الحسكة/ محمد حمود ـ أسست ثورة 19 تموز في إقليم شمال وشرق سوريا نظاماً تعليمياً ديمقراطياً يعزز التنوع الثقافي واللغوي، حيث أُدخلت اللغات الكردية والسريانية والعربية في المناهج، وأُنشئت المؤسسات المختصة التي تبث الوعي، فيما يشيد الأهالي بالنظام الذي يعزز الهوية والسلم الأهلي.
تُعدّ ثورة 19 تموز، التي انطلقت قبل ثلاثة عشر عاماً، نقطة تحول تاريخية في إقليم شمال وشرق سوريا، حيث أسهمت في بناء نظام تعليمي شامل يعكس التنوع الثقافي واللغوي للمنطقة، ويعزز قيم الديمقراطية والتعايش السلمي.
والتعليم أحد أبرز منجزات هذه الثورة، إذ أعيدت هيكلته ليصبح أداة لتمكين المجتمع، تعزيز الهوية الثقافية، وبناء جيل واعٍ قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
ويستعرض هذا الملف إنجازات النظام التعليمي في الإقليم، مع تسليط الضوء على دور مجلس التربية والتعليم، والأكاديميات، والجامعات، إلى جانب تصريحات موسعة من المسؤولين وآراء أهالي مدينة الحسكة.
النظام التعليمي قبل ثورة 19 تموز.. التهميش والإقصاء
وقبل انطلاق ثورة 19 تموز، كان النظام التعليمي في إقليم شمال وشرق سوريا يعاني من سياسات إقصائية تهمش اللغات والهويات غير العربية، اعتمد النظام السابق سياسة اللغة الواحدة والثقافة الواحدة؛ ما أدى إلى طمس هويات الشعوب الأخرى، خاصة الكردية، التي كانت غير موجودة رسمياً.
ولم يُسمح للكرد تعليم لغتهم الأم في المدارس، حيث كان تعلمها يتم سراً في ظروف صعبة، فيما اقتصر تعليم اللغتين السريانية والأرمنية على بعض المدارس الخاصة، ما حدَّ فرص التعليم الشامل لهذه الشعوب.
وفي تلك الفترة، أسست مؤسسة اللغة الكردية عام 2007، وعملت سراً في مدن مثل حلب، عفرين، كوباني، والجزيرة، لتعليم اللغة الكردية، لكن هذه الجهود كانت محدودة بسبب القيود الأمنية والسياسية، وكان التعليم أداة لتعزيز الأيديولوجيا السلطوية، بعيداً عن احتياجات المجتمع المتنوع في الإقليم.
إعادة صياغة التعليم
ومع انطلاق الثورة وإعلان نظام الإدارة الذاتية، بدأت عملية إعادة بناء النظام التعليمي على أسس ديمقراطية تعكس التنوع الثقافي واللغوي، يُعرّف التعليم في هذا النظام بأنه “تأهيل وتنمية وتكوين الأشخاص في إطار فكري وعلمي مبني على أسس محددة، واكتساب المهارات وبناء جيل جديد بناءً على ذلك”، هذا التعريف يعكس الطموح لبناء مجتمع واعٍ يحترم التنوع ويعزز المساواة.
وتمثّل هذا التحول في إدخال اللغات الكردية والسريانية والعربية كلغات رسمية في المناهج التعليمية، وفقاً للمادة السابعة من العقد الاجتماعي، حيث أُعدت مناهج دراسية تشمل مواد متنوعة مثل “الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، العلوم الاجتماعية، الثقافة والأخلاق، الجغرافيا، التاريخ، الفلسفة، واللغة الإنجليزية”، بالإضافة إلى دراسة الديانات المختلفة مثل الإسلام والإيزيدية، وقد صُممت هذه المناهج لتعزز قيم التعايش المشترك والديمقراطية، بعيداً عن الأيديولوجيات الشمولية.
وفي عام 2013، طورت مؤسسة اللغة الكردية عملها، وافتتحت أكثر من 100 مدرسة لتعليم اللغة الكردية للشباب، النساء، وكبار السن، كما أُدخلت اللغة الكردية كمادة دراسية في المدارس الرسمية، مع تأهيل عشرات المدرسين، في عام 2015، افتُتحت معاهد لتأهيل المعلمين، وفي عام 2016، أسست مؤسسة المناهج التي أعدت مناهج للمراحل الابتدائية، الإعدادية، والثانوية حتى عام 2019.
مجلس التربية والتعليم.. إطار تنظيمي شامل
ومع التوسع في النظام التعليمي، تم إنشاء مجلس التربية والتعليم لتوحيد الجهود التعليمية تحت مظلة واحدة، ويضم المجلس، وفقاً للمادة 98 من العقد الاجتماعي، ممثلين عن مؤسسات التربية والتعليم، الجامعات، مؤسسة المناهج، مؤسسة اللغة، اتحاد المعلمين، مراكز البحث، ولجان الجينولوجي، إلى جانب ممثلي الكومينات والمجالس الشعبية.
ويهدف المجلس إلى وضع استراتيجيات تعليمية شاملة، تطوير المناهج، وتأهيل الكوادر التعليمية، مع التركيز على تعزيز الثقافة الديمقراطية من مرحلة الحضانة إلى الجامعة. ويقوم المجلس بتنفيذ قراراته عبر هيئة التربية والتعليم، مع التركيز على اتخاذ قرارات مشتركة تشمل آراء جميع الأطراف المعنية.
وبدأ المجلس بتغيير المناهج التعليمية على ثلاث مراحل، مع تنظيم دورات تدريبية للمعلمين لتأهيلهم على المناهج الجديدة، بهدف التخلص من الأساليب التقليدية وتلبية احتياجات المجتمع الحديث.
التعليم حجر الزاوية للسلم الأهلي
وفي تصريح خاص لصحيفتنا “روناهي”، أكد الرئيس المشترك لهيئة التربية والتعليم في مقاطعة الجزيرة “عدنان بري“، على الدور المحوري للتعليم في بناء مجتمع ديمقراطي: “منذ اللحظة الأولى لثورة 19 تموز، جعلنا التعليم أولوية قصوى، واجهنا تحديات هائلة بسبب الدمار الناتج عن النزاع والأيديولوجيات الإقصائية التي حاولت طمس هوياتنا، لكن إيماننا بأن التعليم هو مفتاح بناء مجتمع حر دفعنا لتجاوز هذه العقبات”.
وتابع: “وأبرز إنجازاتنا هو التحول نحو التعليم باللغة الأم، قبل الثورة، كان التعليم باللغة العربية فقط، مما همّش لغات مثل الكردية والسريانية، اليوم، يدرس أطفالنا بلغاتهم الأم في المراحل الأولى، مع تعلم اللغات الأخرى كلغات ثانية، مما فتح آفاقاً معرفية جديدة وعزز هويتهم الثقافية”.
وأضاف بري: “لقد أعدنا تأهيل المدارس المدمرة، وبنينا مدارس جديدة، ووفرنا المستلزمات التعليمية، كما طوّرنا مناهج تركز على قيم التعايش، الديمقراطية، وحقوق الإنسان، بعيداً عن الفكر الشمولي، ونظّمنا دورات مكثفة للمعلمين لتأهيلهم على هذه المناهج، وافتتحنا جامعات ومعاهد عليا لتتيح لشبابنا إكمال تعليمهم دون السفر، فالتعليم باللغة الأم ليس مجرد إنجاز أكاديمي، بل ركيزة للسلم الأهلي. عندما يتعلم الأطفال بلغتهم، يشعرون بالاعتراف بهويتهم، مما يعزز الانتماء والثقة المتبادلة بين المكونات، وهذا يقلل من الصراعات ويعزز التعايش السلمي”.
وأشار بري، إلى التحديات المستقبلية: “نسعى للاعتراف الرسمي بمؤسساتنا التعليمية وشهاداتنا، نعمل على توحيد المعايير التعليمية لتتوافق مع المعايير الدولية، ونتواصل مع منظمات عالمية لشرح تجربتنا وطلب الدعم، نطالب بأن يعكس دستور سوريا المستقبلي هذه المنجزات، من خلال الاعتراف باللغات المحلية وحق التعليم بها، ودعم اللامركزية في إدارة التعليم لتلبية احتياجات المناطق المختلفة”.
الأكاديميات.. ثورة فكرية لتحرير العقل
وتُعدّ الأكاديميات ركيزة أساسية في نظام الإدارة الذاتية، حيث تهدف إلى نشر الوعي الفكري والثقافي بين مختلف فئات المجتمع. بدأت هذه الأكاديميات عام 2013 بافتتاح أكاديمية نوري ديرسمي في عامودا، ثم تطورت لتصبح أكاديمية المجتمع الديمقراطي عام 2016.
واليوم، يضم الإقليم 20 فرعاً لهذه الأكاديمية، تقدم دورات تدريبية باللغتين الكردية والعربية في مواضيع مثل الفلسفة، التاريخ، العلوم الاجتماعية، ومفهوم الأمة الديمقراطية، وتسعى الأكاديميات إلى تحرير الفرد من الذهنيات التقليدية، سواء كانت دينية، طائفية، أو ذكورية.
ولعبت دوراً بارزاً في تمكين المرأة من خلال برامج تعليمية تركز على علم الجينولوجيا، وتعزيز المساواة بين الجنسين، كما تنظم الأكاديميات ندوات واجتماعات جماهيرية في القرى والأحياء لنشر الوعي المجتمعي، وتصدر الأكاديمية مجلة دورية كل ستة أشهر تتناول قضايا سياسية، اجتماعية، واقتصادية.
وفي تصريح للإعلامية “جود شاهين“، عضوة أكاديمية العلوم الاجتماعية للقائد عبد الله أوجلان: “تمثل الأكاديميات ثورة فكرية تهدف إلى خلق إنسان حر ومجتمع حر. في فكر القائد أوجلان، الأكاديمية ليست مجرد مكان لتلقين المعلومات، بل مشروع شامل يشمل السياسة، الفلسفة، التاريخ، والاقتصاد”.
وتابعت: “لقد ساهمت الأكاديميات في تحطيم الذهنيات التقليدية، سواء كانت دينية، طائفية، أو ذكورية. أبرز إنجازاتنا هو تمكين المرأة من خلال إعادة قراءة التاريخ من منظورها، مما كشف حجم التهميش الذي تعرضت له عبر العصور. طوّرنا برامج تعليمية مخصصة للنساء لتعزيز ثقتهن بالنفس وقدرتهن على القيادة في جميع المجالات، بما في ذلك السياسة والمجتمع.”
وأضافت جود: “الأكاديميات ليست مجرد قاعات تدريب، بل حركة اجتماعية حية. ننظم اجتماعات جماهيرية في القرى والأحياء، وندوات عامة لنشر الوعي. نؤمن أن كل منزل أو حتى شجرة يمكن أن تكون فصلاً للتعلم. الأكاديميات أصبحت نمط حياة يعزز النقد والإرادة الحرة. ساهمت في ترسيخ مفهوم الحرية الفكرية، وهو أساس أي تغيير سياسي أو اجتماعي. هدفنا هو بناء مجتمع أخلاقي وسياسي يقوم على المساواة والحرية”.
الجامعات.. استكمال منظومة التعليم العالي
واستُكمل النظام التعليمي بافتتاح جامعات في الإقليم، بدءاً من جامعة عفرين عام 2015، ثم جامعة روج آفا في قامشلو وجامعة كوباني عام 2016، وجامعة الشرق في الرقة عام 2021، وتضم جامعة روج آفا 12 كلية وثلاثة معاهد، وجامعة كوباني ثلاث كليات وخمس معاهد، وجامعة الشرق سبع كليات ومعهدين.
وتُدرّس هذه الجامعات مواد مثل الأمة الديمقراطية، العلوم الاجتماعية، التاريخ، والأدب، مع تخصص خاص بعلم الجينولوجيا في جامعة روج آفا.
آراء أهالي الحسكة.. إشادة بالنظام التعليمي
ويعبر أهالي مدينة الحسكة عن رضاهم عن النظام التعليمي الجديد، حيث قال أحد سكانها “خضر حسين“: “النظام التعليمي الجديد غيّر حياة أطفالنا، اليوم، يتعلمون بلغتهم الأم، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويربطهم بهويتهم.
المدارس والمعاهد تقدم تعليماً حديثاً يركز على القيم الإنسانية، والأكاديميات تنشر الوعي بين الكبار، لقد أصبح التعليم ركيزة للتغيير الإيجابي في مجتمعنا”.
ومن جانبها، أشادت آمنة أحمد: “أنا فخورة بأن ابنتي تدرس في جامعة روج آفا، النظام التعليمي يحترم تنوعنا الثقافي ويعطي الفرصة للجميع، الأكاديميات ساعدتني على فهم حقوقي كامرأة ومشاركتي في المجتمع، هذا التعليم يبني جيلاً قوياً وواعياً”.
JINHAGENCY
التحديات والطموحات المستقبلية
ورغم الإنجازات، يواجه النظام التعليمي تحديات مثل الاعتراف الرسمي بالشهادات وتوفير الموارد، تسعى هيئة التربية والتعليم إلى مواءمة المعايير مع المعايير الدولية، والتواصل مع المنظمات العالمية، يُطالب المسؤولون بأن يعكس دستور سوريا المستقبلي هذه المنجزات، من خلال الاعتراف باللغات كافة وحق التعليم بها.
ختاماً، يُعدّ النظام التعليمي في إقليم شمال وشرق سوريا نموذجاً رائداً لبناء مجتمع ديمقراطي يحترم التنوع، من خلال المدارس، الأكاديميات، والجامعات، تمكنت الإدارة الذاتية من تحويل التعليم إلى أداة للتحرر الفكري والثقافي، تصريحات المسؤولين وآراء الأهالي تؤكد، أن هذا النظام ليس مجرد إصلاح تعليمي، بل ثورة فكرية واجتماعية تعيد تشكيل مستقبل الإقليم.