سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

لا تسألني من تكون

أزهر أحمد –

يتحرك بين زملائه، يتفقدهم، يبادلهم أطراف الحديث، يشجعهم يصحح بعض الأخطاء، يكتفي بالصمت لحظات الانزعاج وهو يتألم من الداخل غيرةً على عمل يريد أن ينجز بشكله الأمثل، هو متفهم لعمله لا يحب الرياء ويبتعد عن الكرسي.
لا يكترث بما يدار من القهقهات هنا وهناك، يحاول أن يخفي غضبه ولكن طبيعة وجهه الأسمر الخجول تفضحه وتؤكد انزعاجه بعض الأحيان، حقيقة تصرفاته أكبر من عمره. لا ينزعج لمصلحته بل ينزعج لمصلحة المراجعين، فتصبح  لديه مشكلة  عندما يصطدم برأي بعض أصحاب المصالح وعباد الدوغمائية والقالب والروتين، وعندما يعجز عن حلها يزداد ألماً.
وأنا اتأمل وجهه الحنطي المائل للسمار وطريقة عمله وحركته وهو يتكلم الكردية يتنقل بين زملائه وزميلاته يجد في نفوس الأغلبية الاحترام، وأنا اتمعنه في ساحة مؤسساته وهو متوتر منزعج، وكأنه يريد أن ينطق ببعض الكلمات التي كان قد حبسها في صدره منذ أمد.
بات يتكلم  مع مراجع متألم وهو متلهف متوتر وكأن جوانحه خانته هذه المرة  فهي جميعها ستتمرد على الصمت وتخرج من قوقعتها فتخرج الكلمات صادقة وسط عين تريد أن تدمع ولا تدمع كبرياءً وسط حرقة قلب، وهو يقول: “إن عظمي عربي، ولحمي كردي”.
بمجرد سماعي لتلك العبارة ازددت تلهفاً للاقتراب من ذاك الشاب المسؤول، وهو يتحدث بالكردية بطلاقة، تُبعد أي شك إنه من الشعب العربي.
وتابع مخاطباً رجلاً يكبره عمراً: “لا تستغرب لكلامي يا عم فأنا من الشعب العربي، ومن أصول عربية ولكننا كنا مظلومين مثلكم، آبار البترول كانت في أراضينا وكنا لا نجد وقود مدافئنا، شهادتي كانت قد سئمت وهي تريد من يقرأها قبل الثورة ودون جدوى، والنسخة الثانية غطتها طبقات الغبار فوق خزانة والدتي المريضة، قريتي مازالت تشكوا الجفاف، وكانت بجانب أسمائنا أيضاً إشارات استفهام لدى الجهات الأمنية، واتهمنا سابقاً بعبارات وتهم كثيرة، تارةً صداميون وتارةً شبيحة وتارةً عملاء، وتارةً إرهابيون، واليوم بعض العنصريون العرب المنافقون يتهموننا بأننا مرتزقة لأننا نعمل مع الإدارة الذاتية الديمقراطية”.
وللأسف بعض العنصريون الكرد المستفيدون من الخارج أيضاً خائفين منا دائماً، ورغم إيماننا بفكر العيش المشترك وأخوّة الشعوب وحقوق جميع الشعوب والكرد خاصةً، إلا أنهم لا يثقون بنا.
فالشرفاء الكرد والعرب والمؤمنون بقضايا الشعوب المظلومة سيبقون مستهدفون وفي حالة مقاومة دائمة لتيارات السلطة والفساد والمتسلقون والمراؤون المتكتلون في الزاوية المظلمة تحت أي مسمى وأي شعار، هم يتنازلون عن جميع القيم وجميع الحقوق وجميع المبادئ، إلا حقوق النهب والرشوة والسلطة والفساد، هم لن يتنازلوا عنها بسهول، لأنهم يعرفون حقيقتهم في كرسيهم وسلطتهم منها يكسبون ألقابهم ومديح أذيالهم وممالكهم المبنية على السراب.
كلما كبرت الطبقات ستكبر طوابير الشرفاء ويتعانق المظلومون وتتعالى صيحات النصر في الشمال السوري دون الارتباط  بلون أو عرق أو دين أو قومية لينتزعوا حقوقهم من قصور الظالمون، وتشرق شمس الحرية لينعم  أطفال الشمال السوري بربيع لن تدنسه رياح الغدر من جديد.
بعد تلك الكلمات غادر الساحة إلى مكتبه متفائلاً كعادته بوجه يحمل ملامح أكبر من سنه وكأنه يتجه إلى الشمس وسط ربيع تزينه مزارات الشهداء، فازددت يقيناً بغدٍ أجمل.

التعليقات مغلقة.