أحمد حسن
يعدُّ الشرق الأوسط، ومنذ بداية القرن العشرين، من أكثر الجغرافيات التي شهدت حروب التقاسم الإمبريالية، وبناء الدول القومية، والصراعات القائمة على الهوية والقضية الكردية التي تقع في مركز هذه المعادلة ليست مجرد نضال شعب من أجل حق تقرير المصير؛ بل هي أيضاً مسألة ديمقراطية المنطقة، وبناء السلام، والعيش المشترك للشعوب على أساس المساواة، والخطوات العسكرية والدبلوماسية الأخيرة للولايات المتحدة تجاه المنطقة أشعلت النقاشات حول حل هذه القضية من جديد. بينما تكتسب التوازنات الاستراتيجية في المنطقة زخماً مع حرب أمريكا – إسرائيل – إيران، فإن اتفاقيات إبراهام لم تعد تقتصر على دول الخليج – إسرائيل فحسب، بل امتدت إلى ممر الفرات – دجلة، والحراك الدبلوماسي الأخير لـ “والي الشرق الأوسط” في الإدارة الأمريكية توم باراك يهدف أساساً إلى نقل “اتفاقيات إبراهام” إلى ممر بلاد ما بين النهرين، وقد تردد توم باراك على بغداد وهولير ودمشق، وتركز جدول الأعمال على ثلاث نقاط:
. كسر تأثير “الهلال الشيعي” الإيراني في العراق، وتقليص ميزانية الحشد الشعبي ونفوذه داخل الجيش العراقي، وربط نفط البصرة بالشركات الأمريكية وصناديق الخليج.
. إخراج الكرد من كونهم فاعلاً في حل القضية الكردية التي تنتظر حلاً عاجلاً في الشرق الأوسط، وتحويلهم إلى قوة احتياطية لأنظمة المنطقة. في هذا السياق، ما هي الخلفية التاريخية للقضية الكردية، وما هي آثار سياسات الولايات المتحدة على المنطقة؟ ولماذا تتردد الولايات المتحدة والقوى العالمية في تناول اقتراحات الحل القائمة على منظور “الأمة الديمقراطية” بشكلٍ شامل، وتقيم تحالفات استراتيجية مع القوى الملكية والقوى المهيمنة في المنطقة؟
ـ وبارتباط اتفاقيات إبراهام، فإن هدف أمريكا لضمان أمن إسرائيل هو تطبيع العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل، وجعل العراق ممر عبور في خطوط أنابيب الطاقة، وخاصةً خط الأردن – حيفا، وهذا هو جوهر مساومة “الاستثمار في البنية التحتية” التي يجريها توم باراك في بغداد.
في خط سوريا
الهدف: فصل دمشق عن المحور الإيراني – الروسي، وضمان الوجود الأمريكي شرق الفرات من خلال الشراكة مع السلطة الجديدة في دمشق.
لا شك أن مساومة الأمن الأمريكية والإسرائيلية على سوريا، وخط لبنان – حزب الله، لا ينفصلان عن بعضهما، وحراك توم باراك في دمشق وهولير وبغداد هو دبلوماسية البحث عن وكيل موثوق به.
“الوالي الاستعماري” لأمريكا يحاول نسج هذا الحراك وهذه الشبكة الدبلوماسية بهذه الطريقة.
لماذا يتم إخراج الكرد من كونهم فاعلاً ويُنظر إليهم كقوةٍ احتياطية للتحالفات الجيوسياسية من أجل “حزمة أمن إسرائيل” وسلامة ممرات الطاقة الاستراتيجية؟
1. الخلفية التاريخية: من سايكس – بيكو إلى لوزان، بناء الدول وحالة اللادولة للكرد:
الاتفاقيات التي رسمت الحدود، اتفاقية سايكس – بيكو 1916 ومعاهدة لوزان 1923، شكلت أساس تقسيم الشرق الأوسط إلى دول قومية مصطنعة، وفي هذه العملية، وجد الكرد أنفسهم في حالة لا دولة رباعية بتقسيم جغرافيتهم بين إيران والعراق وسوريا وتركيا. وقد جلب فهم الدول القومية “أمة واحدة، دولة واحدة، لغة واحدة” سياسات أنكرت بشكلٍ منهجي لغة الكرد وثقافتهم وحقوقهم السياسية.
خاصةً سياسات الاستيعاب المطبّقة في تركيا منذ عشرينيات القرن الماضي، ومشاريع التتريك القسري وإنكار الهوية الكردية؛ والأنفال والأسلحة الكيميائية في العراق؛ وإسقاط الجنسية ومشروع “الحزام العربي” في سوريا؛ والضغوط الثقافية في إيران، هي أشكال مختلفة من سياسة الإنكار هذه، ونتيجة لذلك، تحولت القضية الكردية من مجرد مسألة عرقية إلى مشكلة عدم اعتبار الدولة لمواطنيها على قدم المساواة، وعدم اعترافها بالاختلافات، ورفضها للديمقراطية.
2. سياسة الولايات المتحدة والقوى العالمية في الشرق الأوسط وعلاقتها بالكرد: الكرد لم تتغير سياستهم منذ قرن، من الشراكة الاستراتيجية إلى المساومة الجيوسياسية: خلال الحرب الباردة، دعمت الولايات المتحدة الحركات الكردية بشكلٍ غير مباشر أحياناً في إطار تحالفاتها مع دول المنطقة ضد الاتحاد السوفيتي. وبعد حرب الخليج 1991، أعلنت “منطقة حظر الطيران” التي أُقيمت في باشور كردستان “شمال العراق” الطريق أمام الاستقلال الفعلي لحكومة إقليم كردستان. وبعد احتلال العراق 2003، اكتسبت حكومة الإقليم مكانة دستورية وأصبحت عنصراً مؤسساً للعراق الفيدرالي.
ومع صعود داعش عام 2014 والمقاومة في روج آفا، بدأت فترة جديدة من التعاون التكتيكي بين الولايات المتحدة والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. برزت قوات YPG/YPJ كقوة برية في مكافحة داعش، بينما قدمت الولايات المتحدة الدعم الجوي واللوجستي. لكن؛ سياسة أمريكا لم تدمر تحالفها الاستراتيجي مع تركيا. وأعطت واشنطن الأولوية للعلاقات التكتيكية مع الكرد على أساس التوازنات الجيوسياسية في علاقاتها الاستراتيجية مع دول المنطقة، وللحفاظ على علاقاتها مع أنقرة، عرّفت واشنطن الهيكل المستقل في روج آفا بأنه “مؤقت” و”محدود بمكافحة داعش”، ولم تدعم بشكل علني المطالب السياسية للكرد بالحصول على المكانة.
هذا الموقف المتناقض يكشف الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط: ضمان الاستقرار في المنطقة، والحد من تأثير إيران، وضمان أمن إسرائيل. يُنظر إلى الكرد في هذه الاستراتيجية على أنهم “حليف مفيد”؛ لكن لا يتم الاعتراف بهم كفاعلٍ سياسي مستقل. وفي الواقع، رغم أن الولايات المتحدة أعطت ردود فعل محدودة على العمليات العدوانية التركية ضد روج آفا، إلا أنها لم تتبع سياسة واضحة للحفاظ على المكاسب السياسية للكرد.
ومن المعروف أن سبب المشاكل السياسية الأساسية في الشرق الأوسط هو فهم الدولة القومية، وتريد الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة الحفاظ على مشاكل الدولة القومية في القرن العشرين حية في القرن الحادي والعشرين دون المساس بالخرائط المرسومة بعد الحرب العالمية الأولى. وتوجه خريطة الطريق الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين دون فصل التناقضات والصراعات العرقية والدينية والمذهبية عن جدول أعمال سياساتها التكتيكية.
3. منظور الحل: الأمة الديمقراطية، الكونفدرالية الديمقراطية، والعيش المشترك للشعوب: حل القضية الكردية ممكن بالانفصال عن نموذج الإنكار والاستيعاب للدولة القومية، وبمنظور “الأمة الديمقراطية” و”الكونفدرالية الديمقراطية”، هذا النهج يدافع عن حق الكرد في تقرير المصير، ولكن ضمن حدود الدول الحالية، وعلى أساس التكامل الديمقراطي والعيش المشترك للشعوب على أساس المساواة والطوعية، مبادئه الأساسية هي:
أ. الحكم الذاتي الديمقراطي والإدارات المحلية: مقابل السلطة المطلقة للدولة المركزية، حق الشعوب المحلية في الإدارة الذاتية. الاستقلال الذاتي في مجالات التعليم والثقافة واللغة والاقتصاد المحلي، لكن التنسيق مع الدولة المركزية في مجالات مثل الدفاع والسياسة الخارجية والعملة.
ب. التعددية الثقافية والمواطنة المتساوية: التخلي عن البنية الأحادية الاستيعابية للأيديولوجية الرسمية للدولة. ضمان دستوري للغة الكردية، والاعتراف بالهويات والمعتقدات المختلفة على أساس المواطنة المتساوية.
ج. الكونفدرالية الديمقراطية: اتحاد شعوب الشرق الأوسط داخل كونفدرالية ديمقراطية عبر الحدود. هذا النموذج، دون إلغاء حدود الدول القومية، يتنبأ بتوحد الشعوب تحت سقف كونفدرالية ديمقراطية على مستوى أعلى بعد إنشاء إداراتها المحلية.
د. حرية المرأة والمجتمع البيئي: أحد الركائز الأساسية للحل الديمقراطي هي تصفية النظام الأبوي والتمثيل المتساوي للمرأة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، الهدف بناء مجتمع بيئي ضد الدمار البيئي للحداثة الرأسمالية.
هذا المنظور لا ينطبق على الكرد فقط؛ بل ينطبق على العرب والتركمان والسريان والأرمن وجميع الشعوب في المنطقة، لأن المشكلة ليست في إقامة الكرد لدولة؛ بل في منح الدولة حق المواطنة المتساوية لجميع الشعوب.
سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تتشكل على أساس المصالح الاستراتيجية. لا توجد في المصالح الاستراتيجية لأمريكا مشكلة حرية وحقوق عرقية ودينية ومذهبية وديمقراطية. بينما يمكن أن تصبح المصالح الاستراتيجية دائمة فقط مع شرق أوسط ديمقراطي. يجب على الولايات المتحدة ألا ترى تحالفها مع الكرد محدوداً بمكافحة داعش فقط، وأن تعترف بالهيكل المستقل الديمقراطي في روج آفا، وأن تجبر تركيا على الحل الديمقراطي للقضية الكردية.
أما بالنسبة لتركيا، فمن الواضح الآن أن القضية الكردية لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية، لقد عمّقت الصراعات المستمرة لسنوات القضية الكردية وزادت من عدم الاستقرار في المنطقة. الحل الديمقراطي يعني ديمقراطية تركيا، وتأسيس حكم القانون الديمقراطي، وامتلاك جميع المواطنين حق المواطنة المتساوية.
واعتماد إيران والعراق وسوريا أيضاً لهذا المنظور الديمقراطي هو الشرط الأساسي للاستقرار والسلام في المنطقة. يمكن تحقيق حق الشعوب في تقرير المصير وحل الدول القومية لمشاكلها الداخلية من خلال التكامل الديمقراطي، على أساس الكونفدرالية الديمقراطية.
النتيجة: السلام ممكن فقط بالحل الديمقراطي
القضية الكردية هي مسألة ديمقراطية الشرق الأوسط. حل هذه المسألة ممكن بالتخلي عن سياسات الإنكار والاستيعاب للدولة القومية، واعتماد نموذج ديمقراطي يضمن عيش الشعوب معاً على أساس المساواة والطوعية. دعم الولايات المتحدة والقوى الإقليمية لهذا المنظور الديمقراطي سيفتح الطريق أمام السلام والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط.
لقد أظهر التاريخ أن سياسات الإنكار والإبادة لا يمكن أن تنتج حلولاً دائمة. منظور الأمة الديمقراطية والكونفدرالية الديمقراطية هو طريق السلام والعدالة والمساواة لشعوب الشرق الأوسط، هذا الطريق سيكون ممكناً فقط بالاعتراف بالإرادة الديمقراطية لجميع الشعوب.