زاوية تنمية فكرية ـ د. هاجار رستم ملا شحمو
فديكارت حصر مفهوم العقل في أنّه المصدر الوحيد الموثوق للمعرفة الحقيقيّة مستبعداً الحواس والتّجربة. وانتهج ديكارت الشّك في كلّ شيء، حتى الوصول إلى حقيقة لا يمكن الشّك فيها، وهي “أنا أفكر؛ فأنا موجود.” والعقل استناداً إليه هو جوهر النّفس، ويختلف عن الجسد. ورأى أنّ العقل يعمل بالحدس، والاستنباط، واستخلاص النّتائج من مبادئ يقينيّة.
ووجهة نظرنا فيما يتعلّق بالعقل لدى ديكارت، فنرى بأنّه غير واضح؛ إذ إنّ هناك خلافاً بين موقع العقل، ودوره. ومقولته تمنح الصّلاحية للفكر، وليس للعقل في إلغاء الشّك. وإذا كان يعتمد على الحدس والاستنباط. فهذا يدفعنا باتّجاه التّساؤلات:
-هل هذَان العنصران يلغيان الشّك لديه؟ وهل يوصلانه إلى الحقيقة؟ وأيّ حقيقة تَقَصَدها – ديكارت؟
فالتّموّجات الفكريّة، والتي هي عبارة عن خلط متعدّد من الأفكار النّاتجة عن ردود أفعال مختلفة، جعلتنا أمام شبكة معقّدة تحتاج إلى فكفكة منهجيّة، بالإضافة إلى التّحلّي بروح مسؤوليّة جادّة تجاه هذا الدّماغ الذي أنهكته هذه الأفكار حتى بات العقل شبه عاجز عن تحديد مسارك في متاهات هذا الخلط. فكأنّ العقل هو الدوق فليد (غرندايزر) لدماغك. ولكي نوضح أكثر مفهوم التّموجات الفكريّة نختصر تعريفها بأنّها (الكمون الفكري).
هذا المفهوم الذي نسعى إلى الرّبط بينه وطريقة استحضار العقل، والذي قد يكون رافضاً لمحتوى الكمون لعدم وضوح معالم مكوّناته وفق تصوّرنا المبدئيّ لقدرة العقل. وهنا تكمن الخطورة من وجهة نظري، إذ إنّ واقعنا المحلّيّ والعالميّ خير مثال على ذلك. أمّا مفهوم الخطورة، فهو التّنافس اللّاتوافقيّ بين الأفكار المكوّنة لذلك الكمون، في مقابل ظهور تلك الفكرة التي تحاول الصّعود إلى الأعلى، أو التّقدّم إلى الأمام؛ لتكون هي مستقبلة العقل مبشّرةً إيّاه بالاستحضار لدعم الفكر وتوجيهه. فكأنّنا حوّلنا العقل إلى كائن لا مرئي يملك القوة الكامنة والدّاعمة لتعزيز مفهوم الفكرة علميّاً وعمليّاً، وتمهيد الطّريق لها من أجل الانعكاس، وتعريفها بالأدوات والوسائل اللّازمة لإنجازها.
ويلفت هنا إلى موضوع آخر في غاية الأهمّية: فإذا قلنا إنّ الفكر هو مجموعة لامتناهية من الأفكار، وإنّ العقل قدرته غير محدودة، وهي معلومة لنا. فأيّهما من الآخر؟ هل العقل من الفكر، أم الفكر من العقل؟ وكيف يكون أحدهما نتاج الآخر، وهما قدرة متشابهة، وهذا ما يفتح الباب أمام احتمالات عديدة: فإمّا أن يكون الفكر هو نفسه العقل. (وهذا لا يجوز وفق ما سنبرهنه لاحقاً)، أو أنّهما وجهان لعملة واحدة؛ أيْ أحدهما أداةٌ للآخر.
نعم، لقد دخلنا في عالم معرفة ماهية القوّة الخفيّة، والتي سيمنح إظهارها وإدراكها قوّة للإنسان يستطيع بها القضاء والسّير فوق كلّ التّراكمات المعيقة لمسيرة حياته، ثمّ المضي قدماً بثقة نحو أهدافه ومبتغياته من دون قلق، أو خوف، أو الوقوف عند حدّ ما، علماً أنّ هذا الأخير أشدّ خطراً من الآخرَين. فالعقل لدى ابن رشد أنواع: العقل (الهيولاني) بالقوة، والعقل بالفعل، والعقل الفعّال. وفي رأينا، هذه التّقسيمات تؤكّد معرفة ابن رشد بماهية العقل، وبالتّالي حصره إيّاه ضمن هذه التّقسيمات.
والسّؤالان اللذان يطرحان نفسهما ههنا: كيف يمكن حصر ما هو غير مرئيّ، وغير معلوم ضمن إطار معين؟ ولماذا نسمّيه العقل، ولا نسمّيه الفكر؟
بالإضافة إلى السّؤال: ماذا فعل بنا هذا العنصر التّموّجيّ؟
فإذا افترضنا أنّ العقل هو منتجٌ للفكر، أيْ بمعنى أنّ العقل أكبر قدرةً من الفكر، وأنّه يمتلك عناصر أخرى قد لا تشبه الفكر. فما العقل؟
العقل هو الصّورة الكاملة، وقد تكون الكلّية، لتوجيه الفكر نحو مساره الصّحيح، بيد أنّ الأدوات والوسائل المتواضعة بين يدي الفكر لا تكفي لإظهار صورته الكاملة، أو ترجمة ذلك التّوجيه.