أحمد عبد الرؤوف
تزخر كتب التراث الأدبي العربي بالقصص التي خلدها الشعر حتى صار توثيقاً تاريخياً لها مكّن الأجيال اللاحقة من الاطلاع عليها والاستفادة منها، وإن ظل الكثير منها محط جدل من حيث نسبة تلك القصائد التي تدخل بباب النحل والانتحال والوضع، وقد وصلنا منها الكثير، وربما سنكون في رحلتنا اليوم أمام واحدة من أشهر القصائد التي عرفها الشعر العربي قصيدة “حادي العيس” والتي شهد نسبها لصاحبها الذي كتبها جدلاً واسعاً وفق عدة روايات، ولكنها أثّرت في وجدان جميع متلقيها، وصارت ملهمة لمعظم الشعراء فيما بعد.
حبيس “دير هرقل”
اختلف الرواة والمؤرخون في هوية صاحب قصيدة “حادي العيس”، فمنهم من قال، إنها تعود إلى العصر العباسي لمجنون “دير هرقل” وهو شاب رقيق الحاشية أدّى به فراق حبيبته إلى دخول دير للمجانين يسمى “دير هرقل” بعد أن شاهد رحيلها في هودجها على ظهر الجمل وسط قافلة طويلة تتجهز للرحيل، وهي تنظر إليه من خلف الستار وتبكي على فراقه بالنظرة الأخيرة، وهو ينادي “لا حملت رجلاكَ يا جملُ” وكتب قصيدته التي مازالت تغنى إلى يومنا هذا.
وحادي العيس هو ماسك خطام الإبل عند السفر وقائد الركب من القوافل، وذكرت قصة مجنون دير هرقل في العديد من المراجع التاريخية منها كتاب “مصارع العشاق” لجعفر بن أحمد السراج البغدادي الذي روى القصة بسند عن عبد الله بن عبد العزيز السامري، ويحكي السامري أنه مرّ مع صاحبه على “دير هرقل”، فأرادا أن يعرجا على الدير ويستكشفان ما بداخله، فلما دخلا شاهدا شاباً حسن الوجه، بهيّ الطلعة مقيداً بسلسلة إلى الجدار، فعجبا من أمره وتساءلا كيف لمثله أن يكون مجنوناً؟ خاصة وأنه قد بادرهما بتحية بليغة لا يصدر مثلها من فم مجنون، فسأله السامري: ما تصنع في هذا المكان الذي أنت لغيره أهل؟
فأنشد الشاب أبياتاً قال في مطلعها:
“اللهُ يعلمُ أنّني كَمِدُ
لا أستطيعُ أبثُّ ما أجِد
نَفسانِ لي: نفسٌ تضَمّنَها
بَلَدٌ، وأُخرَى حازَها بَلَدُ
أمّا المُقيمةُ ليس ينفعُها
صَبرٌ، وليس بقربها جلَدُ
وأظنّ غائبَتي كشاهِدَتي
بِمكانِها تجِدُ الذي أجِدُ”
أعجب السامري وصاحبه ببلاغة الشاب، لكنهما سرعان ما هما بالرحيل، فناشدهما الشاب: بأبي ما أسرع ذهابكما… أعيراني سمعكما، ثم أنشد قصيدة “يا حادي العيس” التي يقول فيها:
“لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمُ
ورحّلوها وسارت بالدجى الإبلُ
وقلّبت من خلاف السّجف ناظرها
ترنو إليَّ ودمع العين منهملُ
فودّعت ببنان عقدها عنمٌ
ناديت لا حملتْ رجلاك يا جملُ
ويلي من البين ماذا حلَّ بي وبه
يا نازح الدّار حل البين وارتحلوا
يا حاديَ العيس عرّج كي أودّعها
يا حادي العيس في ترحالك الأجلُ
إنّي على العهد لم أنقض مودّتهم
فليت شعري وطال العهد ما فعلوا”
ولما قال الشاب “فليت شعري وطال العهد ما فعلوا”، أراد السامري وصاحبه مداعبته لينظروا ما يفعل، فأجابوه: ماتوا.. فقال: أقسمت عليكم! ماتوا؟ فأكد السامري وصاحبه الخبر: نعم! ماتوا.
فقال الشاب: إني والله ميت في أثرهم، وجذب السلسلة التي كان مقيّداً بها فخنق بها نفسه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ووفقاً للسراج، يعلق السامري على تلك الحادثة قائلاً: “والله لا أنسى ندامتنا على ما فعلنا”، وقد رويت قصة مجنون دير هرقل ذاتها في عدة كتب تاريخية مع اختلاف في بعض التفاصيل، فوردت في كتاب “العقد الفريد”، حيث قال مؤلفه ابن عبد ربّه الأندلسي إن المصدر الأول للقصيدة هو محمد بن يزيد النحوي الملقب بالمبرد والذي عاش في القرن الثالث هجرياً أيام العصر العباسي.
“ماني الموسوس” وأسماء أخرى
وفيما عدا مجنون دير هرقل مجهول الهوية ذاك، نسب البعض هذه القصيدة لمحمد بن القاسم، أبو الحسن المعروف بـ ماني الموسوس، وهو شاعر مصري سكن بغداد أيام الخليفة العباسي المتوكل على الله، وعُرف بالوسوسة أو “الجنون الخفيف”، كذلك نسبها البعض للشاعر الكميت بن زيد الأسدي، وهو أحد أشهر شعراء العصر الأموي، لكن الروايات التي تنسب “يا حادي العيس” للأسدي، صنفت على أنها ضعيفة.
وفضلاً عن كون شاعرها مجهول الهوية فقد وردت القصيدة كذلك بعدة إصدارات، بعضها يحوي أبياتاً إضافية كتلك التي تقول:
“ويلي من البين ما حل بي وبهم
من ناظرِ البين حل البينُ فارتحلوا
لما علمت أن القوم قد رحلوا
وراهب الدير بالناقوس منشغلُ
شبكت عشري على رأسي وقلت له
يا راهب الدّير هل مرّت بك الابلُ؟
يا راهب الدّير بالإنجيـل تخبرني
عن البدور اللّواتي ها هنا نزلـوا
فحنّ لي وبكى وأنّ لي وشكى
وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيلُ
إن البدور اللواتي جئت تطلبها
بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا
شبكت عشري على رأسي وقلت له
يا حادي العيس لا سارت بك الإبـلُ
ليت المطايا التي سارت بهم ضلعت
يوم الرحيل فلا يبقـى لهـم جمـلُ”.
أغنية رائجة منذ العصر العباسي حتى يومنا هذا، وبغض النظر عن هوية صاحب القصيدة الغامض، فقد أصبحت “يا حادي العيس” واحدة من أشهر الأغاني منذ العصر العباسي وحتى يومنا هذا.
فقد انتشرت بين مغنيات ذلك الزمان، ولعل أبرزهن جارية بنت المهدي التي عرفت بصوتها العذب، وكان أول من غناها في العصر الحديث المطرب العراقي محمد القبانجي، وذلك عام 1956، وعادت الأغنية إلى الأضواء مرة أخرى في التسعينات عندما غناها الفنان العراقي ناظم الغزالي ومن بعده سعدون جابر، كذلك فقد عرفها كثيرون بصوت الفنان السوري صباح فخري.
قصيدة “حادي العيس” من الملاحم العاطفية التي شكلت جسراً أدبياً وفنياً بين جميع العصور، وأصبح الشعراء ينظمون على مثال وزنها وقافيتها ويجاورن مضمونها، لتبقى القصيدة نقطة وصل ثابتة بين جميع الأزمنة ومن مختلف الثقافات ولجميع الأجيال القادمة.