سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حتى السجون تتكلم

أزهر أحمد –

وكأن كل شيء دبّت فيه الحياة, كل شيء يريد أن يعترف لك بقصة أو رواية, من شاهدها سابقاً لم يشاهدها إلا مظلوماً أو زائراً خائفاً من وجوه كانت تبعث الرعب، واليوم لا يصدق ما يرى منذ اللحظة الأولى من يبتسم في وجهه ويقاسمه آلامه, بقايا العبارات السابقة مازالت تفضح قساوة قلوب من كان يديرها. حقيقةً كل شيء يدعو للتأمل.
 المدخل يوحي بأنك ستدخل إلى أكاديمية تريد تصحيح أخطاء الماضي وتبث في الأجساد والعقول المعاقة الأمل والحياة، كل شيء يرغب برواية حكاية الماضي، ويشكر السماء والدماء التي ارتوت منها شقائق النعمان. وإلى جانبي المدخل تثور الأرض فرحاً لتعلن ألوان الأزهار لتهدي الزائر عطراً وتتصاعد النسمات أمواجاً راغبة بمعانقة الشمس لحظات بزوغها الأولى هاديةً الأرض قطرات الندى.
كل شيء متغير ولا يصدق الناظر إنه يدخل السجن المركزي بالحسكة الذي حرق بداخله  65 إنساناً من جميع الشعوب، ومن بينهم 25 كردياً في الثالث والعشرون من آذار ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعون. وكلما اقتربت من بوابة السجن الرئيسة تزداد ارتياحاً بوجوه مبتسمه تعمل كخلية نحل ولا أداة للمناداة سوى كلمة “رفيق” بكل أدب واحترام، البعض ينظف والبعض يدون والبعض يحمل في يده أكياس الدواء للمساجين، والآخرون يجهزون طعاماً من لحوم الفروج للمساجين، حقيقةً قد لا يجدها من خارج جدران هذا السجن.
وحتى قاعة الزيارات وكأن جدارها الزجاجي تريد أن تتكلم فرحةً بأنها سئمت من القضبان الحديدية الماضية، واليوم فرحةً بالزائر والسجناء الجالسين على الكراسي وهم يتبادلون الهموم عبر سماعات وكل واحد يحاول التخفيف عن الآخر، شباب يبتسمون وهم يحرسون، يمتصون غضب وحماقات الحاقدين بكلمات مستوحية من بحور أكاديميات أخوّة الشعوب.
جميع الأروقة داخل السجن توحي بأنك في أكاديمية تريد التمرد على الظلم، الكل يجب أن يعرف حقيقته, ويتصفح صفحات أعماله ويحاول الإقلاع عن الذنب, هذا ما يُدار في قاعة كُتِب عليها قاعة التدريب بألوانها الزاهية، فالجميع يناقش ويعبّر عن حقيقة الماضي، ولديه شغف لسماع فلسفة أخوّة الشعوب والعيش المشترك، وأسباب البلاء في العالم عامةً والشرق الأوسط وسوريا خاصةً؛ يسمع المحاضر بشغف يتابع المحاضر كلمة السجون كلمة كريهة لدى العالم أجمع؛ نتيجة ظلم السلطات للشعوب المظلومة والشعب الكردي أكثر الشعوب التي تكره هذه الكلمة؛ لأن السجون ودهاليزها عذبت وحرقت أجساد الكُرد واستشهد العديد، وما زال صاحب رسالة العيش المشترك وأخوّة الشعوب والمدافع عن حقوق جميع الشعوب والشعب الكردي خاصةً، في سجن إيمرالي مضى على سجنه أكثر من عشرين عاماً، ونحن نقترب من يوم ولادته في الرابع من نيسان، وهو الذي أوصانا بأن تكون السجون مراكز لإعادة إصلاح وتأهيل؛ لأن ذهنية السلطات المستبدة شجعت على بناء مجتمع ظالم يعلم أبناءه الرذيلة والقتل والخراب والعنصرية، وبنت مجتمعاً على أساس الطبقات والمحسوبيات وخدمة بعض الأفراد والعصابات، فذهنية السلطة تريد أن تُثمل على  دماء الشعوب المسحوقة. ولعل المفكر عبد الله أوجلان يقول في مثل هذه الحالة السلطات والمجتمعات هي التي تتحمل العبء الأكبر, عليها إصلاح الأفراد فلو بقيت خصلة صالحة من شعر الفرد, على المجتمع إنقاذه وإتاحة الفرصة له لتصحيح مسار عمله وتوجيهه بالشكل الصحيح، لبناء فرد يخدم المجتمع؛ لا أن يتحايل على المجتمع خيانةً أو لصوصيةً أو جرماً. اجعلوا من سجونكم أكاديميات إصلاحٍ وتأهيل. فشاهدتُ الندم في أعين العديد, والاعتراف بالذنب والأمل بتصحيح أخطاء الماضي.
 ردد المحاضر ونحن سنسعى أن تكون السجون أكاديميات إصلاح ضد ذهنية السلطة والفكر المتطرف والعنصرية، فعلمتُ حينها حتى السجون تتكلم.

التعليقات مغلقة.