حمل الشعر العربي على امتداد عصوره قصصاً مليئة بالمشاعر والدهشة يرافقهما تاريخ يكتب نفسه في كل مملكة نشأت بقوتها وحضارتها وأدبها وفنونها، فكانت حالة تاريخية متصلة ووقفاً جمالياً في كل تفصيل وثّقه الشعر حتى وصل إلينا، ولعل في قصّة الشاعر العباسي علي أبو الحسن ابن زريق البغدادي المتوفّى سنة “420 هـ – 1029م” رسالة تعبّر عن طبيعة المشاعر والحياة بتفاصيلها اليومية وحجم المأساة التي مازال يتعرّض لها الشعراء منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا، وكيف أن الكتابة كانت وسيلتهم في الحياة والموت معاً، فلم تكن رحلة ابن زريق مجرّد طلب للرزق، بل غربة للعواطف والقرائح التي نذرت حروفها شهيدة وشاهدة على قهر الرجال ولوعة الفراق بين الأحبّة.
كان ابن زريق البغدادي وهو من بغداد مولعاً بحب زوجته وابنة عمّه، ولم يكن قد مضى على زواجهما الكثير حتى واجه واقعاً معيشياً صعباً، وكان بعض الشعراء في تلك المرحلة يعتاشون على شعرهم، فمنهم من يصيب رزقه عند أمير كريم يجزل له العطاء، ومنهم من لا يحالفه الحظ فيشقى بقلّة الرزق، وكان ابن زريق البغدادي من هؤلاء الذين لا يملكون حظاً من شعرهم في محيطهم.
كان محبّاً لزوجته وكانت محبّة له ولا يطيقان البعد عن بعضهما ساعة من نهار، ولكن العوز كان أقوى منهما، فقرّر السفر من بغداد إلى الأندلس بعد أن سمع عن أمير فيها يُدعى أبو الخبير عبد الرحمن الأندلسي كان يجزل العطاء لمن يقول فيه الشعر في مجلسه، ولم يكن لديه بدٌّ ممّا ليس منه بد، لكن؛ زوجته وابنة عمّه التي تعلّقت به تعلّقاً شديداً لم تكن تستطيع أن يفارقها، وإن كان الثمن مالاً وجاهاً حُرمت منهما في ربيع شبابها، فجلست تتوسّل إلى زوجها ألا يفارقها ويمضي في رحلة تستغرق شهوراً وربما عاماً، ومن يدري؟ فقد يذهب المرء بهذه الرحلة ولا يعود، حزم أمره وقرّر الرحيل ودموع زوجته على خدّيها لا تجف حتى حان موعد الرحيل الذي كان أشد على قلب الزوج من زوجته، ولكن المكابرة كانت ضرورة في مثل هذه اللحظات.
مضى أبو الحسن علي بن زريق البغدادي إلى الأندلس في رحلة لم يكن يعلم أنها الأخيرة، وربّما أن شعوراً غامراً طغى في لحظة ما عند الفراق ظنّه الزوجان حسرة على فترة الغياب التي ستكون عاقبتها وصل وخير، إلا أنهما في حقيقة الأمر كانا يلقيان النظرة الأخيرة على بعضمها قبل الوداع الذي كان الأخير، لم تكن الطريق مفروشة بالورود، وبعد رحلة استمرت لأشهر عبر بها ابن زريق الصحراء والقفار وقطع البحر من عدوة المغرب إلى عدوة الأندلس وصل أخيراً قصر الأمير عبد الرحمن الأندلسي، واستقبله الأمير بحفاوة عندما علم أنه شاعر قطع كل هذه المشقّة من المشرق ليمتدحه بقصيدة، فبالغ في إكرامه، الأمر الذي توسّم به ابن زريق كل الخير وأنه ربما سيودّع فقره الموجع ويحظى بما بذل الجهد في سبيله، ولكن المفاجأة كانت شديدة على ابن زريق عندما أعطاه الأمير مالاً قليلاً وقال له تعال غداً وأسمعنا المزيد!
كان الأمير قد قرّر أن يمازح ضيفه، ولأنه سُر مما سمعه منه، تقصّد أن يقلّل المال ليأتيه الشاعر بالمزيد من الشعر في اليوم التالي ثم يجزل له ما يستحق، ولكن لم يعلم الأمير أنه قتل ضيفه بمزحة لم تكن لطيفة، عندما عاد ابن زريق إلى الخان الذي نزل فيه ومعه مال لا يفي ما خرج من أجله كل هذه المسافات، وجلس يلوم نفسه، ويذكر توسّل زوجته به ألا يتركها ويذهب، وجد نفسه بلحظة ما قد خسر كل شيء وقلبه يعتصر ألماً، ثم قال: “إنا لله وإنا إليه راجعون! سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل، فأعطاني هذا العطاء!”.
ثم انزوى يأنّب ذاته تأنيباً شديداً، وقد غلّقت الدنيا أبوابها بوجهه.
وفي صباح اليوم التالي تأخّر عن مجلس الأمير، فأرسل في طلبه، ثم وجده الرسول ميتاً في فراشه وعند رأسه صحيفة مطوية كتب عليها أروع قصائد الشعر العربي في الحسرة والحب والوجع والتي سميت باليتيمة أو الفراقية، ولم يعرف التاريخ والرواة لابن زريق قصيدة غيرها، فكانت تعبيراً عن الخيبة والألم في فراق الأحبة الذين لم يبادلوه إلا الحب، ويأساً من الذين قصدهم وكان يعلق عليهم آماله وآمال احبّته، في إثبات على أن انفعال الشاعر قد يصل به إلى الموت حقّاً فكل ما يصدر عنه يتّصل بالقلب مباشرة.
قصيدة “لا تعذليه” أو الفراقية اليتيمة كما عرفت لابن زريق البغدادي تعتبر ملحمة شعورية مؤلمة تركها إرثاً شعرياً عظيماً للذاكرة الإنسانية تجسّد معاني الرقة والحنان والحب والوفاء والموت من أجل من نحب، ولا تخلو عصور الأدب العربي من القصص التي تحمل عبرة وقصّة تفيد المهتمين بالأدب، وتضيف للذاكرة الجمعية لجميع الآداب المحلية والعالمية على حد سواء.
ووجدت الرقعة التي كتب فيها ابن زريق فراقيته الشهيرة وجدت عند رأسه وهو مفارق للحياة، وكان يريد إرسالها لزوجته وقال فيها: