زاوية تنمية فكرية ـ د. هاجار رستم ملا شحمو
فأميل دوركايم كان يعدّ العقل نتاجاً اجتماعيّاً. وإنّي اتّفق معه، لو كنت في ذاك الزمان. ولكنّ الآن الأمر مختلف في ظلّ تأثير الأدوات والوسائل التّكنولوجيّة في المحتوى الفكريّ – فضلاً عن باقي المؤثّرات -إذ إنّها الأكثر تأثيراً في الوعي، وحرفيّة الفكر.
أدركتم أعزّائي تأثير هذا البند على مفاصل محيطنا الفكريّ الضيّق، وتحديده طبيعة سلوكنا الفكريّ. وليس هذا فحسب، بل سيشمل هذا التّأثّر إنتاجنا للأفكار مستقبلاً، والاستناد إليها في التّصرّف.
وهذا يعني أنّنا أمام خانة تحدّد قيمتنا، ودرجة ظهورنا في البيان العائليّ للعلم في هذا العالم لأن ّالخانة الفكرية التي يحدّدها المؤثّر الفكريّ المحيط بتلك الخانة يعيّن مدى إدراكك وإحاطتك بقدرتك الفكريّة. علماً أنّ الإحاطة بمفهومه الفكريّ يصيّرك قائداً وفاعلاً ليس مجرّد مستجيبٍ بردود أفعال آليّة. لذا؛ سيُعتَمد في كتابكم على الرّكيزة التي مؤدّاها: أين الفعل، وأين الفاعل لذلك الكم اللّامحدود من ردود أفعالنا؟ فبمعنى أدقّ نحن كلّنا ردود أفعال، وفاعليّة كلّ منا مرهونة في نسبة توافقه مع الفعل والفاعل. ثمّ كيفيّة تحوّله من حال رد الفعل إلى حال الفعل والفاعل.
فإيمانويل كانط اعتقد أنّ العقل أداة لتنظيم المعرفة، وليس مصدراً لها؛ أيْ إنّه لا ينتج المعرفة من ذاته، بل ينظّم المعطيات التي تقدّمها الحواس. فالعقل -وفق كانط – ينطلق من التّجربة مع الحاجة إلى بنى عقليّة سابقة.
أمّا ردّنا على اعتقاد كانط، فيتمثّل في طرح التّساؤل: – كيف يمكن التّوافق بين الاثنين، فالتّشابك بينهما لإنتاج فكرة، أو الحصول على معرفة؟
فضلاً عن أنّ الاعتماد على الحواس يعني أنّ العقل سيتعامل وفق المعطيات، وسيكون وفق مفهوم ردّيّ، لا فكريّ. فأين نحن من التّصوّرات والرّؤى؟ ومن ناحية أخرى، إنّ دور العقل غير واضح في ظلّ التّداخل بين العقل: القبليّ، والبعديّ، والنّظريّ، والعملي. وخاصّة فيما بتعلّق بشأن تشكيل الكيان الفكريّ، ثمّ الأطروحة الفكريّة. فردود الأفعال أصبحت هي مرشد فكرنا إلى إنتاج الأفكار. وبناءً على ما أنف ذكره سيكون هذا العنصر القاعدة الأساسية ليس لهذه المعادلة فحسب، بل للمعادلات الأخرى أيضاً.
سنحاول الغوص في مكامن هذا العنصر بكلّ إمكاناتنا وقدراتنا لعلّنا نصل وإيّاكم إلى حلّ معضلة في غاية الأهمّية.