No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ في زمن تتغير فيه المعالم والعناوين، تبقى كنيسة مار يعقوب النصيبيني والتي تشارف على المائة عام، ثابتة نبضا حياً في وجدان قامشلو، فهي مكانٌ تغسل فيه الأرواح قبل الدخول، وتُشعل فيه الشموع لأجل الغائبين، وتُرتّل فيه الصلوات كأنها وصايا أبدية.
في قلب مدينة قامشلو، وعلى ناصية شارع يتنفس التاريخ، تقف كنيسة “مار يعقوب النصيبيني” كما يقف الشاهد في المحاكمات الكبرى، تدلي بشهادتها عن زمنٍ كانت فيه الأرواح أصفى من المرآة، والصلوات أكثر صدقًا من الوعود.
تنتصب كنيسة مار يعقوب النصيبيني أقدم الكنائس في قامشلو، وشاهد حيّ على تاريخ حافل بالإيمان والتحدي، فلا تعد مجرد مبنى أثري يعود إلى عام 1927، بل مرآة ذاكرة جماعية اختبرت الوجع والرجاء، واحتضنت نداءات الأمهات ودموع اللاجئين وابتسامات الأطفال.
من الطوب إلى الحداثة
وفي بدايات القرن العشرين، ومع توافد السريان إلى قامشلو هربًا من الاضطهاد، كانت الحاجة إلى مكان للعبادة ملحة، فكانت كنيسة مار يعقوب أول كنيسة مسيحية تُشاد في المدينة عام 1927، وشُيدت حينها من الطوب الترابي بإمكانات مادية بسيطة لكنها غنية بالإيمان المطلق.
وخلال زيارة صحيفتنا “روناهي” الكنيسة، حدثنا كاهن كنيسة مار يعقوب النصيبيني الحالي الأب “آحو إبراهيم“: “هذه الكنيسة ليست جدرانًا، إنها دعاء طُبع في الطين وارتفع إلى السماء، وقد بُنيت بأيدٍ متعبة لكنها مملوءة بالرجاء، لبنها الأول كان مزيجًا من التراب والدموع والتراتيل”.
مرت السنوات، وانهارت الكنيسة الطينية بفعل الزمن، وبمبادرة من المطران “مار إسطاثيوس قرياقس تنورجي”، تم هدم المبنى القديم عام 1947، وبُني مكانه 16 محلًا تجاريًا تطل على الشارع الرئيسي، ومن ثم شيّدت الكنيسة الحديثة عام 1953 بتصميم هندسي وضعه المعماري “أرداشيس سيمونيان”، وباركها البطريرك أفرام برصوم الأول في احتفال مهيب صباح يوم خميس الصعود، 14 أيار 1953.
منبر ديني ثقافي
وعلى الرغم مما مرّت به سوريا من حروب وتغييرات، بقيت كنيسة مار يعقوب النصيبيني منارةً للإيمان، فعندما أُغلقت نوافذ كثيرة في البلاد، ظلّت نوافذ الكنيسة مفتوحة للنور، وأجراسها لم تتوقف عن الرنين، والشموع لم تطفأْ، وظلت الترانيم تتحدى الخوف والخراب.
وأضاف إبراهيم: “الكنيسة لم تكن فقط مأوى للمصلين، بل ملجأ روحياً لكل من أضنته الحياة، هنا اجتمع السريان والآشوريون والأرمن والكلدان، وحتى إخوتنا المسلمون، في صلوات من أجل السلام، نحن نؤمن أن الله أكبر من كل حدود المذاهب والطوائف”.
ولم تعد الكنيسة اليوم حكرًا على الصلوات، بل تحوّلت مركزاً حيوياً للأنشطة الثقافية والاجتماعية، حيث تقام بها أسابيع للصلاة من أجل وحدة المسيحيين، كما تضم سرة مار أفرام السرياني الجامعية، وغرفة لفوج الكشافة الرابع للسريان الأرثوذكس ويشغل دار المطرانية فيها مركزًا للكشاف والتربية الدينية.
وتكريمًا لروحانية المكان، بُني مزار للقديس مار يعقوب النصيبيني في الجهة الغربية من الكنيسة، إضافة إلى مقام للمعمودية، وقد وثّق التاريخ حادثة نادرة عام 1936، حين نضح الزيت العجائبي من جدران الكنيسة، وأصدر حينها البطريرك منشورًا رسميًا، ودوّن الراحل الخوري ملكي القس أفرام طقسًا خاصًا يُتلى سنويًا في ذكراه.
كما تحوي قبور من نور، ومدافن خاصة بالآباء الكهنة، في باحة الكنيسة بجانب لجنة مار رابولا، ويضم رفات “القس ملكي إيشوع الحبابي الخوري، والقس ملكي القس أفرام الأربوي، والراهب يوسف أفريم، والقس كبريئيل بن القس ليليا، والراهب يوحنا قره باشي، والراهبة فريدة شكرو، والراهبة شموني صومي، والراهب المبتدئ برصوم كورية دنحو، والقس برصوم القس يوسف (كاهن كنيسة المالكية)، والقس داود شمعون (كاهن كنيسة الشلهومية)، والشماس الأرخدياقون لحدو أسحق، والشماس جورج توما ماهيلو”.
واختتم كاهن الكنيسة الأب آحو إبراهيم حديثه: “في كل ركن من هذه الكنيسة حكاية، وكل شمعة تُضاء تحكي عن أم فقدت ابنها، وكل جدار يردد صلاة مهاجر لم يعد، إنها كنيسة الراحة ووجدت لتكون هي الصلاة نفسها”.
No Result
View All Result