سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الوطن ليس محطة سفر

أزهر أحمد –

يخرج من غرفته مرتبكاً على غير عادته فهو على غير ما يرام هذا اليوم، ليس كما عهدناه بطبعه الهادئ، ووجهه المبتسم. فسرعة حركاته وتنقله ما بين الغرف تدعوا للاستغراب والدهشة والسير في كل مرة باتجاه باب الدار حاملاً في يده بعض الأمتعة قاصداً حقيبة زرقاء بجوار الباب الخارجي.
لم تمنعه نظرات اليأس والحزن لوالده العجوز وصوت نوح والدته المريضة وهي تحاول إخفاء دموعها، متقمصةً وجهاً مبتسماً بعض الأحيان.
ما يدعو للتأمل وقوفه المطول في كل مرة عند أي غرض لحظات الحمل، ولحظات وضعه في تلك الحقيبة.
شقيقه الصغير ورغم صغر سنه يحاول العبث بمحتويات الحقيبة، وكأنه يعلم بسفر شقيقه إلى ما وراء السراب، وبأنها المرة الأولى والأخيرة التي يراه فيها، حتى بكاء الشقيق الأصغر وهو يجلس بجانب الحقيبة الزرقاء لن يؤثر على رأيه، فهو مصمم لإملاء حقيبة السفر بأمتعته وبقايا ذكرياته المرة والحلوة، يخيم على المنزل ستار من الحزن وأصوات النواح وآثار تحطيم بعض الأدوات وبقايا الزجاجات المتناثرة.
كل التصرفات توحي بأنه سيسافر، نعم سيسافر فهو مصمم على السفر وترك المنزل عفواً ترك الوطن، وكأنه كان يقيم  في فندق  بشكلٍ مؤقت، أو محطة قطار من محطات السفر الكثيرة وحان الوقت ليغادرها إلى مكان آخر دون أن يكترث بمن حوله، فراجعت مخيلتي حينها اقتبس ما يناسب هذا الموقف فأسعفتني  ذاكرتي بمقدمة ابن خلدون، وهو يصور ما يقارب هذه الحالة من الشتات واللامبالاة وترك الإنسان لحقيقته، قائلاً: “تنكشف الأقنعة، ويختلط ما لا يختلط، يضيع التقدير ويسوء التدبير وتختلط المعاني والكلام ويختلط الصدق بالكذب، ويتحول الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق، ويعلو صوت الباطل ويخفق صوت الحق وتختفي وجوه مؤنسة وتشح الأحلام ويموت الأمل، وتزداد غربة العاقل وتضيع معالم الوجوه، ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة وتسري الشائعات عن هروب كبير، وتحاك الدسائس والمؤامرات ويتدبر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته  ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار ويتحول الوضع إلى مشاريع مهاجرين، ويتحول الوطن إلى محطة سفر والمراتع التي نعيش فيها إلى حقائب، والبيوت إلى ذكريات وحكايات”.
فتأملته وهو يخرج من الدار شاداً الباب بكل قوته إلى الخارج ليغلقه من خلفه، يتابع سيره دون الالتفات إلى الوراء وكأنه لم يعد يرغب بالعودة.
فاصطدمت النظرات الأخيرة للوالدين بباب محكم الإغلاق من أقرب المقربين، بعد أن نسي كل شيء وترك كل شيء، جاءت كلمات والدته الأخيرة عند لحظات الوداع بمثابة قاموس أكاديمي: “أين ذهبتم؟ هل منزلنا كان فندقاً! لماذا نسيتم كل شيء؟ إلى أين تذهبون؟ لمن تتركون  هذا المنزل؟ أجيبوني ؟؟؟؟” ولكن لا صوت سوى صدى صوتها، لتتابع الأم العجوز: “سأبقى أنتظركم مهما بعدتم، وأحلم بعودتكم مهما غبتم”.
زادني الموقف احتراماً  للوالدين المتمسكين بمنزلهم، واحتقاراً لمن تركهم مهاجراً إلى السراب.

التعليقات مغلقة.