زاوية تنمية فكرية ـ د. هاجار رستم ملا شحمو
(الجزء الأول)
ليس من المبالغة القول: إنّ المرض الأكثر خطورةً هو التّزيّن في الشّوارع الملوّثة والمغبرّة، إذ تكمن الخطورة في حجم الضّرر الذي يخلّفه، والذي من المرجّح أن يكون فكريّاً أكثر بكثير ممّا هو نفسيّ.
العنصر الأوّل: القيمة الظّاهرة:
القيمة الظّاهرة: هي القناعات الفكريّة التي تظهر على فكرك عبر الجدليّة المنطوية تحت ستار المعرفة، تلك القناعات تتحوّل مع مرور الوقت إلى فقاعات فكريّة تجعل منك الفقاعة الأكبر يا عزيزي، وعلى الرّغم من ذلك فأنت لا تزال متمسّكاً ومدافعاً عنها، والسّبب في ذلك عائدٌ إلى أنّك وجدت قيمة ذاتك في تلك القناعات دون إدراكك لما يجري في محيطك الفكريّ، علماً أنّ ذلك ينسحب على الصّراع الخفيّ الذي يحدث في داخلك وأنت تكتمه بسبب تلك القناعة، ولا تعلم أنّك أنت فقط ترى تلك القيمة ولا يراها أحد غيرك: ((إنّها الخطورة التي تكمن في الصّحيح أكثر ممّا هي في الخطأ))، وكلاهما يجريان بك في المسار المؤدّي إلى الهاوية حاصرَين تفكيرَك ضمنه، وأنت مبتهجٌ ومغترٌّ بنجاحك! فليس من الضّرورة أن يقترن الإنجاز بالإيمان، بمعنى أنّك قد تؤمن بفكرة يُحال إنجازها، مهما توفّرت لك الأدوات والوسائل إلى ذلك: أدركْ جيّداً ما أنف ذكره عزيزي القارئ.
فإذا فصلنا القيمة عن الظاهرة، وبيّنا معنى كلّ واحدة منهما على حِدة، سنجد أنّ القيمة، عزيزي القارئ، هي جوهر الفكر المنتج والفعال بكل معانيه، وهي لا تظهر بتلك السّهولة التي تتصوّرها في ذاتك. وبالتّالي فإنّ القيمة الظّاهرة لا تعني بالضّرورة القيمة بمعناها الجوهريّ والحقيقيّ.
وممّا هو جديرٌ بالذّكر، أنّ القيمة لها معانٍ كثيرة تختبئ تحت عباءة إدراكك للأشياء، فليس كلّ ما تدركه من دوال لها مدلولاتٌ قيميّة بموجب المعطيات، لذلك من الضّروري فكفكة عناصر هذه الدّوال.
ومن وجهة نظري صدق الفلاسفة حين قالوا: إنّ “هناك تفسيراً للشّيء بالنّسبة لنا، وللشّيء بالنّسبة لذاته”، فبالتّالي قد يكون إدراكنا للأشياء ليس مثل إدراك الشّيء ذاته، ولكن لا تجعل إدراك الشّيء ذاته خديعة ذلك الشّيء لإدراكك، لا تقع في الفخ، طالما أنّك استطعت امتلاك ذلك الشّيء والتّحكّم به. كذلك الأمر إلى الأفكار التي لديك: لا تقلقْ أبداً من إدراكها، ولكن انتبه إلى حال تقييمها دون معرفة الدّواعي، أو التّداعيات الأوّليّة على الأقل، “فاعرفْ قيمة القيمة، ستدرك مكامن الشّيء في ذاته”.
وإذما تربط بين القيمة الظّاهرة، والقيمة المعنيّة للشّيء أو للفكرة، فلن تقيّم الأولى منهما الفكرة ظاهريّاً فحسب، بل ستشير إلى معنى جوهريّ دالّ على قيمة الفكر لديك.
وأريد أن أنوّه لأمر مهمّ يتعلّق بالقيمة، إذ لا يُعتدّ بتقييمنا للشّيء حسب وجهة نظرنا الأوليّة، أو قدرتنا المعرفية من دون الأخذ في الحسبان القيمة الحقيقيّة لذلك الشّيء، وهنا يكمن العائق أمام البحث المعرفيّ، فليس ثمّة شيء في هذا الكون بلا قيمة. وبهذا ستتكوّن لديك ثقافة القيمة، والتي هي الخطوة الأوليّة نحو الوصول إلى نتيجة المعادلة.
القيمة الظاهرة لها جانبان: مفيدٌ، وغير مفيدٍ
فالجانب المفيد: هو منح صلاحيّة القيمة المبدئيّة للأشياء، سواءٌ أكانت هذه القيمة ظاهرة، أم غير ظاهرة لنا، أمّا الجانب غير المفيد، فهو منح القيمة للأشياء أو المواضيع إلخ، والتي ليس لها جدوى، أو يُحتَمل أن تكون لها تداعيّات غير جيّدة على غيرنا، ولكنّنا ظننا أنّها ذات فائدة لأنفسنا: انتبه لذلك. ولكي تتوضّح لدينا الصّورة التّعريفة للقيمة الظّاهرة، علينا توضيح مفهوم القيمة وعلاقتها بالفكر وفق البنود الثلاثة الآتية: قيمة الفكر، والفكر قيمة، وقيمة الفكرة.