زاوية تنمية فكرية ـ د.هاجار رستم ملا شحمو
ـ هل العقل هو من ينتج الفكر؟
ـ كيف ينتج العقلُ الفكرَ؟
ما العقل؟ وأين يكمن وجوده؟ وهل هو موجود أم يُستَحضرُ بموجب دعوتي له: هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها، بالإضافة إلى السّؤالَين السّابقَين.
وللتّمهيد للآتي، تخيّلْ أنّك تلعب الشّطرنج مع عقلك، ولاحظْ أين سيستقر الفكر ضمن هذه السّاحة: أيذهب لصالح العقل، أم يندمج معك؟ فإنْ حصل الاحتمال الأوّل، فقد تجرّدت من القوّة الفكريّة، أمّا وقوع الاحتمال الثّاني، فيصيّرك قوةً فكريّةً غيرَ موجّهةٍ. وإلى المنتصر في هذا الميدان فهو العقل. بمعنى: أنت والفكر قد تنتصران، بيد أنّكما لن تكونا فريدَين، أو نوعيَين، والعقل غائب عن الميدان. فإن حصلت فيه مواءمة بين العناصر الثّلاثة، فهذا، بلا شكّ، هو التّميّز والإبداع. فاعلم، وكن متيقّناً أنّك لن تستطيع اللّعب مع عقلك. أمّا المثال، آنف الذّكر، فقد كان على سبيل التّنبّه.
فلْنبدأ:
التّموّجات الفكريّة هي باختصار: السّباحة العشوائيّة في المسبح الفكريّ، إمّا بإتقان، أو بتخبّط، فيتهيّأ للنّاظر، أيْ العقل أمواجٌ تضعه في حالة حيرة من التّفسير، والتّشخيص النّاتج عن ذلك الهيجان؛ فيبتعد تاركاً هذه الفوضى. أمّا السّبب الجوهريّ، فهو ليس عجزه في الوصول، وإنّما هو عدم وضوح مركز التّحكّم، والإدارة لديك.
ثمّة كلمات مأثورة سائرة عبر الزّمن جرت بعفويّة على ألسنة البشر في مجتمعنا المتواضع، والمتميّز بالطّيبة، منها: (ضع عقلك في رأسك) هذه العبارة استوقفتني: أين يكون العقل حتى تضعه في رأسك؟ وكيف ستضعه في رأسك؟ وهذه العبارة تؤكّد أنّنا نفكّر ولكننا سلكنا المسار الخطأ في تفكيرنا؛ وهذا يتطلّب حضور العقل ليصحّح.
وهذا يؤدّي إلى استنتاج فحواه: العقل هو المتحكّم بالتّموجات الفكريّة. لذا؛ يطلب إليه أن يكون في الرّأس، فيخلق توزاناً وتوافقاً بين هذا الصّراع، بل (التّنافس) بالمعنى الأدقّ للكلمة.
نتساءل الآن عن ماهية العقل، والتي أودت بنا إلى الجزم بأنّه الضّابط، والمنتج. وكيف يمكن معرفتها؛ كوننا جزءاً من محطيه، لا المحيط كلّه. فكيف يمكننا إدراكه حتى نعلم كيف ينتج أو يوجّه.
فإذا قلنا إنّ العقل هو واحد لا أكثر، وفي المقابل الأفكار متعدّدة بل لامتناهية في فكر البشر، وإنّ حالة رد الفعل التي نعيشها سببه الفكر، وليس العقل؛ لأنّ هذا الأخير حسبما عرفناه لا يكون بمفهوم ردّي، ولا يقبل أن يكون كذلك. فلو أنّ أيّ إنسان كان في رأسه العقل، لَما كان هناك ردود أفعال أبداً، بل لكان لكلّ فعلٍ فعلٌ وليس ردّ فعلٍ.
تخيّلوا معي هذا العالم، وفيه لكلّ فعلٍ فعلٌ، أيْ نحن أمام مجموعة لا متناهية من الأفعال، ومن هنا سنعلم جيّداً قدرة العقل، وسنتمكّن بها من التّحكّم بكلّ عناصر حياتنا، والتي ستتحوّل من محاكم ردّية إلى فكريّة، (فردود الأفعال هي ضمن إطار الفعل، وهي أسيرةٌ له، أمّا الفعل مقابل ذلك الفعل، فهو خارج إطار الفعل المسبّب لردّ الفعل).
فالعقل هو الفعل، وليس الفكر بموجب تلك الفكرة، إنّه أشمل من ذلك. إنّه الفكر المتكامل لتلك الفكرة.