No Result
View All Result
قامشلو/ آرين زاغروس – تعود مدينة كوباني اليوم لتواجه شبح الحصار من جديد، في مشهد يعيد إلى الأذهان حصار مرتزقة داعش، إذ تعيش المدينة منذ ستة أيام حصاراً شديداً يفرض عزلة كاملة على المدينة، وسط برد قارس ونقص حاد في المياه والكهرباء والغذاء، فيما يواصل الأهالي والمقاتلون دفاعهم وصمودهم، رافعين شعار المقاومة في مواجهة أزمة إنسانية حادة تهدد السكان.
تعيش مدينة كوباني في شمال وشرق سوريا؛ الواقعة على الحدود السورية ـ التركية، واحدة من أصعب مراحلها منذ انتهاء حصار عام 2014، إذ تعود اليوم لتواجه واقعاً قاسياً من العزلة والتضييق والحصار المتصاعد من الحكومة السورية المؤقتة في مشهد يعيد إلى الذاكرة الجماعية للمدينة تجربة قاسية لم تبرأ آثارها حتى الآن.
فمنذ 20 كانون الثاني الجاري الجاري، عادت مدينة كوباني إلى الحصار غير المعلن، وسط هجمات عدوانية متواصلة وانقطاع شبه كامل لمقومات الحياة الأساسية، ما وضع المدينة وسكانها أمام اختبار وجودي جديد.
حصار عام 2014
ويستحضر هذا الواقع تلقائياً أول حصار شهدته كوباني خلال الأزمة السورية، حين شنّ مرتزقة داعش في عام 2014 هجوماً واسعاً للسيطرة على المدينة، مستغلاً موقعها الاستراتيجي.
وبدأ ذلك الحصار في صيف العام ذاته، وبلغ ذروته في أيلول، عندما طوّق المرتزقة المدينة من ثلاث جهات بعد سيطرته على عشرات القرى المحيطة بها، مستخدماً أسلحة ثقيلة ومتوسطة بدعم تركي، حيث تعرضت كوباني آنذاك لقصف عنيف واشتباكات غير مسبوقة أدت إلى تهجير عشرات الآلاف من المدنيين نحو باكور كردستان، فيما بقي عدد من الأهالي داخل المدينة إلى جانب المقاتلين المدافعين عنها.
وخلال ذلك الحصار، تولّت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة مهمة الدفاع عن المدينة بإمكانات محدودة، معتمدة على حرب الشوارع والمقاومة المباشرة داخل الأحياء.
وشكّل صمود كوباني حينها نقطة تحوّل إقليمية ودولية، حيث استقطبت المقاومة اهتماماً واسعاً، إذ أبدى المقاتلون مقاومة وصمود أسهم في كسر الحصار تدريجياً، وصولاً إلى إعلان تحرير المدينة في كانون الثاني 2015، بعد معركة استمرت نحو أربعة أشهر وخلّفت دماراً واسعاً في البنية التحتية.
عودة الحصار
واليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك المقاومة؛ تجد كوباني نفسها مجدداً في مواجهة حصار جديد، وإن اختلفت طبيعته وأدواته، فالحصار الحالي لا يقتصر على تكثيف الهجمات العدوانية في محيط المدينة، بل يمتد ليشمل قطع طرق الإمداد، وتعطيل الحركة التجارية والتنقل، واستهداف البنية التحتية الحيوية، ما انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، ودخل هذا الحصار يومه السادس وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة، تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع واقع معيشي خانق.
وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن مدينة كوباني تواجه وضعاً إنسانياً كارثياً في ظل تكثيف الهجمات وفرض حصار كامل على المدينة ومحيطها، ما أدى إلى انهيار شبه تام في مقومات الحياة الأساسية.
وبالتوازي مع ذلك، تشهد القرى المحيطة بمدينة كوباني موجات تهجير داخلي متسارعة نحو مركز المدينة، هرباً من القصف والعمليات العدوانية في الأرياف، إذ أنه خلال الأيام الأخيرة، هجرت عشرات العائلات من القرى الجنوبية والريف القريب بعد تعرض مناطقهم للاستهداف بالأسلحة الثقيلة والقذائف.
ومن القرى التي اضطر سكانها إلى التهجير نحو المدينة قرية “خروص” جنوب كوباني، إضافة إلى قرى “حمداش، وجعدة، وقبة الآهلة”، ناهيك عن مخيم تل السمن ومهجرين من الطبقة والرقة، وتشير المعطيات الميدانية إلى أن عدد المهجرين يُقدّر بالمئات حتى الآن، ويضطر الكثير من المهجرين إلى النوم في العراء أو في سياراتهم بسبب نقص الأماكن ومراكز الإيواء، وسط مخاوف حقيقية من اتساع رقعة التهجير في حال استمرار التصعيد، خاصةً مع بقاء العديد من القرى الأخرى مهددة باللجوء إلى المدينة.
ويفرض هذا التدفق السكاني المتزايد، ضغطاً إضافياً على الموارد المحدودة داخل كوباني، ويرفع من حجم الاحتياجات الإنسانية في مجالات المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية، وتزداد المخاوف من تفاقم الأزمة في ظل العجز عن إدخال المساعدات الإنسانية، نتيجة إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة.
وضع إنساني كارثي
كما حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من أن استمرار الحصار وانقطاع الخدمات الأساسية ينذر بكارثة إنسانية وشيكة، في ظل تزايد مخاطر سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والرضّع، وتفاقم الضغوط النفسية والاجتماعية على الأسر. إذ تشهد المدينة انقطاعاً كاملاً لمياه الشرب، بالتزامن مع انقطاع تام للتيار الكهربائي، الأمر الذي تسبب بتوقف المرافق الصحية وتعطّل أنظمة ضخ المياه وشبكات الاتصالات، وعزل المدينة بشكل شبه كامل عن محيطها الخارجي، ما يعرقل أي استجابة إنسانية طارئة.
كما وتشهد الأسواق المحلية نفاداً كاملاً لمادة الطحين وغياباً شبه تام للخبز، إلى جانب نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية وحليب الأطفال، إضافةً، إلى انعدام شبه كامل لمادة الوقود، وقد أدى ذلك إلى توقف وسائل النقل والمولدات الكهربائية والمرافق الحيوية، ما فاقم معاناة السكان، ولا سيما النساء والأطفال وكبار السن، في ظل الظروف المناخية القاسية التي تشهدها المنطقة خلال فصل الشتاء.
وقد سُجّلت وفاة أربعة أطفال في مدينة كوباني نتيجة البرد الشديد، عقب العاصفة الثلجية التي ضربت المنطقة، في مؤشر خطير على هشاشة الوضع الإنساني. ومن جهتها، قالت الأمم المتحدة، في تصريحات لها؛ إن جميع الطرق المؤدية إلى كوباني مغلقة، مؤكدةً، علمها بانقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت، محذّرةً، من خطورة التدهور المتسارع للوضع الإنساني في المدينة دون إي تدخل فعلي على أرض الواقع.
كما أكد الهلال الأحمر الكردي، أن استمرار الحصار يؤدي بطبيعته إلى تفشي الأمراض والأوبئة، نتيجة الانعدام شبه الكامل لمقومات الحياة الأساسية، كالمياه والكهرباء والأدوية وحليب الأطفال، مشيراً، إلى أن هذه العوامل تشكّل تهديداً مباشراً على حياة الأطفال بشكل خاص، وتضع القطاعين الصحي والإنساني في المدينة أمام خطر حقيقي.
مقاومة مستمرة
ورغم قسوة المشهد، تتجلّى المقاومة التي يبديها أهالي مدينة كوباني اليوم في صورة صمود جماعي يعكس عمق التجربة التي خاضتها المدينة في مراحل سابقة من تاريخها، فعلى الرغم من القصف، والحصار، والضغوط المعيشية، وحالة القلق المستمرة، يواصل السكان التمسك بالبقاء في مدينتهم، متسلحين بالثقة والإرادة الجماعية في مواجهة المخاطر.
وفي هذا السياق، لم يقتصر دور الأهالي على الصمود المدني فقط، بل خرج العديد منهم لدعم القوات المدافعة عن المدينة، سواء عبر تقديم الإسناد المعنوي أو المساهمة في جهود الدفاع، في تعبير واضح عن وحدة الموقف بين السكان والقوى العسكرية الموجودة على الأرض.
ويعكس هذا التلاحم استعداداً واضحاً للدفاع عن المدينة وحماية الوجود، في مشهد يعيد إلى الأذهان نماذج المقاومة التي شكّلت جزءاً من الذاكرة الجمعية لكوباني، ورسّختها كمدينة قادرة على الصمود رغم تكرار التحديات.
وبين حصار الأمس واليوم، تبقى كوباني مدينة تقاوم العزلة بالثبات، وتواجه الخطر بالتكاتف، في انتظار انفراج سياسي أو إنساني يضع حداً لمعاناة سكانها، ويمنع تكرار فصل جديد من المأساة الإنسانية التي لا تزال تلوح في الأفق.
No Result
View All Result