No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر – حمل سردار زيدان “51 عامًا” منذ طفولته الكمان كرفيق دائم، اصطحبه من كري سبي المحتلة إلى مدينة الطبقة بعد تهجيره قسراً عام 2018.
أنغامه ليست مجرد أصوات، بل لغة تداوي جراح الغربة، وتحمل حلم طفولة لم توقفه الحروب، وحياة تعلم فيها أن الموسيقا تستطيع أن تبني جسورًا بين الماضي والحاضر، وأن تمنح الروح متنفسًا للأمل وسط صخب الأيام.
في كل وتر يلمسه سردار زيدان، قصة حنين لم يختف، وروح تراثية متجذرة بالمقامات الشرقية التي تعلمها منذ الصغر، اليوم هو العازف الوحيد على الكمان في الطبقة وعضو فاعل في فرقة مركز الثقافة والفن، حاملاً تراثه الموسيقي لكل من يقابله من جمهور متنوع في أعمارهم وخلفياتهم.
مسيرته الفنية
بدأ زيدان مسيرته على آلة البزق التي صنعها أخوه من “صندوق زيت”، قبل أن تقع عينه على الكمان عند الثانية عشرة، لما تحمله أصواته الحزينة من عمق، وما تمنحه من حميمية مختلفة عن بقية الآلات.
كان من الرواد الطليعيين على مستوى سوريا في العزف على البزق في منتصف الثمانينات، حيث مثل سوريا عام 1983 و1984 و1985، وموفدا لها آنذاك إلى بلغاريا لشهر كامل. لاحقًا اتخذ العزف والغناء والتلحين طريقًا احترافيًا، وتعاون مع مطربين عراقيين مثل الراحل ياس خضر وحميد منصور، وتعلم ألحانهم وأغانيهم.
أغنية “ركاوي سمارة حلو”
كما أخذ كلمات من الشاعر العراقي كاظم السعدي ولحنها للفنان كريم هميم، وسجل عام 1998 أغنية “ركاوي سمارة حلو” التي حققت صدى واسعًا وأصبحت علامة تعريفية له، فكل من يسمعها يعرفها على أنها من أداء الفنان سردار زيدان.
في هذه الجزئية من حكايته مع الكمان يخبرنا زيدان: “الكمان ليس مجرد آلة، أحيانًا عندما أشعر بالملل أو الحزن، ألجأ إليه لأفرغ كل طاقتي. أصبح صديقي الوحيد، أذهب إلى المنزل وحدي، أضع سماعات الرأس وأعزف، وأنسى كل همومي وجروحي، كأن كل نغمة تمسح جزءًا من ألمي”.
الكمان آلة الروح
الكمان آلة موسيقية وترية، صغيرة الحجم لكنها غنية بالتعبير، تتكون من جسم خشبي منحوت عادة من خشب الزيتون أو القيقب، ويمتاز هذا الخشب بدفء الرنين ووضوح النغمة. يتكوّن الكمان من عدة أجزاء رئيسية: الجسم الذي يصدر الصوت، والرقبة التي تثبت عليها الأوتار، ولوحة الأصابع حيث يضغط العازف على الأوتار لتغيير النغمات، والصندوق الصوتي الذي يعزز الرنين. والقوس، المصنوع غالبًا من خشب البتولا أو البوهيم وهو خشب صلب ومرن يُستخرج من مناطق بوهيميا في أوروبا ويتميز بقدرته على الاهتزاز لإصدار صوت غني، أو خشب البتولا المعروف بصلابته ومرونته، ومغطى بشعر خيل، يستخدم لتحريك الأوتار وإصدار الأصوات.
للكمان أربعة أوتار رئيسية، كل وتر له نغمة محددة، تتدرج من الحزن العميق إلى الفرح والبهجة، ويقوم العازف بتحريك القوس عليها أو الضغط بالأصابع على لوحة الأصابع لإنتاج الألحان والمقامات المختلفة.
العزف على الكمان يتطلب دقة في حركة اليدين: اليد اليمنى لتحريك القوس بخفة وسلاسة، واليد اليسرى لتغيير مواضع الأصابع على الأوتار لإنتاج النغمات المختلفة، فتخرج الأنغام متدرجة ومرنة، وقادرة على التعبير عن أعمق المشاعر والحنين والفرح، وكأنها تروي قصصًا بلا كلمات.
المقامات الشرقية ليست مجرد ألحان، بل جزءاً من الهوية الموسيقية للمنطقة، تربط الحاضر بالماضي الشعبي وتزرع شعور الفخر بما ورثه الناس من أجيال. خلال تدريباته اليومية، تتحرك يده اليمنى بخفة على القوس، فيما تتنقل اليسرى بسرعة بين الأوتار، فتولد أصواتًا متدرجة من الحزن والحنين إلى الفرح، وكل شدّة على الوتر تضيف بعدًا سمعيًا يجعل النغمة تتنفس مع كل نفس من أنفاسه.
حياة بين الحزن والأمل
بعد تهجيره إلى الطبقة، وجد سردار زيدان أن المقامات الشرقية تشكل جسرًا بينه وبين الجمهور الجديد، فتقربه من الأطفال والكبار الذين لم يعرفوا الكمان إلا من خلاله، ليصبح ما يقدمه لهم من خلال معزوفاته تجربة فريدة تدمج التراث والهوية الموسيقية للمدينة.
يحضر زيدان بانتظام في الحفلات الشعبية والأعياد الوطنية والمناسبات الفنية، حيث يملأ صوته قاعات المدينة بالأنغام الشرقية: “أرى الفرح في عيون الأطفال والدهشة في وجوه الكبار، وأشعر أن الموسيقا تصنع لحظات لا تُنسى. أحاول أن أجعل أنغام الكمان متناغمة مع روح المدينة لترتبط الناس بتراثهم”.
الجمهور يتحرك على الإيقاع أو يصفق بنغمات القلب، فيما تترك حركة القوس أثرها في الأطفال الذين يشاهدون بدهشة كل لحن يخرج من الأوتار. ومع كل حفلة، يتحول الكمان من آلة إلى رسالة، يربط بين الماضي الشعبي للمدينة وحاضرها، ويخلق لحظات حية توحد الناس على اختلاف أعمارهم وخلفياتهم.
الموسيقا لغة الإبداع والخلود
الكمان متنفس للمشاعر، وحرص على نقل الموسيقا للأطفال. وفي هذه النقطة يشير: “حين نعلّم الأطفال المقامات الشرقية، نزرع فيهم الإبداع ونقربهم من تراث منطقتنا. أرى في عيونهم الحماس وهذا يمنحني شعورًا بالرضا”.
في الجلسات المدرسية وحلقات التدريبات، يلاحظ كيف تتوهج أعين الأطفال عند سماع الرست والبيات، وكيف تبدأ أقدامهم بالرقص على إيقاع الدبكات. كل لحظة معهم هي بذرة لمستقبل موسيقي يحافظ على الهوية الشرقية، ويجعل من الكمان أداة تعليم وإلهام، لا مجرد آلة عزف.
يمضي سردار زيدان في مدينته الجديدة، يحمل كمانه كما يحمل روحه، ويعلّم الأطفال أن الموسيقا لغة لا تعرف الحدود. في حفلات الطبقة ومناسباتها، يظل الكمان صديق الغربة ورسالة إنسانية صامدة أمام التهجير والحروب، يربط التراث الشعبي القديم بجمهور اليوم، ويخلق لحظات من الفرح والحنين والأمل لكل من يسمعه.
No Result
View All Result