جل آغا/ أمل محمد – أكدت طالبات من جامعة روج آفا أن اعتراف الحكومة السورية المؤقتة بشهادات الإدارة الذاتية ومناهجها أكبر رد على كل من شكك باللغة الكردية، وقلل من الدراسة بها، معبرات عن سعادتهنَّ بهذا الاعتراف الذي يجدن فيه ثمرة نجاح سنوات من النضال والمقاومة.
شكّلت ثورة روج آفا نقطة تحوّل هامة في مجال التعليم، إذ عملت على إدخال اللغة الكردية إلى المدارس بعد عقود من التهميش والحرمان من التعليم بها، ولم يكن هذا المسار سهلاً، فقد واجهت المؤسسات التعليمية والهيئات المعنية تحديات عديدة ورغم هذه العقبات، جرى إعداد مناهج دراسية باللغة الكردية وتطويرها تدريجياً، ما أتاح للطلاب تعلم لغتهم الأم منذ الصفوف الأولى، وأسهمت هذه الخطوات في تعزيز الهوية الثقافية واللغوية للأجيال الجديدة، وترسيخ حقهم في تلقي التعليم بلغتهم ضمن بيئة تعليمية أكثر ارتباطاً بواقعهم ومجتمعهم.
إلى جانب إدخال اللغة الكردية إلى المدارس وتدريسها منذ المراحل الأولى، عملت الجهات المعنية في روج آفا على توسيع نطاق التعليم باللغة الكردية ليشمل التعليم العالي أيضاً، وفي هذا الإطار أُنشئت مؤسسات وجامعات تتيح للطلاب متابعة دراستهم الأكاديمية بلغتهم الأم، الأمر الذي مثّل خطوة مهمة في تطوير اللغة الكردية في المجالات العلمية والأكاديمية، ومن أبرز هذه المؤسسات جامعة روج آفا، التي تضم عدداً من الكليات والأقسام وتوفر برامج دراسية باللغة الكردية، إلى جانب لغات أخرى، وبعد سنوات من المقاومة ومع التقليل من هذه الجامعات أو التشكيك بشهاداتها لتكلل في نهاية المطاف إلى الاعتراف بها من الحكومة السورية المؤقتة.
الرحلة التعليمية باللغة الكردية تتوج بالاعتراف
وعن هذا تحدثت طالبات من جامعة روج آفا لصحيفتنا “روناهي” معبرات عن سعادتهنَّ وواصفات الرحلة بالممتعة رغم وجود الكثير من العقبات، “شيلان علي” أوضحت: “منذ أن كنت طفلة في الصفوف الابتدائية، بدأت رحلتي مع اللغة الكردية في المدرسة، كبرت وأنا أتعلم بلغتي الأم، أقرأ وأكتب بها، رغم كل التحديات والآراء التي كانت تقلل من أهمية الدراسة بالمناهج الكردية أو تشكك في مستقبلها، لكنني كنت مؤمنة بأن التمسك بلغتي وثقافتي هو حق طبيعي، وكنت أثق بالجهود التي بذلها المعنيون لإدخال اللغة الكردية إلى المدارس وتطوير المناهج التعليمية الخاصة بها”.
وأكدت: “أشعر بفخر وسعادة كبيرين بعد الاعتراف بشهادات ومناهج الإدارة الذاتية، هذا الاعتراف يمثل ثمرة سنوات طويلة من العمل والصبر والإصرار، ويؤكد أن الطريق الذي اخترناه كان طريقاً نحو تثبيت حقنا في التعلم بلغتنا الأم”.
شهادة ولغة واعتزاز
“لقد واجه جيلي الكثير من التحديات، وسمعنا مراراً كلمات التهميش والتقليل من قيمة اللغة الكردية ومن مستقبل الطلاب الذين يدرسون بها، لكننا تمسكنا بلغتنا، وواصلنا دراستنا بثقة وعزيمة، مؤمنين بأن العلم والمعرفة لا يرتبطان بلغة دون أخرى، بل بإرادة الطالب وإصراره على النجاح”، هذا ما بينته “شيلان علي” من خلال حديثها.
ونوهت إلى: “اليوم أشعر أنني حققت جزءًا من حلمي، انتقلت من مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية إلى مقاعد الجامعة، وأنا أدرس بلغتي وأعتز بها، والأجمل من ذلك أن شهادتي أصبحت معترفاً بها، إنه شعور لا يمكن وصفه بالكلمات، شعور بالإنصاف والاعتزاز والانتماء، ورسالة أمل لكل طالب وطالبة تمسكوا بلغتهم رغم كل الصعوبات”.
مشيرةً إلى أن الطريق لم يكن سهلاً لطلاب درسوا باللغة الكردية، فقد كانت هناك فئات وشخصيات كثيرة تقلل من قيمة اللغة الكردية ومن مناهج الإدارة الذاتية، وكانت تردد باستمرار أن هذه الشهادات لن تكون معترفاً بها، وأن الطلاب الذين يدرسون بهذه المناهج سيواجهون مستقبلاً مجهولاً: “كنا نسمع هذه الآراء بشكل متكرر، سواءً في وسائل الإعلام أو في النقاشات اليومية”.
مشددةً أنهم تمسكوا بلغتهم وبحقهم في التعلم بها، وآمنوا بالمسار التعليمي الذي بدأ منذ إدخال اللغة الكردية إلى المدارس: “الاعتراف بشهادات ومناهج الإدارة الذاتية يمثل لي أكبر رد على كل من شكك بهذا المشروع التعليمي أو قلل من شأنه، فهذا الاعتراف لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة سنوات من العمل والجهد والتطوير”.
“تمسكنا بلغتنا بالرغم من التشكيك”
ومن جهتها؛ قالت “روان يوسف“: “أشعر بفخر كبير لأنني لم أتخلَّ عن لغتي ولم أستسلم لكل الأصوات التي حاولت إقناعنا بأن الدراسة باللغة الكردية لن تقودنا إلى النجاح، أرى في هذا الاعتراف إنجازاً هاماً يؤكد أن تمسكنا بلغتنا وتعليمنا كان قراراً صحيحاً، وأن الإرادة والإصرار قادران على تجاوز كل العقبات والتحديات”.
وبحسب روان إن هذه اللحظة ليست انتصاراً شخصياً لها فقط، بل هي فرحة لكل طالب وطالبة وثقوا بلغتهم وبمستقبلهم، وواصلوا طريقهم رغم كل محاولات التهميش والتشكيك.
وبينت روان أن ما تحقق اليوم لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة سنوات طويلة من العمل والإيمان باللغة الكردية وحق الأجيال في تعلمها: “إن ثورة روج آفا وضعت الأساس الأول لتدريس اللغة الكردية بشكل منظم داخل المدارس، في وقت كانت فيه هذه الخطوة تواجه الكثير من التحديات والانتقادات”.
وأضافت: “الطلاب والمعلمون والأساتذة الذين آمنوا بلغتهم ساروا على هذه الأسس بثقة وإصرار، وتحملوا الكثير من الصعوبات من أجل أن تصل الأجيال القادمة إلى مرحلة يكون فيها التعليم باللغة الكردية أمراً طبيعياً ومعترفاً به ما نراه اليوم هو ثمرة جهود جماعية امتدت لسنوات طويلة”.
مسار النجاح مستمر
ولفتت إلى أن الاعتراف بشهادات ومناهج الإدارة الذاتية يمثل محطة مهمة في هذا المسار، ويعكس حجم العمل الذي بُذل من أجل ترسيخ مكانة اللغة الكردية في المجال التعليمي.
وختمت الطالبة “روان يوسف”: “أشعر بالفخر لأنني كنت جزءًا من هذا المسار منذ مراحله الأولى، درست باللغة الكردية منذ طفولتي، واليوم أنا طالبة جامعية أتابع تعليمي وأرى النتائج التي حلم بها الكثيرون، هذه الإنجازات لا تخص جيلاً واحداً فقط، بل تمهد الطريق أمام أجيال قادمة ستتعلم بلغتها الأم بثقة أكبر وفرص أوسع مما كان متاحاً لنا في السابق”.
اعترفت وزارة التربية والتعليم السورية بالشهادات الممنوحة سابقاً من قبل الإدارة الذاتية، وفق قرار أصدرته يوم الخميس المصادف 18 حزيران الجاري، ضمن إجراءات تطبيق بنود اتفاقية التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني الجاري.
ويسمح القرار لطلاب مناهج الإدارة الذاتية بالتقدم إلى امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة خلال العامين الدراسيين 2025-2026 و2026-2027، وفق المعايير والضوابط المعتمدة لدى الوزارة.
وقالت الوزارة إن اعتماد الشهادات سيتم بموجب تعليمات وإجراءات ستصدر لاحقاً، مشيرةً إلى أن القرار يأتي في إطار توحيد المرجعية التعليمية وتطبيق المنهاج الوطني السوري.
ويعد القرار أول اعتراف رسمي من وزارة التربية والتعليم السورية بالشهادات الصادرة عن الإدارة الذاتية منذ بدء العمل بمناهجها في مناطق شمال وشرق سوريا.