عقب رحيل الشاعر شيركو بيكس أحد أبرز شعراء إقليم كردستان في القرن العشرين، تم تحويل منزله في مدينة السليمانية إلى متحف ومركز ثقافي يُجسّد حياة الشاعر ومسيرته الأدبية، يضم المتحف سيرة حياته، ومجموعةً من مخطوطاته الأصلية ومقتنياته الشخصية، إلى جانب مكتبته الخاصة، التي تحتوي على مؤلفاته ومجموعاته الشعرية المترجمة إلى لغاتٍ عديدة.
وُلد شيركو بيكس عام 1940 في السليمانية، وهو ابن الشاعر المعروف فائق بيكس. عُرف بشاعر الثورة والحرية والإنسانية، وتميّزت أعماله الأدبية بعمقها الإنساني وعشقها الحياة والطبيعة والمرأة والوطن.
يُعدّ من مؤسسي حركة الشعر الكردي الحديث المعروفة باسم (مجموعة الرؤية)، وقد أسهم مع شعراء آخرين في نقل الشعر الكردي إلى مرحلة جديدة من الحداثة في الشكل والمضمون. تُرجمت قصائده إلى عددٍ كبير من اللغات العالمية، ونال العديد من الجوائز الأدبية المرموقة.
وبعد رحيله تم تحويل منزله في مدينة السليمانية إلى متحف ومركز ثقافي يُجسّد حياة الشاعر ومسيرته الأدبية.
يقول هلو شيركو بيكس، نجل الشاعر، في حديثٍ لـ “روج نيوز “عشنا في هذا المنزل سنوات طويلة، ولذلك قررنا تحويله إلى متحف مفتوح أمام محبّي الشعر والفنّ وأصدقاء والدي، ليبقى إرثه حيّاً ومتداولاً بين الناس”.
شيركو بيكس، الذي كان رمزاً للشعر الإنساني والوطني، كان قد كتب وصية قبل وفاته طالب فيها بألّا يُدفن في أي من المقابر العائلية، بل في حديقة آزادي قرب نصب شهداء عام 1963 في السليمانية. كما أوصى بأن يُخصّص مكانٌ لعرض كتبه ومخطوطاته وصوره الشخصية لتكون متاحة أمام الشعراء والكتّاب والطلاب وعشّاق الأدب.
وقد جرى تنفيذ الجزء الأوّل من وصيته بإنشاء مركز ثقافي يحمل اسمه، ثم حُوِّل منزله القديم نفسه إلى متحفٍ خاصٍ به. يقع المتحف في زقاق آشتي وسط مدينة السليمانية، وهو المنزل الذي عاش فيه الشاعر نحو 25 عاماً. واليوم ما زالت أجواء المكان تحافظ على ملامحها الأصلية من أثاث وصور وألوان وحتى صوته المسجَّل الذي يُسمع في أروقة المتحف.
يضم المتحف سيرة حياة شيركو بيكس، ومجموعةً من مخطوطاته الأصلية ومقتنياته الشخصية، إلى جانب مكتبته الخاصة التي تحتوي على مؤلفاته ومجموعاته الشعرية المترجمة إلى لغاتٍ عديدة. كما خُصصت قاعة أخرى لعرض الكتب التي تناولت شعره أو تُرجمت أعماله من خلالها إلى لغاتٍ أجنبية. ويمكن للزوار الاستماع عبر مكبّرات الصوت إلى صوت شيركو بيكس وهو يُلقي أشعاره، فتتجسّد أمامهم ذاكرةٌ نابضة بالشعر والحياة.
يقول هلو بيكس لـ”روج نيوز”، “جاءت فكرة إنشاء المتحف وفاءً لوصية والدي، ولحماية التاريخ الأدبي والإرث الإنساني الذي تركه. أردنا أن يكون هذا المكان مفتوحاً أمام الجميع، ليصبح بيتاً للشعر ومحطةً للذاكرة الثقافية في السليمانية”.
ويضيف: “رغم بعض التغييرات التي أجريناها داخل المنزل، إلا أنّني في كل مرة أدخل فيها إلى المتحف أشعر وكأنّ الزمن توقّف؛ فكلّ شيء بقي كما كان، وكأنّ والدي ما زال هنا”.
ويؤكد هلو بيكس، إن المنزل لم يعد ملكاً للعائلة فقط، بل أصبح بيتاً لكلّ الناس، “هذا البيت أصبح مركزاً للحفاظ على الإرث الفني والشعري لوالدي، ومكاناً تُقام فيه الأنشطة الأدبية والأمسيات الشعرية، يمكن للطلبة والشباب زيارته يومياً ليتعرّفوا عن قرب على حياة هذا الشاعر الكبير”.
يقول نصرالدين محمد، أحد زوار المتحف وأحد أصدقاء الشاعر القدامى: “جئت اليوم أزور هذا المكان الذي يحمل ذكريات كثيرة، كنت قد جلست مرات عديدة هنا مع شيركو نفسه، أشعر بالامتنان لكلّ من ساهم في تأسيس هذا المتحف، فهو نموذج ثقافي رائع نستفيد منه جميعاً ونتذكر من خلاله نضال هذا الرجل الذي أفنى عمره في سبيل أمّته الكردية”.
بعد معاناةٍ مع المرض، توفّي شيركو بيكس في الرابع من آب 2013 في العاصمة السويدية ستوكهولم، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً وإنسانياً عظيماً. نُقل جثمانه إلى باشور كردستان ودُفن في حديقة آزادي بالسليمانية بناءً على وصيته الأخيرة، ليبقى صوته وصورته ورائحته حاضرةً في ذاكرة الأجيال القادمة.