سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عظام تناجي الأرواح

أزهر أحمد –

عندما يستيقظ المرء على ضجيج السيارات وصراخ الباعة ونتانة رائحة دخان القمامة بعد احتراقها, فأول ما يخطر ببال العاقل هو الهروب من زيف حياة المدينة ليمضي إلى أحضان الطبيعة التي بدأت بارتداء ثوبها الأخضر المبتسم المطرز بجميع ألوانه، وأجود العطور وأروع اللوحات التي يعجز حتى الفنانين من وصفها  في نيسان, وأصدق الابتسامات، واصفى القلوب هي التي تقدس تراب الوطن وتزرع الأمل.
فالوجهة قلعة سكرى الأثرية والمتربعة بين سلسلة قمم جبل كزوان (عبد العزيز).
الزائر المتمعن في التاريخ وبكل ما يرى يستنتج أن هذه القلعة تألمت كثيراً وعانت من قساوة  قلوب البشر وزوابع الغدر سابقاً، أكثر من قساوة زوابع الطبيعة بعواصفها الهوجاء ولهيب حرارة الصيف وهجمات أمواج الرياح العاتية بأعاصيره وفيضاناته وثوران السماء رعداً وبرقاً.
وصخورها المتناثرة القديمة تغازلها قطرات الندى لتزيدها جمالاً، فتحضن الزائر المنهك بعد صعود درج طويل، وتبتسم معه فرحاً بعد صعود قمة القلعة سائحاً زائراً باحثاً في حقيقة رواية  تاريخ شعب ظلمه المؤرخون.
تبتسم  الصخور المتناثرة فرحاً من بين واحة الأزهار والأعشاب التي يقصدها كل من فيه الداء
الكل منهمك في تصوير من يحب بجانب كل ما يشاهده ودون أن يعرف حقيقة الموقع وحكاية ما تخبئه هذه القلعة التي تزداد حزناً كلما شاهدت زائراً وهو يتصور مع من يحب على جسدها دون أن يكترث بحقيقة تاريخ هذه القلعة ودموعها.
وأنا اتأمل المشهد فإذا بأم جالسة فوق شبك وضع على  فوهة بئر من الآبار الأربعة وتتمعن في قاع البئر كأنها تريد معرفة حقيقة ما يخبئه هذا البئر الموجود فوق القلعة الشامخة. وكأنها تبحث عن شيء فهي متوترة تبكي ثم تبتعد عن فوهة البئر لتصرخ قائلةً: عظام …عظام …هناك عظام  وبقايا جماجم أشخاص في داخل هذا البئر ليخفف من روعها شخص في العقد الثالث من عمره مرتدياً نظارات طبيه، ومرتدياً صدرية عليها شعار هيئة الآثار في مقاطعة الحسكة  يخفف من حزن تلك الأم الباكية قائلاً: “لا تبكي فتاريخ هذه القلعة تاريخ شعبٍ باقٍ عائد إلى  تاريخه بقوة أكثر, فهذه العظام  القديمة الجديدة ستنمو في أطراف جيلٍ ثائرٍ للماضي ويصنع المستقبل”.
 القلعة  على ست مستويات بطرازها المعماري وفيها أربعة آبار، وأربعة خزانات كانت بمثابة مستودعات صمدت بأبراجها الأربعة. في وجه كل الغزاة، ولعل هذه القلعة وهذا البئر وما تجمعه من عظام قديمة منذ العصر الأيوبي المملوكي إلى  العظام الجديدة في فترة مكوث داعش في هذه القلعة،  هي لإخوتنا، لأبنائنا المختطفين، وهي حقيقة المنطقة  حقيقة ميزوبوتاميا واستمرار لتعرض الشعوب الأصيلة  لهجمات الغدر في الليالي الحالكة، فلا  تستغربي أماه,  فالكرد ظلموا قديماً وحديثاً، ولعل هذه القلعة شاهدة على ما كان عليه أجدادنا من القوة والحضارة, فازدادت سرعة انهمار دموع تلك الأم الحزينة على اختطاف ابنها في بداية الثورة  في روج آفا، لتتذكر الظلم  والموت والقمع والخوف بمشاهدتها مناظر العظام القديمة والجديدة في قعر البئر الواسع فوهته في حضن تلك القلعة، مع ارتفاع صوت بكاء تلك الأم تجمع العديد من الزوار حولها، وذاك الاستاذ يحاضر أكثر تعمقاً في حقيقة هذه القلعة، وما يخبئه ذاك البئر وهم يتأملون في العظام القديمة الجديدة، وعظمة صخور تلك القلعة الشامخة ليزداد الجميع عشقاً لما تخبئه من حكايات وأمجاد شعب خدم الشعوب قاطبةً، العظام القديمة الجديدة تناجي  أرواح الكرد أن تتحد  لتسطر الأمجاد وتصنع الحقيقة من جديد.

التعليقات مغلقة.