عين روناهي
روناهي/ قامشلو ـ مهنة الطب مهنة رسالة إنسانية سامية لا يحملها إلا إنسان اعتاد أن يخلص الإنسان من الألم، لكنها تحوّلت عند بعض الممارسين إلى شبكة من التحالفات الطبية التكتيكية، فتتقاطع مصالح الطبيب مع الصيدلية، وتتواطأ الوصفة مع علبة دواء بين حنايا الصيدلية، ويدفع المواطن وحده ثمن هذه “العلاقات التشاركية”.
فأجور المعاينة ارتفعت إلى مستويات تجعل المواطن يراجع حالته الصحية قبل أن يراجع الطبيب نفسه، فالدخول إلى العيادة بات يشبه الدخول إلى “نقطة جمركية”، يُدفع فيها رسم الدخول بغضّ النظر عن طبيعة الحالة الصحية، إن كانت صداعاً عابراً، أو حالة مرض مزمن في ظلام الليل الحالك. أما الفحوصات الطبية لم تعد تشخيصاً دقيقاً، ولا دراسة معمقة للحالة الصحية. لكنها؛ صارت بنظرة طبيب تاجر وبجلسة قصيرة يتبادل المريض والطبيب بخوذ نفس، وأطلق زفير بهواء من الألم والتوجع، لأننا أمام مصطلح الحداثة العلاجية للمريض، إذ بات يعتمد على مهارات خارقة؛ الطبيب لا يحتاج سماعة أو، جهاز فحص للضغط، يكفي أن يتنفس المريض داخل الغرفة، ثم يُبنى على أثرها علاج؛ وفي كثير من الحالات ليس في محله، ومباشرة يُحال المريض إلى صيدلية محددة، أو مختبر قد اتفق صاحبه مع المريض، وهنا لا نعلم إن كان للطبيب نصيب من الصيدلية أو من المخبر المحددين سلفا، مثلما الشحنات الدولية إلى الجمارك المعتمدة.
وما إن يخرج المواطن من عيادة “التحليل السريع”، حتى يجد نفسه محاطاً بسلسلة من التوصيات الصارمة: صيدلية معيّنة، ومختبر محدد بدقة، ومجموعة تحاليل قد لا تكون ضرورية، لكنها “ضمن البروتوكول المتفق عليه” خلف الكواليس.
تتكرّر الأسماء والعناوين، وتتشابه الوصفات إلى درجة تثير الفضول: هل يُعاني المرضى كلهم من المرض نفسه؟ أم أن هناك تفاهمات غير معلنة، تحدد نوع الدواء، ومصدره، وربما حتى سعره، بما يضمن دوران العجلة التجارية داخل هذه الحلقة الطبية المحكمة؟
في الوقت الذي تشكو إيرادات المواطنين عن تغطية الحاجات الأساسية، تتقدّم الفواتير الطبية بخطى واثقة، مدعومة بـ “دبلوماسية صحية” لا تعترف بالفقر، بل ترى فيه فرصة لزيادة الطلب على المسكنات، فالمريض يدفع ثمن المرض، وثمن الوصفة، وثمن التحالفات، وفي المحصلة، يخرج المريض من هذه الحلقة الطبية، وهو لا يعرف تماماً ما الذي شُفي منه، لكنه يعرف يقيناً ما الذي أُصابه: إنها “متلازمة الفواتير المتراكمة”، التي لا علاج لها إلا بالاستسلام، أو بالتحول إلى منعطف طبيب آخر بالطريقة نفسها.
والجدير ذكره، أننا لا نخص الأطباء الذين قرنوا قسمهم الطبي بالأمانة الطبية والإنسانية، التي وُجدوا لها ودرسوها وآمنوا بها، غير المتواطئين في هذه المؤامرات التكتيكية الطبية؛ فإن “خلت بلت” كما يُقال.