No Result
View All Result
محمد عيسى
لم يكن الهجوم الواسع الذي تعرّض له حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب بتاريخ 6 كانون الثاني 2026 حدثاً عسكرياً طارئاً، ولا انفجاراً أمنياً معزولاً عن سياقه، بل مثّل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العنف المنهجي الذي تمارسه مجموعات مسلحة أُعيد تدويرها، وجرى منحها غطاءً رسمياً تحت مسمى “جيش الحكومة السوريّة المؤقتة”. في ذلك اليوم، استخدمت الدبابات والأسلحة الثقيلة لقصف أحياء سكنية مكتظة، في انتهاكٍ صريح لكل الاتفاقات الموقّعة، وعلى رأسها اتفاق 10 آذار 2025، واتفاق 1 نيسان 2025 الخاص بالحيّين، ما أعاد إلى الأذهان أسوأ مراحل الحرب والأزمة السوريّة، ولكن هذه المرة بوجوه جديدة وشعارات مختلفة.
ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن سوى نتيجة منطقية لمسار سياسي ـ عسكري بدأ منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، حين رُوّج لمرحلة “انتقالية” قيل إنها ستضع حداً لعقود من القمع والعنف، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى إعادة إنتاج للمنظومة ذاتها، عبر دمج مجموعات مرتزقة متورطة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مؤسسة عسكرية رسمية، دون أي مسار عدالة أو محاسبة.
الإرهاب باسم جديد
في 30 كانون الثاني 2025، وخلال ما عُرف بـ”مؤتمر النصر” في دمشق، أعلن أحمد الشرع عن تشكيل وزارة دفاع جديدة، ودمج عشرات المجموعات المسلحة ضمن ما سُمّي “الجيش السوري الجديد”. بدا القرار، في ظاهره، خطوةً نحو توحيد السلاح وبناء مؤسسة عسكرية وطنية، إلا أن الوقائع على الأرض كشفت أن ما جرى لم يكن سوى عملية شرعنة رسمية لميليشيات قائمة على منطق الارتزاق والولاء الخارجي.
المجموعات التي قادت الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية كانت، بمعظمها، منضوية شكلياً تحت وزارة الدفاع، لكنها في الواقع تحتفظ ببنيتها العقائدية والسلوكية ذاتها التي عُرفت بها خلال سنوات الحرب. أبرز هذه المجموعات:
فرقة السلطان سليمان شاه (العمشات) بقيادة محمد الجاسم (أبو عمشة)
فرقة الحمزة (الحمزات) بقيادة سيف بولاد (أبو بكر)،
وبقايا حركة نور الدين الزنكي، التي أُعيد دمج عناصرها بعد تفكيكها شكلياً.
هذه المجموعات، التي قُدّمت للرأي العام بوصفها جزءاً من “الجيش الوطني”، هي ذاتها التي شاركت في عمليات التهجير القسري في عفرين منذ 2018، وفي سري كانيه وكري سبي عام 2019، وارتكبت انتهاكات موثقة شملت القتل، الخطف، السلب، وفرض الإتاوات.
ويُعدُّ محمد الجاسم، المعروف بـ”أبو عمشة”، أحد أبرز متزعمي المجموعات المرتزقة التي قادت الهجوم على أحياء حلب الكردية في الأشرفية والشيخ مقصود. مسيرته تختصر طبيعة “الجيش الجديد” متزعم مجموعة مدعومة من تركيا، ثم إلى قائد الفرقة 25 في الجيش السوري المؤقت بقرار رسمي صادر عن أحمد الشرع.
منذ عملية ما تسمى بـ “غصن الزيتون” في كانون الثاني 2018، ارتبط اسم “العمشات” بسلسلة طويلة من الانتهاكات في عفرين:
ـ مصادرة آلاف المنازل.
ـ تهجير قسري لعشرات آلاف السكان.
ـ توثيق أكثر من 3,000 حالة اعتقال تعسفي بين 2018 و2025 بحسب منظمات حقوقية محلية.
ورغم هذا السجل، لم يُفتح أي تحقيق، بل جرى مكافأة متزعم المجموعة بمنصب رسمي، ليقود لاحقاً عمليات عدوانية في الساحل السوري في آذار 2025، ثم في السويداء في تموز 2025، وصولاً إلى حلب في كانون الثاني 2026. في كل هذه المحطات، كانت النتيجة واحدة: دماء مدنيين، وتبريرات جاهزة عن “عصابات خارجة عن القانون”.
إلى جانب العمشات، لعبت مجموعة الحمزات دوراً محورياً في الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية. هذه المجموعة التي تأسست عام 2016 من عدة مجموعات مسلحة في ريف حلب الشمالي، يقودها سيف بولاد (أبو بكر)، وهو اسم ارتبط بتقارير دولية عن التعذيب، والاعتقالات التعسفية، وجرائم الابتزاز.
الحمزات كانت من أوائل المجموعات التي فُرضت عليها عقوبات أميركية، ومع ذلك جرى دمجها رسمياً ضمن وزارة الدفاع السورية في 2025. هذا الدمج لم يغيّر شيئاً من سلوكها، بل منحها غطاءً قانونياً لتنفيذ عملياتها، كما حدث في الساحل السوري، حيث وُثقت مشاركتها في عمليات تصفية طائفية في آذار 2025، راح ضحيتها مئات المدنيين من الطائفة العلوية.
في حلب، ظهرت مقاطع مصوّرة لعناصر من الحمزات وهم يستخدمون أسلحة ثقيلة داخل أحياء سكنية، في انتهاك صريح لقوانين الحرب. ومع ذلك، التزمت الحكومة المؤقتة الصمت، مكتفية ببيانات عامة لا تُسمي الفاعلين.
من الساحل إلى السويداء الضحايا ذاتهم
لم تكن مجازر الساحل السوري في آذار 2025، ولا أحداث السويداء في تموز 2025، سوى محطات سبقت ما جرى في حلب. ففي الساحل، استهدف مئات المدنيين خلال عمليات تصفية على أسس طائفية، نفذتها قوات رسمية ومجموعات منضوية تحت وزارة الدفاع. حاولت دمشق حينها تحميل المسؤولية لـ”مجموعات منفلتة”، رغم أن هذه المجموعات كانت قد دُمجت رسمياً قبل أسابيع فقط.
وفي السويداء، في 12 تموز 2025، قُتل أكثر من 230 مدنياً في يوم واحد، واختفى ما يزيد عن 600 شخص خلال أسبوعين. مرة أخرى، تكررت الرواية ذاتها: تجاوزات فردية، أخطاء ميدانية، دون أي محاسبة.
هذه الوقائع تكشف أن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية ليس استثناءً، بل استمرار لسياسة تعتمد على العنف كأداة حكم، وتستند إلى مجموعات لا تؤمن بالدولة ولا بالمجتمع، بل بالولاء والسلاح.
السمة المشتركة بين هذه المجموعات ليست فقط سجلها الإجرامي، بل جذورها الأيديولوجية. كثير من متزعميها وعناصرها كانوا سابقاً في صفوف تنظيمات متطرفة، أو تشاركوا معه في المنهج والسلوك. اليوم، تُقدَّم هذه المجموعات بوصفها القوة التي “تحارب الإرهاب”، بينما هي في الواقع نسخة معاد تدويرها من داعش، تعمل تحت راية الدولة.
المفارقة أن التحالف الدولي، الذي خاض حرباً طويلة ضد داعش منذ 2014، يلتزم الصمت تجاه جرائم تُرتكب على يد قوى تحمل الفكر ذاته، ولكن بلباس رسمي. هذا الصمت يطرح أسئلة جوهرية حول معايير “مكافحة الإرهاب”، وحول الأسباب التي تجعل دماء السوريين أقل قيمة حين يكون القاتل حليفاً سياسياً.
وفي تصريحات خاصة لصحيفتنا “روناهي”، قال الحقوقي والمختص بشؤون الإرهاب صبرة القاسمي إن “الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل هي ممارسة تهدف لحماية الأرض والعرض والسيادة”، مؤكداً أن مجموعات الحمزات والعمشات والزنكي فقدت شرعيتها الوطنية منذ اللحظة التي قبلت فيها أن تكون “بنادق للإيجار”. وأضاف القاسمي أن تحوّل هذه المجموعات إلى “قوى وظيفية” تنفذ أجندات تركيا في ليبيا وأذربيجان مقابل مبالغ مالية، يشكّل دليلاً قاطعاً على أنها لم تعد تمتلك قرارها السيادي، موضحاً أنها لا تحمي السوريين بل “تقايض بالدم السوري لتأمين مصالح إقليمية”. واعتبر أن مسمى “الجيش الوطني” ليس سوى غطاء شرعي زائف لمجموعة من الميليشيات المنفصلة التي تعمل بنظام “المقاولة الأجنبية”، ما جعلها أداة لتفكيك الدولة السورية لا لبنائها.
وأضاف القاسمي أن ما يجمع بين ممارسات هذه المجموعات وفكر داعش هو “تطابق وظيفي” في الجرائم، وإن اختلفت الشعارات، مشيراً إلى أن الطرفين يعتمدان على “ثقافة الغنيمة” واستباحة المدنيين. وأوضح أن الانتهاكات من خطف وتعذيب وفرض إتاوات وتغيير ديموغرافي تمثل “بصمات داعشية بامتياز”، لافتاً إلى أن ما جرى في الشيخ مقصود يعكس استخدام “سلاح الحصار والتجويع” والقصف العشوائي ضد المدنيين، وهو الأسلوب ذاته الذي استخدمه داعش لإخضاع المدن. وأكد أن كلا الطرفين ينظر إلى المدني بوصفه “هدفاً” أو “رهينة” لتحقيق مكاسب سياسية أو مالية، ما يجعلهما وجهين لعملة واحدة هي “الإرهاب المسلح” الذي لا يعترف بحقوق الإنسان ولا بحرمة الدم.
وحول ما إذا كانت هذه المجموعات مجرد أذرع عسكرية أم مشروعاً إرهابياً منظماً، شدد القاسمي على أننا أمام “مشروع إرهابي منظّم” يستهدف البنية الاجتماعية السورية، معتبراً أن امتداد الانتهاكات من السويداء إلى الساحل يؤكد أنها ليست حالات فردية بل “تكتيك ممنهج” لإثارة الفتن الطائفية والعرقية. وبيّن أن تفتيت وحدة المجتمع السوري هو الهدف الأسمى لمشغّلي هذه المجموعات، لأن المجتمع المتماسك يصعب اختراقه، واصفاً إياها بأنها تعمل كـ”معاول هدم” للهوية الوطنية الجامعة، وتستبدلها بولاءات ميليشياوية ضيقة، بما يخدم “أجندة التفكيك” الرامية إلى تحويل سوريا إلى قوى متصارعة يسهل التحكم بها من الخارج.
وفيما يتعلق بتجاهل التحالف الدولي لهذه الجرائم، قال القاسمي إن هذا التجاهل يجسد سياسة “ازدواجية المعايير” في هندسة الفوضى الدولية، موضحاً أن التحالف يتعامل مع الإرهاب بـ”انتقائية سياسية”، فيحارب داعش لأنها تهدد مصالحه المباشرة، بينما يغض الطرف عن الحمزات والعمشات لأنهم يتبعون حليفاً في حلف الناتو أو لأنهم يؤدون دوراً في استنزاف الدولة السورية. واعتبر أن هذا الصمت يمثل اعترافاً ضمنياً بأن “محاربة الإرهاب” ليست مبدأً أخلاقياً لدى القوى الدولية، بل أداة ضغط تُستخدم وفق الحاجة السياسية، محذراً من أن هذا التجاهل يمنح هذه المجموعات “ضوءاً أخضر” لمواصلة جرائمها.
وختم القاسمي بالتأكيد أن مجمل هذه الوقائع تضع السوريين أمام استحقاق تاريخي لا يقبل التأجيل، يتمثل في ضرورة بناء وعي سوري مستقل يكون هو السيادة في أبهى صورها. وأضاف أن تحرير العقل السوري من هيمنة “المسميات الزائفة” وفخاخ “التبعية العمياء” هو الخطوة الأولى لاستعادة الوطن، مشدداً على أن هذا الوعي هو الضمانة الوحيدة لعدم انجرار السوريين مجدداً خلف شعارات براقة تخفي خلفها “أجندات تفكيك” أو “مشاريع ارتزاق” تُدار من غرف استخبارات خارجية، وأن استقلال القرار السوري يبدأ من استقلال الوعي، ليبقى السوري سيد قراره ومالك مصيره ومحصناً ضد كل محاولات العبث بوحدته وهويته الوطنية الجامعة.
أي ثقة يمكن بناؤها على دماء المدنيين؟
الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية، وما سبقه من مجازر في الساحل والسويداء، ينسف أي حديث عن بناء دولة جديدة أو جيش وطني، فالدولة التي تعتمد على مرتزقة، وتكافئ قادة متورطين بجرائم حرب، لا يمكن أن تحظى بثقة شعبها، ولا أن تشكّل بديلاً حقيقياً عن النظام الذي سقط.
اليوم، يقف السوريون أمام حقيقة واضحة: الجيش الذي يُقدَّم بوصفه “حامياً للبلاد” هو ذاته الذي يسفك دماء المدنيين، ويعيد إنتاج الإرهاب بأسماء جديدة. الصمت الدولي لن يغيّر هذه الحقيقة، لكنه سيجعل من المجتمع الدولي شريكاً في الجريمة، ما لم يُفتح مسار حقيقي للمساءلة والعدالة.
ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية ليس نهاية القصة، بل إنذار مبكر بأن سوريا، ما لم تُقطع صلتها بمنطق الميليشيا والارتزاق، ستبقى أسيرة دائرة عنف لا تنتهي، مهما تغيّرت الأسماء والرايات.
No Result
View All Result