وينشأ مفهوم الحتميّة في أدمغتنا نتيجة قناعاتنا الحتميّة بصحّة تفكيرنا في تلك المعلومة أو المعتقد، إذ إنّ الخطأ الفادح يكمن في تلك القناعة لا في المعلومة. وهذا يستدعي مراجعة تلك الطّرائق التي اتّخذناها أساليب للتّفكير؛ لكي نبدأ من جديد بفكر أكثر تواضعاً وتداركاً.
ولا ينحصر أثر الحتميّة في ذلك وحسب، بل يمتدّ إلى إلحاق الضّرر بصحّة فكرنا وتفكيرنا، حتى حالتنا النّفسيّة، ومن هذا يُستخلَص استنتاجٌ مفاده: إنّ الحتميّة إحدى أعراض الإصابة بالأمراض النّفسيّة كونها تخلق لديك رؤية مستقبليّة حتميّة: (إنّها القلق الحتميّ).
والقوّة الفكريّة هي الأكثر استفادةً من المعطيات، وهي متأهّبة للتّعامل مع التّداعيات في كلّ مرحلة من مراحل الأحداث، أو التّغيرات الطّارئة النّاتجة عن عوامل كثيرة، والتي لا مناص من أن تظهر في مسيرة هدفك أو حياتك. هذه القوّة تمنحك الثّقة بالقدرات والتّعامل مع المؤثّرات من دون الرّضوخ للحتميّة، أو الإيهام بها.
(الحتمية لا تقبل حتميّتها لأنّها خارج دائرة الفناء)، كأننا نقول: إنّ العلة تكمن في العلة ذاتها، إذ لا جدوى من معالجتها، أو تجنّبها.
2- التّناقض: إنّ مفهوم التّناقض حسب ما عرّفه الكثير من الفلاسفة والمختصّين يعني أنّ الشّيء ذاته لا يمكن أن يكون حقاً وباطلاً في نفس الزّمان والمكان، بمعنى أنّه مجرّدٌ من التّفسير أكثر ممّا هو مفسّر بحد ذاته، فالمصطلح يعبّر عن ذاته بين الخير والشّر، والصّح والخطأ، أو أن تكمن الحالتان في دائرة واحدة، أو ممارسة ما، فباعتقادي يمكن للشّيء أن يكون حقاً وباطلاً في الوقت نفسه، إذ إنّه قد يكون صحيحاً بالنّسبة إلى مفهومك، وفي المقابل هو خطأٌ بالنّسبة إلى مفهومي، وإنّ الصّفة المطلقة لشيء ما تمنحه الحتميّة؛ فلا تقع في هذا الفخ، إذ ليس هناك شيء حتميّ، أو صفة حتميّة، أو كلّية في سلوكيّاتنا وممارساتنا؛ لذا لا نملك القدرة الكاملة لنمنح الأحقّيّة الكاملة لشيءٍ ما.
ولأجل ذلك سنعيد النّظر في توضيح مفهوم التّناقض حسب وجهة نظرنا لأنه سبّب الكثير من المشاكل والاختلافات الفكريّة، والاجتماعية، وغيرها، ولكي يسلم محتواك الفكريّ، ويعيش حالة الاستقرار، فإنّ عليك الإيعاز بصوت عالٍ: أين نحن من مفهوم التّناقض، فلا حقّ من دون باطل ولا باطل يذكر من دون حقّ. وهما سرّ تقدّمنا وتطوّرنا نحو الأفضل.
ولهذا لا تؤطّروا المفاهيم المتناقضة في خانة الصّراع، بل ضعوها في فضاء التّنافس الفكريّ لأنه سرّ الحيويّة واليقظة الفكريّة. فمثلاً قد يكون للحب شرعنة في أحقيّة امتلاك الشيء، والتي قد تكون باطلة في الوقت نفسه؛ (فانتبهوا لذلك)، أعود فأكرّر القول: لا تقعوا في فخ الحتميّة، والتي يُعَدّ التّناقض أحد مولّداتها.
والذي يؤكّد ما ذهبنا إليه المقولة الشّهيرة: (اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً)، أمعن النّظر في هذا التّناقض المتجسّد في هذا القول، والذي يتمثّل في كيفيّة التّعامل مع الحالتَين: العيش الأبديّ، والموت في أيّ لحظة. فهما حالتان متضادتان، بيد أنّهما متزامنتان في المكان نفسه.
لا تدع مفهوم التناقض يؤثّر على محتواك الفكريّ، وإلّا، فستقع في حالة حيرة من أمرك متسائلاً: أيّهما الباطل، وأيّهما الحقّ! بل التجئ إلى القوة الفكريّة المنبثقة من الذّات للتّعامل مع المحتوى والواقع في آنٍ واحد. حينئذٍ ستجد أنّك تحوّلت من تابع إلى مستقلّ، وقائد يدير التّناقض، ويحيي المحتوى الفكريّ.
قد يتحدّث أحدهم بمفاهيم مثاليّة، بيد أنّ سلوكه عكس ذلك، فيُتّهَم بأنّه متناقض مع أفكاره وقناعاته، فباعتقادي يجب إعادة النّظر في هذا الاتّهام لأنّه ثمة صراع بين تلك الأفكار والواقع، علماً أنّ هذا الاتّهام يدخلنا في خانة المثاليّة، وتكون الضّحية هي سلوكنا في التّعامل مع معطيي الأفكار والواقع.
لذلك؛ أفضّل التّخلّي عن مفهوم التّناقض، ثمّ استبدال المّخالُف به، ولْتكن ممارساتنا في مخالفات، فهي بهذه الحال أفضل من أن تثقّل بذلك المفهوم البشع والمؤثّر في طريقة تفكيرنا، إذ إنّ مفهوم المخالفة يوجهك نحو الإصلاح، أمّا التّناقض، فيضعك في خانة الحيرة.