روناهي/ الرقة ـ في ذروة تموز، يتحول دوار الدلة في مدينة الرقة إلى مركز شعبي يعج بالحياة، فلا يقتصر الأمر على الباعة والمشترين، بل يتجاوز ذلك إلى طقس اجتماعي، يشكل فصلاً سنوياً محفوراً في الذاكرة الجماعية للمدينة.
وسط السوق، تتناثر ألوان الخضار، وتعلو أصوات النساء والرجال وهم يختارون بعناية مكونات “المونة الشتوية”، التي ما تزال تحتفظ بمكانة مركزية في ثقافة الطعام الرقاوي، لا باعتبارها مؤونة غذائية فقط، بل طقساً دافئاً يحمل في طياته طمأنينة واستمرارية في وجه الظروف المتقلبة.
وفي الصدد، تحدث “أحمد الإبراهيم” أحد سكان حي الدرعية ومواظب على تحضير المونة، لصحيفتنا “روناهي”: “أنا عمري فوق الأربعين، وكل سنة بجيب المونة من دوار الدلة، فالمونة مو مجرد أكل منخزنه، هي ذكرى، هي ريحة بيت أمي، وشعور بالأمان وسط كل الغلاء اللي عم نعيشه”.
البندورة والدبس… ذاكرة الطفولة
ويبدأ كثيرون رحلتهم الموسمية بشراء كميات كبيرة من البندورة الحمراء، التي تحول في ساعات المساء إلى دبس بندورة يحفظ بعناية لفصل الشتاء، النار الهادئة، الرائحة التي تعم أرجاء الحي، والمرطبانات المصطفة، كلها مشاهد لا تغيب عن ذاكرة الرقاويين.
وأضاف الإبراهيم: “أنا وعيلتي كل سنة منشتري 60 كيلو بندورة، منقعد كلنا سوا، منغسل ومنقطع ومنطبخ، وبتصير ريحة الحارة كلها دبس، هاد هو الجو اللي منحبه، هاد اللي بيربطنا”.
البامية… نجمة الموسم البديلة
ومع تأخر تحضيرات المكدوس هذا العام، تتصدر “الباميا” مشهد المونة في أسواق الرقة، تشترى طازجة وخضراء، وتفرز وتقطع وتجفف أو تفرز، لتصبح مكوناً أساسياً في يخنات الشتاء الغنية بالنكهات، وتعود رائحة “يخنة الباميا” في ذاكرة الرقاويين إلى جلسات العائلة في أيام البرد، حول طاولة عامرة وصوت المطر في الخلفية.
وعلق الإبراهيم، بينما يحمل أكياس الباميا إلى سيارته: “الباميا هالسنة سابقة المكدوس، الناس نازلة تشتري وتفرز، لأنها طبخة لا بتتعوض ولا بتنمل، تخزينها سهل، ونكهتها بتدفي القلب بالشتوية”.
دوار الدلة… ملتقى المدينة وقلبها النابض
وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار، لم تتراجع حركة السوق، بل زادت وتيرتها، وأصبح الدوار خلال موسم المونة ساحةً يومية تزدهر بالتبادل والتفاعل، الفلاحون يجلبون خيرات حقولهم من الريف، والأهالي يشترون بالجملة، يتحضرون لشتاء أكثر يقينا.
واختتم “أحمد الإبراهيم” بابتسامة ممزوجة بالفخر والحنين: “دوار الدلة هو نبض المدينة بهالوقت من السنة، الناس بترجع له، لأنه بيعطي شعور بالأصالة والاستقرار، رغم كل المصاعب. المونة مو رفاهية، هي حياة”.
ما وراء المونة.. هوية ومقاومة ومعنى
إن الحديث عن موسم المونة في الرقة ليس مجرد تناول لحدث موسمي يتكرر كل عام، بل حكاية عن صمود الإنسان أمام التبدلات الاقتصادية والاجتماعية، عن ذاكرة جماعية تتمسك بتفاصيل الطفولة وروائح البيوت الأولى، فكل مرطبان يغلق بإحكام، وكل حفنة من ورق العنب تملّح وتخزن، ليست فقط استعدادا لشهور البرد، بل حباً وإصراراً في الحفاظ على نمط حياة لا يتخلى عن جذوره.
في زمن تكثر فيه التحديات اليومية وتضيق فيه سبل الراحة، تشكل طقوس المونة وسيلة للمقاومة الناعمة، هي مقاومة للنسيان، وللفردية، وللاغتراب الاجتماعي، فعندما تجتمع العائلة حول مائدة التقطيع أو الحفر أو التمليح، لا تصنع فقط طعاماً، بل تعيد حياكة نسيجها الداخلي، وتفتح نافذة على زمنٍ كانت فيه الأشياء أبسط، وأكثر دفئاً. وفي قلب هذه الصورة، يبرز دوار الدلة ليس ساحة للبيع، بل منصة تحتضن سرديات الناس، وتحمل همومهم وأحلامهم، وتثبت أن ما يبدو في ظاهره فعلاً بسيطاً، قد يكون في جوهره ممارسة ثقافية وتربوية واقتصادية ذات بعد استراتيجي، يحفظ الأمن الغذائي، ويعيد الاعتبار للمنتج المحلي، ويعزز التماسك الأسري والمجتمعي. وفي الرقة، لا تموت العادات بسهولة، بل تتجدد كل صيف في بسطة خضار، وفي ضحكة منسية تولد من جديد فوق نارٍ تشتد تحت قِدر دبس يغلي، هكذا تبقى المونة أكثر من طقس، إنها لغة محكية بلا كلمات، تحكي عن الانتماء، والكرامة، وعن حب الأرض الذي لا يذبل.