روديا عبدو
في حيّ الزيتونة بقدور بك، لم تكن الشوارع مجرّد طرقٍ ضيّقة بين البيوت، بل تحوّلت إلى ساحات كرامة، وإلى مسارح للشجاعة التي خرجت من قلوب النساء قبل أن تخرج من حناجر الرجال. هناك، حين دوّى نداء النفير، لم تتأخر النساء خطوة واحدة، التففْنَ حول أبنائهن، لا كوداعٍ خائف، بل كدرعٍ من الإيمان والقوة.
خرجت النساء إلى الشوارع، أشعلن إطارات الدواليب، وارتفعت ألسنة النار كأنها رسائل تحدٍّ في وجه الظلم، بينما كانت الأصوات تعلو بشعارات المقاومة والنصر، لا لتخويف العدو فقط، بل لرفع معنويات أولادهن الذين خرجوا لحماية أهلهم وأحيائهم. في تلك اللحظات، كانت الأم كردية بمعنى الكلمة: قلبها مع ابنها، وصوتها أعلى من الخوف.
وصعدت النساء منابر الجامع، ليس بحثاً عن خطابة، بل عن حقٍ في التعبير، فارتفعت الأغاني القومية الكردية، واهتزت الجدران بشجاعتهن وبغضبٍ نبيل وواعٍ. غضبٌ وُلد من جرح الكرامة، من قصّ جدائل وشعر المقاتلة الكردية، وكأن في ذلك القص محاولة لكسر رمزٍ لا يُكسر. لكن؛ نساء الزيتونية لم ينكسرن. نزلن إلى الساحات، وهن يجدلن ضفائرهن من جديد، جدائل لم تكن زينة، بل إعلان موقف. جدائل ترمز إلى الشرف، إلى الهوية، إلى أن المرأة الكردية قد تُحاصر، قد تُستفَز، لكنها لا تتخلى عن معناها ولا عن جذورها.
ولأن الشجاعة الحقيقية لا تكتمل دون إنسانية، لم يتوقف دور نساء حي الزيتونية عند ساحات الغضب والهتاف. فبرغم بساطة أوضاعهن المعيشية، وبرغم ضيق الحال، فتحت بيوتهن أبوابها للمهجرين، تقاسمن اللقمة، والدفء، والمساحة، وكأن الألم حين يُقسم يصبح أخف. قدّمن واجبهن الإنساني بصمتٍ نبيل، دون منّة أو انتظار شكر، لأن من تربّت على الكرامة تعرف أن الوقوف مع المكسورين شكلٌ آخر من أشكال المقاومة.
في حي الزيتونية، أثبتت النساء أن الأنوثة ليست ضعفاً، بل قوة ناعمة حيناً، وناراً حيناً آخر. أثبتن أن المرأة حين تدافع عن كرامتها وأبنائها، وحين تحتضن المهجرين كما تحتضن أبناءها، تصبح وطناً كاملاً، ويصبح صوتها نشيد مقاومة لا يُنسى.
هؤلاء النساء لم يكتبن التاريخ بالحبر، بل بالموقف، وبالصوت العالي، وبالبيوت المفتوحة، وبالجدائل التي بقيت مرفوعة كراية شرف في وجه كل من ظنّ أن المرأة يمكن أن تُقصّ من الحكاية.