No Result
View All Result
كوباني/ سلافا أحمد ـ لاتزال تلك الواقعة المفجعة التي مرت عليها عشرة أعوام، عالقة في أذهان كل من عاشها وشاهدها، وستبقى راسخة في ذاكرة هذه المدينة، التي ناضلت وقاومت، ذلك الألم.
سجل فجر الخامس والعشرين من شهر حزيران 2015، تاريخاً عصيباً عاشته مدينة كوباني وقرية برخ بوتان، حيث استيقظ الأهالي على الصرخات والدماء والموت.
ثاني أكبر مجزرة
لقد استيقظت مدينة كوباني وقرية “برخ بوتان” الواقعة جنوب المدينة بنحو 27 كيلو متراً على وقع دموي، حيث تسللت عناصر مرتزقة داعش يستقلون 12 سيارة عسكرية (ثمانٍ منها إلى كوباني وأربع إلى برخ بوتان)، للقيام بجرائم قتل عشوائية للمدنيين من أطفال وشيوخ ونساء ممْن يصادفونهم صغيراً كان أم كبيراً، فقد مرت عشرة أعوام على مجزرة كوباني الوحشية، ولا زال ذوو الشهداء يطالبون بمحاسبة ومعاقبة الجناة.
فقد وصلت أربع سيارات تستقلها عناصر داعش إلى قرية برخ بوتان، وثمانٍ إلى مركز مدينة كوباني، متنكرين بزي الجيش الحر، ووحدات حماية الشعب، وتسللت العناصر إلى المناطق الاستراتيجية، مثل “حي مكتل، وكانيا كردان، وحي الجمارك القريب من الحدود الفاصلة بين باكور كردستان وروج آفا، وحي بوطان غربي وشرقي، وحي كانيا مرشدا”، والعديد من المناطق الأخرى، وذلك في فجر الخامس والعشرين من شهر حزيران 2015، وأحدثوا مجزرة كوباني وبرخ بوتان، اللتين راح ضحيتهما 526 شخصاً مدنياً بين قتيل وجريح، منهم 253 شهيداً، و273 جريحاً، إلى جانب استشهاد 30 مقاتلاً من وحدات حماية الشعب والمرأة، وأعضاء قوى الأمن الداخلي (الأسايش) أثناء تصديهم للمرتزقة، في عمليات تطهير مدينة كوباني، وقرية برخ بوتان من المرتزقة داعش الإرهابية، وقد عُدَّت هذه المجزرة ثاني أكبر مجزرة ارتكبها داعش في سوريا بعد هجمات الإبادة على شنكال، حيث استشهد 37 طفلاً في المجزرة، وكذلك 77 امرأة، بينهم ثلاث نساء حوامل، فيما تسببت تلك المجزرة بيتم 93 طفلاً في كوباني، وبرخ بوتان.
لقد انتشرت الصرخات في كل مكان، وملأت شوارع المدينة بالدماء، فقد مرت عشرة أعوام على تلك الفاجعة، ولا تزال تلك المشاهد الدموية عالقة في أذهان كل من عاشها وشاهدها، وستبقى راسخة في الذاكرة، حي تتجدد تلك المشاهد في كل زيارة لأضرحة الشهداء.
فجر عصيب مر عليهم
ومن بين آلاف القصص الخفية عن مجزرة كوباني وبرخ بوتان، ظهرت عائلة المواطنة “زبيدة عبد الكريم“، التي فقدت زوجها وابنتها وعائلة ابن عم زوجها في تلك المجزرة المروعة. حيث لفتت زبيدة في مستهل حديثها لصحيفتنا “روناهي”، عن ذلك الفجر المفجع، بأنه كان فجراً عصيباً، ويوماً أسود لن يفارق أذهانهم.
وأشارت، إلى أنهم بعد دحر مرتزقة داعش الإرهابية من مدينتهم كوباني، عادوا من شمال كردستان، إلى منزلهم في قرية ترميك، على أمل كبير بأنهم سيعيدون الحياة إلى منازلهم وأحيائهم وقراهم ومدينتهم من جديد، لكنهم عاشوا ثاني أكبر مجزرة مروعة ارتكبتها مرتزقة داعش الإرهابية. حيث سردت زبيدة أحداث ذاك اليوم المرير: “مع بزوغ الفجر، دوى صوت الرصاص بشكل مكثف المدينة، استيقظنا على أصوات الرصاص، لم نكن نعلم ماذا يحصل؟”.
وأضافت: “ومع تعالي أصوات الرصاص، انتابني شعور مريب، وحينها توجهت مسرعة إلى ابنتي التي كانت نائمة في بيت جدها الذي كان بجوارنا، فهرعت نحوها بشكل جنوني، إلا أنني رأيتها ترتجف، فصرختُ ببعلببلا أعلى صوتي (لا أعرف ماذا حدث لنارين!)”.
وتابعت: “وعندما رفعت رأسها، رأيتُ الدم يسيل منها، وقد نطقت آخر كلمة “ماما”، ولم أعلم حينها بأنها قد فارقت الحياة، حيث ظننتها قد فقدت الوعي، فحملتها بين ذراعي ودموعي تنهمر وصرخاتي تتعالى”.
وزادت زبيدة: “لقد أصاب ابنتي نارين البالغة من العمر تسعة عشر عاماً رصاص المرتزقة الطائش الذي كان يملأ الأرجاء”.
وأضافت: “وبعد لحظات، علمنا بأن المرتزقة دخلوا المدينة، وأصوات الرصاص تملأ المدينة، وحينها توجه العديد من عائلات القرية صوب بيتنا، ولحظة عن لحظة كانت تزداد أصوات الرصاص أكثر”.
واستكملت زبيدة: “وبعدها توجهت أنا وزوجي مع عائلة ابن عم زوجي نحو المدينة لإنقاذ حياتنا، وابنتي لا تزال في حضني والدماء تسيل من رأسها، ولا أعرف إن كانت على قيد الحياة أم استشهدت”.
وتابعت: “وحين وصولنا إلى مدخل المدينة، كان المرتزقة أمامنا، وأطلقوا الرصاص على سيارتنا بهدف قتلنا جميعاً، حيث كنا نحاول أنا وزوجي النجاة من الموت، مع عائلة ابن عمه”، مضيفةً: “وكنتُ أنا وسائق السيارة (ابن عم زوجي) في مقدمة السيارة عندما استهدفتنا المرتزقة، وقد أصبنا جميعاً في السيارة، وقد هرع زوجي للخروج من السيارة، بينما كانت طلقات الرصاص لا تزال تُدوّي، وكانت المرتزقة تستخدم أشعة الليزر لفحص الجثث ومعرفة الأحياء وقتلهم، وحينها استشهد جميع من كان معي “زوجي وابنتي وابن عم زوجي وزوجته”، أنا الوحيدة التي قد نجوت منهم”.
وتطرقت زبيدة: “وبعد استشهاد الجميع أتوا المرتزقة ليتأكدوا بأننا قد استشهدنا جميعاً، فكانوا يستخدمون أشعة الليزر للفحص، حينها تظاهرت أيضاً بالاستشهاد، وبقيت أحبس أنفاسي حتى ابتعدوا قليلا”.
ونوهت: “أُصبتُ وبقيت تحت تلك الجثث، وكانت ابنتي لا تزال بين ذراعيّ، كنتُ بين تلك الجثث حتى الواحدة ليلاً، أُصبتُ في كلتا ذراعيّ وساقيّ، وكانت إحدى ساقيّ على وشك البتر، وأُصيبت يدي بثلاث رصاصات تقريبًا، لكنني لم أمت، بقيت أصارع الموت بين الجثث”.
تركت ابنتي وزوجي ورحلت
وأردفت زبيدة: “وفي الساعة الواحدة فجرًا، كانت أصواتهم لا تزال ترن في أذني، حينها تواصلت مع مقاتل من وحدات حماية الشعب كنت أعرفه من قبل، وقد شرح لي خطورة الطريق ودلني على طريق آمن لأتمكن من الوصول إليهم”.
وتابعت: “ومشيتُ بذاكرتي حتى وصلتُ إلى الحديقة أمام المدينة، ثم هاجمتني كلاب المدينة، وللضرورة ركبتُ سيارة، وبقيتُ هناك حتى الصباح منتظرًا وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، وقد تواصلت مع ذلك الشخص مرة أخرى، وقلت لهم بأن المرتزقة متواجدون في كل مكان، حيث دلني على طريقٍ آخر حتى تمكنت من الوصول إليهم، ومن ثم أسعفوني إلى شمال كردستان”.
واختتمت الأم “زبيدة عبد الكريم” حديثها، والدموع تنهمر من أعينها والغصة في قلبها: “لقد تركت زوجي وابنتي خلفي ورحلت، لا يفارقني هذا الشعور البشع”.
No Result
View All Result