No Result
View All Result
روناهي/ تل حميس ـ سابقاً، كنا نعيش حياة بسيطة، نتنقل في بيوت الشعر، نلتقي بجيران جدد، تربطنا بهم أواصر المحبة والصداقة، حيث كان الجار أكثر من أخ، وعندما يحين وقت الفراق، كانت الدموع تسبق الكلمات، تعبيرًا عن حزن لا يمكن وصفه، أما اليوم، فقد صنعت الجدران، فواصل بيننا وبين جيراننا، فلم تعد تلك المحبة التي كنا نعيشها موجودة، وأصبحت العلاقات سطحية، بلا دفء ولا روح، كما وصفها المسن “يوسف الباشا”.
فالحياة سلسلة من التحولات، تحمل معها تغيرات تؤثر على مختلف نواحي الحياة، لا سيما العلاقات الإنسانية، بين الماضي والحاضر، تتضح الفروقات في أنماط العيش، وطبيعة التفاعل بين الناس، ومدى قوة الروابط الاجتماعية.
الماضي.. زمن البساطة والجمال
وخلال زيارة صحيفتنا “روناهي” قرية الفرحانية، التقينا الرجل المسن “يوسف الباشا ” 98 عاما ً، فحدثنا عن الماضي بكل حب وحنين، بكلمات بسيطة مليئة بعفوية وصدق، وأحضر صورة من الزمن الجميل، ليعطينا درسًا عن التغيرات التي شهدتها الحياة الاجتماعية، واصفها بزمن البساطة والجمال: “في القديم، كنا نعيش ببيوت الشعر، ننتقل من مكان إلى آخر، حيث كانت الأرض الواسعة مأوانا المشترك، نلتقي بأناس جدد يصبحون جيرانًا لنا، ولم تكن علاقة الجيرة مجرد وجود بالقرب منا، بل كانت علاقة حب وصداقة وأخوة”. كانت المناسبات الاجتماعية، سواء الأفراح أو الأتراح، فرصة للتقارب والتلاحم، حيث تذكر الباشا تلك الأيام قائلاً: “كنا نشارك جيراننا في كل شيء، من الطعام إلى الأفراح والأحزان، في ذلك الزمن، كان الجار أقرب من الأخ، كنا نفرح لفرحهم، ونحزن لحزنهم، حتى عندما يحين وقت الفراق، كانت الدموع تتحدث بدلًا منا، لأنها ترفض هذا الرحيل”. 
ولك تتوفر في ذلك الزمن، وسائل تكنولوجية أو جدران تُبنى بين الناس، كان التفاعل الإنساني مباشرًا وصادقًا: “عندما كنا نزور جيراننا، كنا نشعر وكأننا نزور أهلنا، فلم تكن هناك رسميات أو حواجز، بل كانت القلوب مفتوحة للجميع، والمحبة سائدة، ولم تكن هناك أي مصلحة أو غاية وراء هذه العلاقات”.
الحاضر.. زمن الجدران والفواصل
وعندما انتقل الحديث إلى الحاضر، تغيرت نبرة صوت “الباشا “، حيث بدا عليه الحزن وهو يصف التغيرات التي طرأت على المجتمع: “اليوم تغيرت الحياة كثيرًا، فلم نعد نعرف حتى أسماء جيراننا، وأصبحت الجدران، تفصل بيننا وبينهم، لم تعد هناك تلك العادات الجميلة التي كانت تجمعنا في الماضي”.
كما أشار الباشا إلى دور التكنولوجيا في هذا التغير:” الهواتف الذكية ووسائل التواصل الافتراضي؛ جعلت الناس بعيدين عن بعضهم، فعلى الرغم من أنهم يعيشون في المكان نفسه، أصبحوا يكتفون بإرسال رسائل عبر الهاتف بدلًا من زيارة الجار أو مشاركته أفراحه وأحزانه، التكنولوجيا جعلتنا أقرب بالشاشات، لكنها أبعدتنا عن القلوب”.
ووصف الباشا، الانشغال بالحياة اليومية سبب آخر لتراجع العلاقات الاجتماعية: “في هذا الزمن، أصبح الجميع منشغلًا بحياته الخاصة، العمل والدراسة والمشاكل اليومية أخذت كل وقتنا، حتى عندما نحاول التواصل مع الآخرين، نجد أن العلاقات أصبحت سطحية، خالياً من الدفء الذي كان يميزها في الماضي”.
المقارنة بين “الحاضر والماضي”
وقارن “الباشا” بين الحاضر والماضي، مؤكداً، أن التواصل الاجتماعي في السابق، كان يتم وجهاً لوجه؛ ما أتاح فرصة لبناء علاقات عميقة وصادقة، أما في وقتنا الحاضر، أصبح التواصل يعتمد على التكنولوجيا، وهذا قلل التفاعل الحقيقي بين الناس.
وتابع: “وفي السابق كانت هناك مشاركة في الحياة اليومية، حيث كان الجيران يتشاركون كل شيء، من الطعام إلى الأفراح والأحزان، أما في الحاضر، أصبحت المشاركة محدودة أو معدومة، وأصبح كل شخص يعيش في عالمه الخاص”.
مضيفاً: “ناهيك عن الشعور بالانتماء في الماضي، حيث كان الناس يشعرون بأنهم جزء من عائلة كبيرة، يجمعهم الحب والتآخي، أما في الحاضر، فقد أصبح الشعور بالفردية هو السائد؛ ما جعل العلاقات أكثر جفافًا”. وعن أثر التكنولوجيا والجدران، أشار الباشا: “سابقاً، لم تكن هناك جدران تفصل بين الناس، وكانت الحياة مفتوحة ومشتركة، أما في الحاضر، فقد أصبحت التكنولوجيا والجدران المادية عوامل تباعد بين الناس”.
وفي الختام أكد المسن “يوسف الباشا”، بأن “الماضي ليس ذكريات، بل درساً يجب أن نتعلم منه، ونتذكر قيمة العلاقات الإنسانية، وأن نحاول استعادة جزء من تلك الروابط الجميلة التي جعلت حياتنا أكثر دفئًا”.
No Result
View All Result