه نسبيّاً نموذج اتفاق الدوحة لإحلال السلام في أفغانستان” بين الوفد الأمريكيّ وحركة طالبان في 29/2/2020 وكان شرط واشنطن الأساسيّ “ألا تُستخدم الأراضي الأفغانيّة منطلقاً لهجمات خارجيّة”، بغضّ النظر عن طبيعة الحكم.