الدرباسية/ نيرودا كرد – حين تحترق مكتبة، لا تحترق أوراق فقط.. تحترق أسماء، وتجارب، ولغات، وأحلام كاملة لم تصل إلينا. تاريخ الأدب العالمي، والعربي، والكردي على وجه الخصوص، مليء بكتب وروايات سُجلت في الفهارس القديمة ثم اختفت. بعضها ابتلعته الحروب، وبعضها ضاع في النقل والترحال، وبعضها الآخر تعرض لمصادرة متعمدة. الذاكرة المفقودة ليست مجرد أرقام في قوائم؛ هي فصول لم تُكتب مرتين.
“ذاكرة ممزقة” ليست عنواناً مجازياً. هي حالة حقيقية عاشتها المكتبات في كل مكان: من رماد الإسكندرية إلى حرائق بغداد وبيروت، ومن مصادرة المخطوطات الكردية إلى إتلاف المؤلفين أعمالهم بأيديهم. كتب سُجلت في الفهارس ثم اختفت.
روايات طُبعت مرة واحدة ثم ابتلعها النسيان. مخطوطات تنقلت مع النزوح حتى تلفتها الرطوبة. العالمي فقد أجزاء من غوغول وشكسبير. والعربي فقد أرشيفاً كاملاً تحت الرصاص والإهمال.
أما الكردي فقد واجه الفقدان كسياسة ممنهجة: منع لغة، إغلاق مطابع، تشتيت مخطوطات بين بيوت الشتات. لكن؛ السؤال الأهم ليس “ماذا ضاع؟” بل “لماذا يهمنا ما ضاع؟” لأن الغياب بحد ذاته يروي قصة. يكشف من خاف من الكلمة، وأين توقفت سلاسل التطور الأدبي، وأي أجيال حُرمت من جسر بينها وبين من سبقها. اليوم، مع الرقمنة والأرشفة، لدينا فرصة أخيرة. ليست لاسترداد كل ما فات، بل لمنع المزيد من الفقدان. فالكتاب ليس سلعة، هو عقد بين جيل وآخر. والتاريخ لا يرحم الشعوب التي لا تحفظ كتبها.
على المستوى العالمي: مكتبات أكلتها النار والسياسة
أول ما يخطر في البال هو مكتبة الإسكندرية. لا أحد يعرف بدقة ما الذي ضاع فيها. المؤرخون يذكرون مخطوطات عن الطب والفلك والفلسفة والرياضيات، لم يصلنا منها إلا الاقتباسات. تخيل أن أعمال “سابفو” الشاعرة اليونانية وصلتنا منها أبيات قليلة، بينما دُوّن لها تسعة دواوين كاملة. وفي العصر الحديث، مكتبة سراييفو الوطنية خلال حصار التسعينات؛ احترق فيها أكثر من مليوني كتاب ووثيقة. من بينها مخطوطات عثمانية نادرة وصحف تعود لـ 300 سنة. كذلك روايات كاملة للكاتب الروسي غوغول. الجزء الثاني من “النفوس الميتة” أحرقه بيده قبل وفاته. لماذا؟ لا إجابة، بقي الجزء الأول شاهداً على عالم لم يكتمل.
العالم فقد أيضاً مسرحيات كاملة لشكسبير، ومخطوطات لماركيز وتشيخوف لم تنشر، الفقدان هنا ليس حادثة، بل حالة مستمرة اسمها “النسيان”.
على المستوى العربي: بين الرصاص والإهمال
في العالم العربي، الفقدان له وجهان: وجه الحرب، ووجه الإهمال المؤسساتي. ففي مكتبة بغداد التي احترقت عام 2003. تقارير اليونسكو تحدثت عن ضياع مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات. من بينها نسخ أولى لدواوين شعراء، وروايات عراقية طبعت طبعة واحدة ثم اختفت.
في بيروت خلال الحرب الأهلية، احترقت “دار الكتب الوطنية”. ومعها أرشيف الصحافة اللبنانية منذ العشرينات. كتابات كاملة لروائيين شباب لم يُعَدْ طبعها. أما على مستوى التأليف، فهناك أسماء نعرف أنها كتبت ولم نرَ كتبها. نجيب محفوظ نفسه تحدث في مذكراته عن روايات كَتبَها في شبابه ومزقها. غسان كنفاني فقدت بعض مسوداته بعد اغتياله.
في المغرب والجزائر، هناك عشرات الروايات التي صدرت في السبعينات والثمانينات في دور نشر صغيرة ثم توقفت. اليوم لا تجدها لا في المكتبات ولا في الأرشيف الرقمي. كأنها لم تكن؛ الفقدان العربي إذاً ليس بسبب غياب الكتابة، بل بسبب غياب الحماية.
على المستوى الكردي: محو ممنهج وشتات مخطوطات
القضية الكردية مع الكتاب مختلفة. هنا الفقدان كان سياسة. خلال القرن الماضي، مُنع النشر بالكردية في أجزاء واسعة من كردستان. فكانت النتيجة أن آلاف المخطوطات بقيت في البيوت، تنتقل من جيل لجيل حتى تتلفها الرطوبة أو تضيع مع النزوح.
على سبيل المثال ملحمة “مم وزين” نعرفها من خلال نسخ متعددة. لكن؛ المؤرخين يتحدثون عن نسخ أقدم وأكثر اكتمالاً كانت موجودة في مدارس دينية في جزيرة بوطان وآمِد، ثم اختفت بعد حملات المصادرة في العشرينات والثلاثينات. وأيضا رواد الأدب الكردي، مثل الروائي إبراهيم أحمد كتب روايات في الأربعينات والخمسينات. بعضها طبع، وبعضها بقي مخطوطاً وفقد في التنقل بين السليمانية ودمشق وبيروت. وأيضا عبد الله كوران له قصائد ومسرحيات لم تجمع في كتاب واحد إلا بعد وفاته بعقود.
دور النشر التي أُغلقت
في الثمانينات والتسعينات، أُغلقت دور نشر كردية في تركيا وسوريا وصودرت مطابعها، معها ضاعت قوالب طباعة لروايات ومجموعات قصصية لشباب لم يتمكنوا من إعادة طبعها. أسماء مثل “كومال” و”آزادي” كانت تصدر ثم تختفي فجأة. حتى اليوم، هناك باحثون كرد يبحثون في أرشيفات أوروبا عن مخطوطات كتبها رحالة ومبشرون عن كردستان في القرن 19. بعضها موجود، وبعضها مسجل فقط في فهرس ولا أثر له. اللغة التي حُوربت هي أول من يدفع الثمن. الكتاب الممنوع لا يحترق دائماً، أحياناً فقط “يُنسى”.
قد يسأل أحد: ما فائدة الحديث عن كتب لا نملكها؟ الجواب بسيط: لأن الغياب هو أيضاً جزء من القصة؛ لأن المفقود يكشف من كان يخاف من الكلمة. لا أحد يصادر كتاباً هامشياً. الحروب تستهدف المكتبات أولاً لأنها تعرف أن الذاكرة سلاح. وأيضا يخلق فجوات في التطور الأدبي. رواية كردية ضاعت في الستينات ربما كانت ستشكل جسراً بين جيلين. غيابها يجعلنا نظن أن التطور كان متقطعاً. المفقود مسؤولية حاضرة. اليوم مع الرقمنة، يمكن إنقاذ ما تبقى. مشاريع أرشفة المخطوطات الكردية في أوروبا، ومشاريع إعادة طبع الروايات العربية النادرة، هي محاولة لترميم الذاكرة.
هل يمكن استرداد ما ضاع؟
كلياً: لا. جزئياً: نعم. هناك ثلاث طرق يشتغل عليها باحثو اليوم: البحث في الأرشيفات الخاصة: بيوت، ورثة، طلاب قدامى. كثير من المخطوطات الكردية والعربية ظهرت بهذه الطريقة. وأيضا الرقمنة: تصوير كل ما تبقى من صحف ومجلات ودوريات قبل أن تتحلل. مشروع “ذاكرة العراق” و”أرشيف الشتات الكردي” أمثلة على ذلك. ضف إلى ذلك، إعادة كتابة التاريخ من الشهادات: استجواب الكتّاب الكبار عن أعمالهم المفقودة وتوثيقها شفهياً. لكن؛ الأهم من كل ذلك، تغيير العقلية. الكتاب ليس سلعة. الكتاب هو عقد بين جيل وآخر. حين نتركه يضيع، نكون قد فسخنا العقد.
في الختام، قائمة “الكتب المفقودة” لا تنتهي. هي تتطاول كلما اندلعت حرب، أو أُغلقت دار نشر، أو هاجر كاتب. مهمتنا ليست البكاء على ما فات فقط، بل منع المزيد من الفقدان؛ لأن الرواية التي لا تُطبع اليوم، قد تصبح هي “المفقودة” التي سيبحث عنها أحفادنا بعد 50 سنة.