الحسكة/ رغد محمد ـتواصل النساء السوريات دفع ثمن سنوات طويلة من الصراع والفوضى الأمنية والانهيار الاقتصادي، في وقت تشهد فيه البلاد تصاعداً مقلقاً في جرائم القتل والعنف الموجه ضد النساء، وبينما كانت الآمال معقودة على تحسن الأوضاع الأمنية بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، تكشف الأرقام والتقارير الحقوقية عن واقع مختلف يتمثل باستمرار الانتهاكات والجرائم التي تستهدف النساء في مختلف المدن.
رغم التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة لا تزال النساء يواجهن تحديات كبيرة تتعلق بالأمان والحماية والعدالة، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع مستويات الاستقرار في العديد من المناطق، فالعنف الموجه ضد المرأة لم يعد يقتصر على الانتهاكات المرتبطة بالنزاع، بل بات يمتد إلى داخل المنازل والأحياء والمجتمعات المحلية، حيث تتزايد جرائم القتل والعنف الأسري بوتيرة مقلقة.
وتكشف الإحصائيات الصادرة عن منظمات حقوقية ومراكز رصد مستقلة خلال عام 2026 عن استمرار سقوط النساء ضحايا لجرائم قتل ذات دوافع مختلفة، تتراوح بين الخلافات الأسرية والعنف القائم على النوع الاجتماعي وجرائم ما يعرف “الشرف”، وصولاً إلى الجرائم الجنائية التي تغذيها حالة الانفلات الأمني وانتشار السلاح، وتأتي هذه الجرائم في وقت تواجه فيه النساء ظروفاً معيشية صعبة نتيجة الفقر والبطالة والنزوح وتراجع الخدمات الأساسية، ما يزيد من هشاشتهن ويجعلهن أكثر عرضة للعنف والاستغلال.
أرقام مقلقة خلال النصف الأول من 2026
على مدار أكثر من عقد من الأزمة السورية؛ تحملت النساء أعباء مضاعفة تمثلت في فقدان المعيل والنزوح وتحمل مسؤوليات إعالة الأسرة، إلى جانب تعرض الكثير منهن لأشكال مختلفة من الانتهاكات والعنف، ومع استمرار الأوضاع الاقتصادية المتردية وارتفاع معدلات الفقر، ازدادت الضغوط الاجتماعية والنفسية داخل الأسر الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على ارتفاع معدلات العنف الأسري.
وتشير منظمات نسوية وحقوقية إلى أن كثيراً من جرائم قتل النساء لا تحظى بالمتابعة الإعلامية أو القانونية الكافية، فيما يتم التعامل مع بعضها باعتبارها خلافات عائلية أو قضايا خاصة، ما يحد من فرص تحقيق العدالة للضحايا ويشجع على تكرار مثل هذه الجرائم.
وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 92 امرأة في سوريا منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية شهر حزيران، في جرائم وقعت ضمن ظروف مختلفة شملت معظم المدن السورية وتوزعت هذه الجرائم بين حالات قتل داخل الأسرة وجرائم جنائية وحوادث مرتبطة بالنزاعات والخلافات الشخصية؛ ما يعكس حجم المخاطر التي تواجهها النساء في ظل تزايد معدلات الجريمة والعنف المجتمعي.
من جهتها وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 27 امرأة ضمن حصيلة الضحايا المدنيين خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يؤكد أن النساء ما زلن من الفئات الأكثر تأثراً بالعنف والانتهاكات في سوريا.
لا تعكس الإحصائيات وحدها حجم المأساة التي تعيشها النساء السوريات فخلف كل رقم قصة حياة انتهت بشكل مأساوي، وأسرة فقدت إحدى ركائزها الأساسية، وتشير تقارير حقوقية إلى أن العديد من الجرائم ترتبط بثقافة مجتمعية ما زالت تتسامح مع بعض أشكال العنف ضد المرأة أو تبررها تحت ذرائع اجتماعية وعائلية مختلفة.
كما يسهم انتشار السلاح وتراجع سلطة القانون في بعض المناطق في زيادة خطورة هذه الظاهرة، حيث تتحول الخلافات الأسرية أو الشخصية في كثير من الأحيان إلى جرائم قتل تنتهي بفقدان حياة نساء وفتيات كنّ في أمس الحاجة إلى الحماية والدعم.
عوامل تدفع نحو تصاعد الجرائم
يرى مختصون أن ارتفاع جرائم قتل النساء خلال النصف الأول من عام 2026 يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والفقر وعدم وجود الحماية الكافية في مناطق سيطرة الحكومة السورية المؤقتة، إضافةً إلى الضغوط النفسية والاجتماعية الناتجة عن سنوات الحرب الطويلة كما تلعب محدودية آليات الحماية القانونية وضعف الخدمات المخصصة للنساء المعنفات دوراً في تفاقم المشكلة.
ويحذر ناشطون من أن استمرار هذه العوامل دون معالجات حقيقية قد يؤدي إلى مزيد من الجرائم والانتهاكات، خاصةً في ظل غياب قواعد بيانات وطنية شاملة توثق العنف ضد النساء وتتابع قضاياهن قضائياً.
في مواجهة هذا الواقع تواصل المنظمات النسوية والحقوقية مطالبة الجهات المعنية بتشديد العقوبات بحق مرتكبي جرائم قتل النساء وتفعيل القوانين التي تكفل حماية المرأة من العنف، إضافةً إلى إنشاء مراكز إيواء ودعم نفسي وقانوني للنساء المعرضات للخطر. كما أن الحد من جرائم قتل النساء لا يتطلب إجراءات قانونية فقط، بل يحتاج أيضاً إلى جهود مجتمعية وثقافية وتربوية تعزز قيم المساواة والاحترام وترفض العنف بكافة أشكاله الذي يمارس على المرأة خوفاً من تطورها وقوتها وإرادتها في إدارة المستقبل السوري
وبناء على ما سبق؛ تكشف جرائم قتل النساء في سوريا خلال عام 2026 عن جانب مؤلم من التحديات التي ما تزال تواجه المرأة السورية، التي وجدت نفسها بين أعباء الحياة اليومية ومخاطر العنف المتزايد، وبينما تستمر المنظمات الحقوقية في توثيق الانتهاكات ورصد الضحايا، يبقى توفير الحماية القانونية والاجتماعية للنساء وتعزيز ثقافة رفض العنف ضرورة ملحة للحد من هذه الجرائم وضمان حق النساء في الحياة والأمان والعدالة.