قامشلو/ دعاء يوسف – في الذكرى السنوية الأولى لتفجير كنيسة “مار إلياس” بدمشق، تستعيد سوريا واحدة من أكثر الهجمات دموية التي استهدفت المدنيين، وما حملته من تهديد لقيم التعايش والسلم الأهلي، وتبقى الحادثة تذكيراً بخطر الفكر المتطرف وضرورة تعزيز ثقافة التعددية والتضامن بين مختلف الشعوب.
بعد عام كامل على التفجير الذي استهدف كنيسة “مار إلياس” في دمشق، الذي أودى بحياة عشرات المدنيين أثناء تأديتهم شعائرهم الدينية في 22 حزيران عام 2025، ما تزال الحادثة حاضرة في الذاكرة السورية بوصفها واحدة من أكثر الهجمات دموية التي استهدفت المدنيين خلال السنوات الأخيرة بعد سقوط نظام البعث، كما ما تزال تثير تساؤلات حول مخاطر الفكر المتطرف وقدرته على تهديد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي في المنطقة.
لم يكن الهجوم الذي وقع داخل الكنيسة مجرد عملية أمنية عابرة أو حادثة منفصلة عن سياق الأحداث التي شهدتها سوريا والمنطقة خلال الأعوام الماضية، بل جاء ليؤكد أن المرتزقة المتطرفة ما تزال تبحث عن الفرص لإعادة إنتاج العنف واستهداف الأماكن التي تمثل التعايش والتنوع الثقافي والديني.
عام من الحزن والصمود
وعلى الرغم من اختلاف المعتقدات والانتماءات القومية والدينية في سوريا، فإن المجتمع السوري عرف عبر تاريخه الطويل نموذجاً للتعايش بين شعوبه المختلفة، فالمسيحيون والمسلمون والسريان والكرد والعرب والأرمن والإيزيديون والشركس وغيرهم عاشوا لسنوات طويلة ضمن فضاء اجتماعي مشترك، وأسهموا معاً في بناء الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. لذلك؛ فإن استهداف كنيسة أو مسجد أو أي مكان ديني لا يمكن النظر إليه باعتباره استهدافاً لفئة محددة فقط، بل هو اعتداء على المجتمع بأكمله وعلى قيم العيش المشترك التي تجمع أبناءه.
وخلال السنوات التي أعقبت ظهور مرتزقة داعش والتنظيمات المشابهة له، تعرضت مناطق عديدة في سوريا والعراق لسلسلة من الهجمات التي استهدفت المدنيين ودور العبادة والمواقع الثقافية والتاريخية، ولم تقتصر آثار تلك الهجمات على الخسائر البشرية فحسب، بل امتدت إلى نشر الخوف وزعزعة الثقة بين المجتمعات ومحاولة خلق الانقسامات والصراعات الداخلية.
ويشير باحثون في قضايا التطرف، إلى أن المجموعات المرتزقة؛ تعتمد بشكل أساسي على استهداف الرموز الدينية والاجتماعية لإحداث صدمة واسعة وتحقيق تأثير نفسي يتجاوز حجم العملية نفسها، فكلما كان الهدف يمثل رمزاً للتنوع والتعايش، ازدادت القيمة الدعائية للهجوم بالنسبة لتلك المجموعات التي تقوم أيديولوجيتها على إقصاء الآخر ورفض الاختلاف.
ومن هذا المنطلق، اكتسب تفجير كنيسة مار إلياس أبعاداً تتجاوز حدود المكان والزمان فالشهداء الذين استشهدوا داخل الكنيسة كانوا مدنيين يمارسون حقهم الطبيعي في العبادة، لكن الرسالة التي أراد منفذو الهجوم إيصالها كانت موجهة إلى المجتمع بأكمله، ومفادها أن التطرف والتعصب الديني يسعى إلى ضرب الاستقرار وإعادة إنتاج أجواء الخوف وعدم الثقة.
تبلور فكر التطرف
وخلال العام الماضي، أعادت الحادثة النقاش حول أهمية مواجهة التطرف من خلال الجوانب الفكرية والثقافية إلى جانب الإجراءات الأمنية، فالتجارب التي شهدتها المنطقة أظهرت أن الحلول العسكرية والأمنية وحدها لا تكفي للقضاء على الفكر المتشدد ما لم تترافق مع جهود تعليمية وثقافية تعزز قيم التعددية وقبول الآخر والمساواة بين مختلف الشعوب.
كما سلط التفجير الضوء على الدور الذي تلعبه المجتمعات المحلية في حماية السلم الأهلي، فبعد الحادثة صدرت مواقف تضامنية واسعة من مختلف الشعوب السورية، أكدت أن الإرهاب لا يميز بين قومية وأخرى أو بين دين وآخر، وأن ضحاياه هم المدنيون الذين يتطلعون إلى حياة آمنة ومستقرة بعيداً عن العنف والكراهية.
ويرى مراقبون أن الحفاظ على التنوع الثقافي والديني في سوريا، يشكل أحد أهم التحديات في المرحلة المقبلة، خاصة، بعد سنوات طويلة من الحرب والأزمات التي أضعفت البنية الاجتماعية وأوجدت ظروفاً استغلتها المجموعات المتطرفة لنشر أفكارها بين بعض الفئات.
الإرهاب عدو الجميع
وفي الوقت الذي يستذكر فيه السوريون شهداء كنيسة مار إلياس، تتجدد الدعوات إلى ترسيخ ثقافة الحوار والاحترام المتبادل بين الشعوب المختلفة، باعتبارها السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة مشاريع التطرف والعنف، فقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تتمسك بالتعددية وتدافع عن قيمها المشتركة تكون أكثر قدرة على مقاومة محاولات التفكيك والانقسام.
إن الذكرى السنوية الأولى لتفجير كنيسة مار إلياس ليست مناسبة لاستحضار الألم فقط، بل فرصة للتأكيد على أن الإرهاب مهما ارتكب من جرائم لن يتمكن من القضاء على إرادة الشعوب في الحياة المشتركة، فالتعايش الذي تشكل عبر عقود طويلة لا يمكن أن تهزمه عملية إرهابية، كما أن دماء الشهداء تبقى شاهداً على ضرورة مواصلة العمل من أجل بناء مجتمعات أكثر أمناً وعدالة وتقبلاً للاختلاف.
وبعد عام على المجزرة؛ ما يزال الدرس الأبرز الذي تركه التفجير، يتمثل في أن حماية التعايش ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود السياسية والثقافية والاجتماعية، لمنع عودة الأفكار التي أنتجت الإرهاب ولضمان ألا تتكرر مثل هذه المآسي مستقبلاً.