شهدت العلاقات التركية ـ الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة تحولاً دراماتيكياً، نقلها من مرحلة التوتر السياسي المزمن إلى مستوى غير مسبوق من التصعيد العلني والميداني، حتى باتت لغة التهديد والتصريحات النارية، والتحركات العسكرية، تتقدم على أي حديث عن الوساطات أو إدارة الخلافات، وبينما تبدو الأزمة في ظاهرها مرتبطة بحرب غزة والملف السوري، فإن القراءة الأعمق تشير إلى أن ما يجري هو صراع على النفوذ وإعادة رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط، بعد سلسلة التحولات التي شهدتها المنطقة منذ نهاية عام 2024، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية الإيرانية وما تبعها من متغيرات سياسية وعسكرية خلال عام 2025وعام 2026 الحالي.
وفي خضم هذا المشهد، تتبادل أنقرة وتل أبيب، الاتهامات، وتتصاعد المواجهة بينهما على مختلف المستويات، فيما يبقى المدنيون في سوريا، وغزة، ولبنان هم الخاسر الأكبر، بينما تستمر الدولتان في تقديم مصالحهما الاستراتيجية باعتبارها الأولوية المطلقة.
من القطيعة الدبلوماسية إلى الحرب الاقتصادية
لم يكن قرار رئيس النظام التركي أردوغان، في تشرين الثاني 2024، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل حدثاً منفصلاً عن السياق الإقليمي، بل شكّل بداية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية، التي أخذت بالتوسع تدريجياً، وعلى الرغم من أن العلاقات بين البلدين شهدت أزمات متكررة منذ حادثة سفينة “مرمرة” عام 2010، فإن السنوات اللاحقة شهدت محاولات متبادلة لإعادة التطبيع، بلغت ذروتها في عامي 2022 و2023 عبر تبادل السفراء واستئناف الاتصالات الأمنية والاقتصادية.
لكن حرب غزة قلبت تلك المعادلة بالكامل، فقد تصاعد الخطاب التركي بصورة غير مسبوقة، وبدأت الحكومة التركية، تتخذ سلسلة من الإجراءات التصعيدية، وصولاً إلى إعلان وزير الخارجية هاكان فيدان، في 29 آب 2025 تعليق جميع العلاقات الاقتصادية، والتجارية مع إسرائيل، وإغلاق الموانئ التركية أمام السفن الإسرائيلية، ومنع الطائرات الإسرائيلية من استخدام المجال الجوي التركي.
ويمثل هذا القرار ضربة اقتصادية مهمة، نظراً لأن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز خلال السنوات الأخيرة عدة مليارات من الدولارات سنوياً، رغم استمرار الخلافات السياسية، وهذا يعكس حقيقة لافتة؛ فحتى في أشد مراحل التوتر السابقة كانت التجارة تستمر، أما اليوم فقد انتقلت أنقرة إلى مرحلة استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي مباشر.
غير أن هذه الخطوات لا تعني بالضرورة نهاية المصالح الاقتصادية بصورة كاملة، إذ إن الأسواق الإقليمية اعتادت على إيجاد طرق بديلة للتبادل التجاري عبر دول وسيطة، الأمر الذي يجعل كثيراً من العقوبات السياسية أقل تأثيراً مما تبدو عليه إعلامياً، بينما يتحمل المواطنون والتجار والشركات أعباءها المباشرة.
سوريا ساحة صراع بين أنقرة وتل أبيب
إذا كانت غزة تمثل عنوان المواجهة الإعلامية، والسياسية، فإن سوريا أصبحت الميدان الحقيقي للتنافس بين تركيا وإسرائيل، فمنذ سقوط نظام الأسد ودخول البلاد مرحلة انتقالية، بدأت خريطة النفوذ تتغير بصورة متسارعة، وتحولت الأراضي السورية، إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الإقليمية. تركيا عززت وجودها في شمال سوريا، مستندة إلى قواعدها العسكرية، وشبكات نفوذها، بينما كثفت إسرائيل عملياتها الجوية والاستخباراتية في الجنوب السوري، لمنع أي تموضع تعتبره تهديداً لأمنها.
وفي 28 آب 2025، وصلت هذه المنافسة إلى مستوى غير مسبوق عندما شنت إسرائيل غارة جوية استهدفت منطقة الكسوة قرب دمشق، ولم تكن الغارة حدثاً عسكرياً عادياً، بل تحولت إلى أزمة سياسية بعد تبادل الروايات بشأن طبيعة الهدف.
فالرواية التركية تحدثت عن قيام إسرائيل باستهداف جنود سوريين، كانوا يعملون على إزالة معدات تجسس إسرائيلية، بعد أن أبلغتهم أنقرة بمواقعها، بينما أصرت مصادر إسرائيلية، على أن الهدف كان معدات تجسس تركية تعود إلى مرحلة النظام السابق. هذا التضارب لم يكن مجرد اختلاف في المعلومات، بل يعكس حجم الحرب الاستخباراتية التي باتت تدور داخل الأراضي السورية، حيث أصبحت كل منطقة تقريباً مسرحاً لصراع أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية.
وتشير العديد من التحليلات إلى أن سوريا، لم تعد مجرد دولة خارجة من الحرب، بل أصبحت مساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية، وهو ما يجعل احتمالات الاحتكاك العسكري بين تركيا وإسرائيل أكثر واقعية من أي وقت مضى.
الاعتراف بإبادة الأرمن وتغيير الموازين الاقليمية
في 27 آب 2025، فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأوساط السياسية، عندما وصف خلال مقابلة إعلامية المذابح التي تعرض لها الأرمن عام 1915 بأنها “إبادة جماعية”، ويكتسب هذا التصريح أهمية استثنائية، لأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تتجنب استخدام هذا الوصف لعقود طويلة، حفاظاً على علاقاتها مع تركيا وأذربيجان.
ويبدو أن توقيت التصريح لم يكن عفوياً، بل جاء في ذروة التصعيد مع أنقرة، بما يعكس استعداد إسرائيل، لاستخدام ملفات تاريخية كانت تتجنب الاقتراب منها سابقاً.
في المقابل، تعاملت تركيا مع التصريح ببرودة نسبية، معتبرة أن العلاقات التركية الأرمنية، شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورات مختلفة، وأن التصريح الإسرائيلي لا يغير شيئاً في الموقف التركي. لكن؛ الأهمية الحقيقية لهذا التطور، تكمن في الرسائل السياسية، إذ إن تل أبيب أظهرت استعدادها للتخلي عن أحد أكثر خطوطها الدبلوماسية حساسية، عندما رأت أن علاقاتها مع أنقرة، وصلت إلى مرحلة يصعب ترميمها في المدى المنظور.
لا يمكن فهم التصعيد التركي الإسرائيلي، بمعزل عن نتائج الحرب، التي شهدتها المنطقة بين إسرائيل وإيران، وما ارتبط بها من مواجهة مع حزب الله، فقد أدت تلك الحرب إلى إعادة ترتيب الأولويات الأمنية لدى معظم القوى الإقليمية، وأصبح كل طرف يسعى إلى ملء الفراغات التي خلفتها المتغيرات العسكرية والسياسية.
إسرائيل خرجت من الحرب، وهي أكثر إصراراً على توسيع نطاقها الأمني خارج حدودها، معتبرة أن أي وجود عسكري معادٍ في سوريا أو لبنان يمثل تهديداً مباشراً يجب التعامل معه استباقياً. أما تركيا، فوجدت في التحولات الإقليمية فرصة لتعزيز نفوذها في سوريا، وتوسيع دورها السياسي، خصوصاً بعد تراجع أدوار بعض القوى التقليدية.
وهكذا بدأت مصالح الطرفين تتقاطع بصورة مباشرة، فأنقرة تريد تثبيت حضورها في الشمال السوري، وتأمين حدودها ومصالحها الاقتصادية والسياسية، بينما تعمل إسرائيل على فرض معادلة أمنية جديدة في الجنوب السوري، هذا التداخل جعل الاحتكاك أمراً شبه حتمي، خصوصاً مع غياب تفاهمات واضحة تحدد مناطق النفوذ أو آليات منع التصعيد.
وفي الوقت نفسه، استمرت التصريحات المتبادلة بين مسؤولي البلدين بالتصاعد، حيث استخدمت لغة غير مسبوقة مقارنة بالأعوام الماضية، ما يعكس انتقال الأزمة من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى الصراع الاستراتيجي طويل الأمد.
ورغم هذه اللهجة الحادة، فإن التجربة التاريخية في المنطقة، تشير إلى أن الدول غالباً ما تعيد ترتيب علاقاتها وفقاً لمصالحها عندما تتغير الظروف، وهو ما يجعل الشعارات السياسية أقل ثباتاً من المصالح الاقتصادية والأمنية.
الغموض الأمريكي مساحة مفتوحة لتنافس جديد
ساهم الموقف الأمريكي خلال المرحلة الأخيرة في تعقيد المشهد السوري، بصورة أكبر، إذ لم تنجح واشنطن حتى الآن في تقديم رؤية سياسية متماسكة تحدد ملامح المرحلة المقبلة، أو ترسم حدود العلاقة بين حلفائها الإقليميين المنخرطين في الملف السوري. فمنذ سقوط نظام الأسد وتشكيل السلطة المؤقتة، بدت السياسة الأمريكية، وكأنها تتحرك بين عدة مسارات متوازية، دون وجود استراتيجية معلنة تجمع بينها، الأمر الذي انعكس على مواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وقد برز هذا التباين بوضوح في التصريحات التي أدلى بها السفير الأمريكي لدى تركيا، والمبعوث الخاص إلى سوريا، توماس باراك، الذي انتقل في أكثر من مناسبة بين التأكيد على ضرورة دعم الدولة السورية الموحدة ذات المؤسسات المركزية.
وبين الإشارة إلى أهمية تبني صيغ إدارية أكثر مرونة تقوم على اللامركزية، بما يضمن مشاركة مختلف الشعوب السورية في إدارة شؤونها، هذا التباين في الخطاب لم يقدّم إجابات واضحة حول الرؤية الأمريكية، بل فتح الباب أمام تفسيرات متناقضة، وأوجد حالة من الضبابية السياسية استثمرتها القوى الإقليمية كلٌّ بما يخدم مصالحها.
وفي ظل غياب موقف أمريكي حاسم، وجدت تركيا مساحة أوسع لتعزيز انتشارها العسكري، وتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي داخل الأراضي السورية، انطلاقاً من اعتبار أن أي فراغ في الموقف الدولي، يمنحها هامشاً أكبر لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي المقابل، واصلت إسرائيل تنفيذ عملياتها العسكرية، واستهداف مواقع تعتبرها تهديداً لأمنها القومي، مع الحرص على تثبيت معادلات ردع جديدة داخل الجغرافيا السورية، مستفيدة هي الأخرى من غياب خطوط أمريكية واضحة تحدد سقف التحركات الإقليمية، أما بقية القوى الفاعلة، سواء كانت محلية أو إقليمية، فقد انشغلت بمحاولة تثبيت مكاسبها السياسية، والعسكرية استعداداً لأي تسوية مستقبلية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في البلاد.
وتشير التجارب التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية إلى أن غياب استراتيجية أمريكية واضحة، لا يؤدي إلى احتواء التنافس بين الحلفاء، بل غالباً ما يفتح المجال أمام تصاعده، حيث يسعى كل طرف إلى توسيع نفوذه، قبل بلورة أي تفاهمات دولية جديدة.
ولذلك، فإن استمرار هذا الغموض السياسي، لا يهدد فقط بإطالة أمد حالة عدم الاستقرار في سوريا، بل يزيد أيضاً من احتمالات الاحتكاك بين القوى الإقليمية المتنافسة، ويجعل فرص التصعيد العسكري والسياسي أكثر ترجيحاً من فرص التهدئة، ما لم تتبلور رؤية دولية واضحة تحدد قواعد المرحلة المقبلة وآليات إدارة التوازنات داخل الساحة السورية.
الشعوب من تدفع الثمن
تكشف التطورات الأخيرة حقيقة تكررت مراراً في تاريخ الشرق الأوسط، وهي أن الصراعات الإقليمية مهما ارتفعت شعاراتها السياسية، أو الأمنية، تنتهي غالباً بخدمة حسابات الدول ومراكز النفوذ، بينما تتحمل الشعوب الكلفة الأكبر.
ففي سوريا لا تزال المدن تدفع ثمن التنافس العسكري، وفي غزة يستمر المدنيون في تحمل آثار الحرب، وفي لبنان ما زالت تداعيات المواجهات الأخيرة تثقل كاهل المجتمع والاقتصاد، فيما تتبادل الحكومات التصريحات وتعيد رسم تحالفاتها وفقاً لمصالحها المتغيرة.
وتظهر التجربة أيضاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية، رغم وصولها إلى مستويات عالية من التصعيد، بقيت تاريخياً محكومة بميزان المصالح أكثر من الخطابات السياسية، فقد شهدت العقود الماضية فترات قطيعة وأخرى تقارب، قبل أن تعود الخلافات مجدداً مع تغير البيئة الإقليمية.
واليوم، وبعد الحرب الإسرائيلية الإيرانية، وما تبعها من تحولات في سوريا ولبنان، يبدو أن التنافس بين أنقرة وتل أبيب دخل مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها السيطرة على النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي في المنطقة، وتزداد حدة التصريحات والهجمات المتبادلة يوماً بعد آخر، بينما تتحرك كل دولة لتعزيز مواقعها استعداداً لأي تغير جديد في موازين القوى.
غير أن الثابت الوحيد في هذه المعادلة، يبقى أن مصالح الدول هي التي تحدد اتجاه السياسات، أما الشعوب فهي التي تدفع ثمن الحروب والعقوبات والانقسامات والنزاعات الممتدة، فبينما تتبدل التحالفات وتُعقد الصفقات وتُعاد صياغة التفاهمات، يبقى السوريون واللبنانيون والفلسطينيون أكثر المتأثرين بنتائج هذا الصراع، لتؤكد الأحداث مرة أخرى أن الخرائط السياسية قد تتغير، لكن فاتورة الصراعات في الشرق الأوسط، غالباً ما تُكتب بدماء المدنيين ومعاناتهم، فيما يواصل اللاعبون الإقليميون والدوليون السعي وراء مصالحهم الاستراتيجية، مهما ارتفعت كلفة ذلك على شعوب المنطقة.