“الحتميّة هي المفهوم الأكثر ضرراً بصلاحيّة المحتوى الفكريّ؛ كونها لا تترك حيّزاً لوسائل ميكانيكا الفكر، وأدواتها بالتّحرّك والانبثاق”.
فالحتميّة تولّد الإنكار: ((لا تقع في هذا الفخ”.
كم منّا لا يعلم ما في محتواه الفكريّ إلا عند طرح فكرة ما أو معلومة! ثمّ يدرك حين يخوض في النّقاش إلمامه بها إلى حدٍّ ما. فعلى إثر هذا التّهميش، وإزاء حالة عدم الاكتراث بأهمّيّتها؛ ضاعت أفكارنا ومعلوماتنا.
وكم من شتات لشخصنا الفكري نتيجة عدم تحقيق استثمار، أو استفادة من ذلك الكم لخلق معطيات فكريّة جديدة! وكم من عاجز منّا عن إدراك استيعاب تلك المساحة من المحتوى لكم لا محدود من المعلومات الجديدة.
لدرجة أنّك مهما شغلت هذه المساحة، ستظل فيها شواغر لتداعيات أخرى بقدر سعة المحتوى، فكلّما شعرت أنك أشبعت، أدركت أنّ الفائض وهم بموجب ذلك الملء. أيْ نحن أمام جدلية السّعة والفائض: فمفهوم هذا الأخير يختلف معناه عن باقي المجالات، والذي سنوضحه عند الوصول إلى العنصر المتعلّق به.
العنصر الأوّل المحتوى الفكريّ:
هو المساحة التي يستند امتدادها إلى مدى رؤيتك إيّاها سواءٌ أكانت ضيّقة أم واسعة. علماً أنّ هذه المساحة غير محدودة الأبعاد في الحقيقة، إذ إنّها فضاء واسع لا متناهٍ.
ومهما بذلت الجهد في محاولة الاكتفاء، ستجد أنّك لا تزال في البداية، أو في بداية البداية؛ فلا تظن أبداً أنّك تستطيع تغطية المحتوى الفكريّ. لذا احذر ذلك الشّعور بالاكتفاء كي لا يصيبك الغرور، حتّى التّراجع والانكماش، وبالتّالي الزّوال.
فضلاً عن أنّ تعبئة ذلك المحتوى بموجب القناعات، أو التّأثّر بوجهات نظر معيّنة، سيصيب ذلك المحتوى بالضّرر والتّعفّن: فكما يحصل للأرض المزروعة بصنفٍ واحد لا غير، كذلك سيكون مصيرك مع محتواك الفكريّ الذي حدّدته أنت!
إنّ المحتوى الفكريّ له باب واحد، بيد أنّه لا بدّ من امتلاكه نوافذ عدة تمكنّه من رؤية العالم الفكريّ الخارجيّ بغية الحفاظ على حيويّة ذلك المحتوى، وإلّا، فنحن نحكم عليه بالموت أو الجمود.
أفلاطون: العقل هو الوسيلة الوحيدة للوصول الى الحقيقة والمعرفة الحقيقية. وهو الأداة التي تسمح لنا بتجاوز العالم الحسي الى عالم المثل وقد ذكر ذلك في صفحة آراء الفلاسفة.
طيب كيف يمكن تدريب العقل عبر دراسة الرياضيات والمنطق. وذكر بأن العقل يأتي من تذكر النفس لما كانت تعرفه في عالم المثل قبل أن يهبط الى الجسد وهو الذي يسترجع المعرفة من خلال التفكير والتأمل.
فمن المستحسن أن يحتكّ المحتوى الفكريّ بالعالم الخارجيّ لتتداخل الأفكار فيما بينها، وبالتّالي تندمج المتشابهة منها بعضها ببعضها الأخرى؛ فتتداعى أفكار جديدة، أو يحدث تحوّل في الحياة الفكريّة لديك، والذي قد يكون خارج نطاق إدراكك، ولكنّه حتماً تحت سيطرة فكرك. ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى نحو بزوغ الفكرة، ثمّ نموّها. فتخيل معي كم من النّوافذ تحتاجها لتنفّس تلك الأفكار المسجونة في محتواك!
وكم ستساعدك تلك النّوافذ في التّخلص من ذلك الضّغط الفكريّ، وكذلك الجمود في حركتك الفكريّة، والبرود فيها.
إنّ المحتوى الفكريّ أشبه بذلك المنزل الذي فيه باب خارجيّ واحد وبداخله أبواب عدة، وكذلك نوافذ خارجيّة وداخليّة: فغرفة الاستقبال أشبه بغرفة تقبّل الأفكار، والتي قد تصاحب بعضها، وتتخلّى عن الأخرى، أمّا المطبخ، فهو للطهي للحصول على وجبة مفيدة وكذلك المحتوى تحتاج فيه إلى دمج بعض الأفكار للحصول على فكرة مفيدة جديدة. في حينٍ أنّ غرفة النّوم هي للاستراحة والقيلولة، وكذلك بعض أفكارك بحاجة إلى النّوم حتّى يحين استدعاؤك لها. فأنت من تحدّد عدد الذين ستستقبلهم، ونوعيّة المكوّنات في المطبخ الفكريّ، فضلاً عن ساعات الاستراحة، وذلك بموجب تحديد وجودك الفكري وحياته في مسيرتك. (هذا هو المحتوى الفكري ببساطة بالنّسبة إلى الكم الذي أخزنته فيه من وجهة نظرك).