جوان عبدال
يلاحظ في العمل الأدبي الإبداعي أحيانا فجوات في السرد الحكائي -وأقصد بالفجوات تلك الفراغات التي تفصم بين الحدث وأجزائه المكملة أو السرد المكمل له، بمعنى نقصٌ في سير الحدث وترابطه الواقعي لتناميه الفني والدرامي – كأن يكون الأمر ترك فراغات ما تحصل في الجمل لدى تلاميذ وطلاب المدارس الابتدائية، وما على التلميذ أن يتممها، وهذا ما نشاهده في العمل الأدبي (وأقصد هنا الجنس الأدبي القصة والرواية وقد تطال المقالة أو أي موضوع يكتب ويدون ولا يوفى حقه من الترابط الموضوعي) ولكن الأمر المختلف هنا أن الطلاب تُذكر لهم الكلمات المقترحة في أعلى السطر وما عليهم إلا أن يختاروا المناسب للمكان المناسب في السياق، وهي عادة تكون عدة كلمات على أن تملأ الفراغات، وهم يضعونها من كل بد بتوافق كامل أو أقل، أما الآخر القارئ –في العمل الأدبي فهل يستطيع ذلك بيسر وتوافق؟ (أرجو أني أوصلت الفكرة إلى منتهاها).
في السرد القصصي هناك حدث وحبكة وشخصيات -رغم أنها فنية ولا تحتاج إلى تفاصيل كثيرة في سردها ومعلومات أوفى-إنما القفز على سير السرد واجتزاء الحدث والحبكة.. فهذا يتبع الفنية والحبكة التي يتمتع بها الكاتب في إيصال سرده إلى ألقه، فلا يقبل من الكاتب أن يبقي قصة دون فهم منطقي لسيره، ويعتمد الكاتب على خيال القارئ ويتكئ عليه فقط، وهو الذي أقسم على نفسه أن يقدم قصة متكاملة، فلماذا يعتمد على القارئ الخالي البال من أي تصور مسبق، كما وسبق وتصورها الكاتب وأعد لها الفكرة والهدف منها، وأرجو ألَّا يكون ذلك حجة جاهزة بأن هذا يدعو القارئ إلى المشاركة في العمل الأدبي فنيا وجماليا، وهذا يدعوه إلى الخيال والتصور وإعادة الإحياء.
جيد هذا القول، وهي فكرة حسنة، الخيال الذي قد يعوضه حين يكون هذا الحدث متعارفاً في محيطه وبيئته وبيئات أخرى، والسؤال لماذا يلجأ الكاتب إلى ذلك؟ اعتقد بأن الأمر ليس مخططا، إنما ينتج عرضيا وأعزو الأمر إلى قلة حيلة الكاتب وإعيائه من التفكير، وما ستكون عليه، وعيّ في إيجاد سرد سلس منطقي واقعي للحدث المروى، واستسهال لإبداعه، بالتأكيد لا أقصد التسجيلي والتوثيقي ولا المباشرية والتقريرية، إنما أقصد الفنية والجمالية التي تقدم الحدث في إطاره الكامل وحصر المطلوب في سياقه، بأن يقدم مقومات الحدث الذي يسعى إلى هدف كانت وراءه فكرة أم طرحا أم تشويقا وتسلية.. إلخ.
نعم؛ إن العمل الفني هو ليس الواقع.. وثمة مقولة تقول: “إن الأدبَ تصوير فني للواقع وهو خيانة له”، بل هو أن يعصر ويشذب ويقدم الزبدة منه، وبكلمة أخرى؛ أن يقدم بشكل آخر يجز الشوائب والحواشي، ويقدم لبه، كما في تناول شيء ما، فلو تكلمنا عن تناول برتقالة فلا نذكر القشور والبذور والوبر، وكيف نأكل وكيف حززنا ونزعنا القشر وقسمنا الفصوص، وأزلنا الوبر، بل نقول باختصار مفيد تناولنا برتقالة بالأكل، وكان طعمها (حلوا، حامضا، مرا) وكان لذيذا سهل المضغ.
أرجو (وأنا أتكلم هنا عن الفجوات ألا تكون فجوات في مقالي، ومن ثم استطعت أن أعبر على أكمل وجه، بالتأكيد هناك فجوات سيكملها الكاتب المعني المهتم؛ لأنه الأعرف بما أقول وهو المعني بما أطرح، وليس القارئ العابر ـ الذي قد يأخذها معلومة – وهذه لا تعني البلاغة المرجوة والفصاحة المطلوبة فقط، إنما تتبع الأسلوب والنهج فيما يُقدم، وهذه تحتاج إلى دراية وفنية ممكنة، وهو يتبع قوة الإيهام المنطقي دون زمن كامل ومكان معلوم، ودون تفاصيل أخرى مملة تثقل كامل السرد والحدث والحبكة .. إلخ…) فهل وصلت الفكرة أم الفجوات كثيرة وهي داء الأدب ولا شيء سواه.